نظرة عامة على تقرير مؤشر الإرهاب العالمي

  • | الثلاثاء, 29 ديسمبر, 2020
نظرة عامة على تقرير مؤشر الإرهاب العالمي

     شهد العالم العديد من الأحداث المؤثرة على كافة الأصعدة خلال الفترة الأخيرة، ولعل أبرز تلك الأحداث، ما ارتكبته الجماعات الإرهابية على مدار عام 2019 من هجمات دموية، راح ضحيتها المئات من الأرواح البريئة، التي لا ذنب لها سوى الاختلاف أيديولوجيًا أو عقائديًا مع تلك الجماعات، التي انتهكت ولا تزال تنتهك النفس البشرية باستهانة واضحة، ضاربة عرض الحائط بكافة الأعراف والتعاليم الدينية، التي تحث على مراعاة الحق الإنساني في حياة آمنة.
لذلك انطلاقًا من الرسالة التي من أجلها أُسِّسَ مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، فقد تابع المرصد باهتمام بالغ ما جاء في التقرير السنوي لمنظمة الاقتصاد والسلام (IEP) والذي تتضمن مؤشر الإرهاب العالمي (Global Terrorism Index). 
ويقدم هذا المؤشر ملخصًا شاملًا للتوجهات والأنماط العالمية المؤثرة في الإرهاب ومدى تضرر الدول منه، وذلك استنادًا على الإحصائيات الواردة من قاعدة بيانات الإرهاب العالمية (GTD) حيث تحتوي تلك القاعدة على أكثـر من 170 ألف حادثة إرهابية وقعت في الفترة من 1970 إلى 2019.
ويغطي مؤشر الإرهاب العالمي 99.7% من سكان العالم حيث يتابع الأثر الذي يسببه الإرهاب داخل 163 دولة مستندًا في ذلك على المعلومات المرتبطة بالظروف الاجتماعية والاقتصادية المتغيرة، إضافة إلى التغيرات التي تطرأ على أنشطة الجماعات الإرهابية مع مرور الوقت، وكذلك المحركات الجغرافية والسياسية المرتبطة بتلك الجماعات واستراتيجياتها  المختلفة. ويهدف المؤشر إلى جانب تحليل البيانات إلى تقديم حلول ومقترحات عملية فيما يتعلق بمستقبل الإرهاب وطرق الاستجابة السياسية اللازمة لمواجهته.
ويرصد المؤشر العمليات الإرهابية التي ينطبق عليها التعريف المعتمد للإرهاب لدى منظمة الاقتصاد والسلام والذي ينص على:
"التهديد باستخدام القوة غيـر المشروعة والعنف أو الاستخدام الفعلي لها من قِبل جهة ما من غيـر الدول؛ بهدف تحقيق هدف سياسي أو اقتصادي أو ديني أو اجتماعي بالتخويف أو القسر أو الترهيب".

أعداد الوفيات الناجمة عن الإرهاب في 2019
وبناء على ذلك نجد أن المؤشر في عام 2019 رصد انخفاضًا في أعداد الوفيات الناجمة عن العمليات الإرهابية للسنة الخامسة على التوالي مقارنة بعام 2014 الذي بلغت فيه الذروة مع نشاط تنظيم "داعش" الدموي في سوريا والعراق، كما سجّلت (103) دولة تحسنًا واضحًا في وضعها وفق المؤشر مقارنة مع (35) دولة سجلت انهيارًا في الأوضاع الناجمة عن الإرهاب.
ولتوضيح تلك الأرقام نسلط الضوء على عدد من الدول التي يتواجد بها أعنف التنظيمات الإرهابية مثل "القاعدة" و"طالبان" في أفغانستان و"بوكو حرام" في نيجيريا وغيرهما. 
نبدأ من أفغانستان  فقد شهد هذا البلد الأسيوي أكبر انخفاض في تأثير الإرهاب عام 2019 مقارنة بالعام السابق له بعدد وفيات بلغت (1654) حالة أي أقل بنسبة 22.4% عن 2018. ورغم هذا الانخفاض إلا أن الإرهاب لا يزال يضرب بشراسة أركان أفغانستان؛ لتكون بذلك الدولة الأكثر تأثرًا بالإرهاب بعد أن تجاوزت العراق في 2018. 
أما نيجيريا فقد سجلت ثاني أكبر انخفاض في أعداد الوفيات، جراء الإرهاب في 2019؛ نتيجة لانخفاض ضحايا العمليات الإرهابية التي نفذها المتطرفون هناك؛ حيث انخفض العدد من 2043 إلى 1245 بنسبة 39.1%. ورغم ذلك الانخفاض إلا أنه تم تسجيل زيادة طفيفة في أعداد الوفيات الناجمة عن هجمات حركة "بوكو حرام" الإرهابية. وبشكل عام، انخفضت أعداد وفيات الإرهاب في نيجيريا حاليًا بنسبة 83% عما كانت عليه في 2014 وقت أن بلغت الذروة.
وتوضح لنا الأرقام السابقة الدور الذي يلعبه الصراع في تحريك الإرهاب، فقد وقعت أكثر من 96% من وفيات الإرهاب عام 2019 في الدول التي تشهد صراعات. فنجد الدول العشر الأكثر تأثرًا بالإرهاب جميعها متورطة في صراع مسلح واحد على الأقل.
ورغم انخفاض تأثير الإرهاب على دول العالم، إلا أنه لا يزال يشكل مشكلة خطيرة وحادة في العديد من الدول؛ حيث سجلت 63 دولة في 2019 حالة وفاة واحدة على الأقل بسبب هجوم إرهابي، بينما وقعت في 17 دولة أكثر من 100 حالة وفاة بسبب الهجمات الإرهابية.

تنظيم داعش الإرهابي
وتأتي تلك الأرقام التي تم رصدها من قبل المؤشر العالمي للإرهاب في وقت تدنت فيه قوة تنظيم "داعش" الإرهابي، وانخفضت فيه عملياته الإرهابية، وبالتالي الخسائر الناجمة عن تلك العمليات. فقد سجلت أعداد الوفيات المنسوبة للتنظيم (942) في 2019 مقارنة بعام 2018 الذي بلغت فيه الوفيات (1571). ويعد هذا الانخفاض هو الأول منذ بداية ظهور التنظيم في 2013.
وبالنسبة لعدد عمليات التنظيم الإرهابية فقد شهدت هي الأخرى تدنيًا واضحًا منذ ظهور التنظيم، حيث سُجلت (339) عملية في 2019.
لكن يمكن القول أن تدني نشاط تنظيم "داعش" الإرهابي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لا يعني موت التنظيم عمليًا وأيديولوجيًا؛ فالجماعات التابعة له لا تزال نشطة في أنحاء العالم، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، والتي شهدت زيادة في أعداد الوفيات؛ جراء عمليات الجماعات التابعة لداعش، حيث شهدت 27 دولة هجومًا إرهابية نفذه داعش، أو إحدى الجماعات التابعة له.
وبالاقتراب أكثر من نشاط الجماعات التابعة لداعش في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء نجد أن سبعة من الدول العشر، التي شهدت ارتفاعًا كبيرًا في الإرهاب كانت في تلك المنطقة، وهي: (بوركينا فاسو ـــ موزمبيق ــــ جمهورية الكونغو الديمقراطية ــــ مالي ـــ النيجر ــــ الكاميرون ــــ إثيوبيا)، ويمكن ملاحظة الدور الذي تلعبه الصراعات داخل هذه الدول، في تهيئة الأرض أمام الجماعات الإرهابية؛ للتوغل وفرض سيطرتها وشنِّ هجماتها ضد أهداف حيوية، تهدد أمن واستقرار تلك الدول. 
ولعل ذلك السبب وراء التحذيرات التي أُطلِقت مؤخرًا من قبل الجهات المختصة في مكافحة التطرف والإرهاب ومن بينها مرصد الأزهر لتوخي الحذر من مخططات تنظيم "داعش" الإرهابي خصوصا لإقامة دولته المزعومة في إفريقيا، بعد الهزيمة التي تلقاها التنظيم في سوريا والعراق، وهو ما يستدعي يقظة أجهزة الأمن في دول منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، لهذه المخططات، والعمل على ردع الجماعات التابعة لهذا التنظيم الإرهابي؛ منعًا من تهيئتها الظروف في تلك الدول لإتاحة الفرصة أمام التنظيم الأم، للتواجد بقوة على الأرض وبالتالي إقامة دولته المزعومة.
وننتقل إلى بقعة أخرى في العالم كانت مسرحًا لعمليات "داعش" الدموية، ونقصد هنا تفجيرات يوم عيد الفصح، التي ضربت سيريلانكا لتجعلها ثاني أكبر زيادة في أعداد الوفيات عام 2019، حيث أسفرت تلك التفجيرات الدموية عن مقتل 266 شخصًا، وإصابة ما لا يقل عن 500، وذلك على يد إرهابيين بايعوا الزعيم السابق لتنظيم "داعش" الإرهابي أبي بكر البغدادي عبر الإنترنت.
وقد سبق أن تطرق مرصد الأزهر إلى تلك التفجيرات بالتحليل في أحد تقاريره ضمن سلسلة "التداخل بين الجريمة والإرهاب" المنشورة على صفحته الإلكترونية، حيث عمد المرصد إلى كشف أبعاد مخطط "داعش" واستراتيجيته الجديدة للتغلب على هزائمه في سوريا والعراق، حيث كانت تفجيرات سريلانكا من أولى عمليات التنظيم، وفق تلك الاستراتيجية المسماة بـ "خلايا التماسيح"، والتي لعبت فيها العناصر الإجرامية دورًا واضحًا في تسهيل تحركات العناصر الإرهابية المنفذة لتلك التفجيرات الدموية على الأرض.
وبشكل عام، لا تزال منطقة جنوب آسيا المنطقة الأكثر تأثرًا بالإرهاب في 2019 على الرغم من التحسن الذي شهدته دول: أفغانستان وباكستان والهند. ويتضح ذلك من أرقام الوفيات الناجمة عن العمليات الإرهابية للسنة الثانية على التوالي مقارنة بمناطق أخرى في العالم. 

حركات اليمين المتطرف
وبعيدًا عن نشاط تنظيم "داعش" الإرهابي وباقي التنظيمات الإرهابية التي تتخذ تعاليم الدين شعارًا لتوجهها الأيديولوجي، نجد أن الزيادة التي شهدتها حركات اليمين المتطرف تعد من أكثر التوجهات المثيرة للقلق والخوف في السنوات الخمس الماضية، على الرغم أن الهجمات التي نفَّذها اليمين المتطرف لا تزال منخفضة مقارنة بأشكال الإرهاب الأخرى السابق ذكرها.
ولعل القلق الناجم عن نشاط اليمين المتطرف تبرره الأرقام المرصودة في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وأوقيانوسيا، حيث ارتفعت هجمات اليمين المتطرف بنسبة 250% منذ 2014، وبالتالي زيادة أعداد الوفيات بنسبة 709% على مدار نفس الفترة. وقد شهد عام 2019 (89) حالة وفاة منسوبة إلى إرهابيي اليمين المتطرف، (51) حالة منهم وقعت في هجمات مسجد "كرايستشرش" بنيوزيلندا. وشهد الغرب أكثر من (35) حادثة إرهابية يمينية متطرفة كل عام على مدار السنوات الخمس الماضية.
جدير بالذكر أن إرهاب اليمين المتطرف غالبًا ما يكون أشد فتكًا ودمويةً من إرهاب اليسار المتطرف، فقد نفذ إرهابيو اليمين المتطرف (13) هجومًا راح ضحية كل هجوم منها أكثر من 10 قتلى على مدار السنوات الخمسين الماضية، بالمقارنة مع (24) هجومًا نفَّذه إرهابيون لهم توجه ديني، وثلاثة هجمات نفَّذها إرهابيون ينتمون إلى أفكار متطرفة أخرى.
وما يزيد من مخاطر إرهاب اليمين المتطرف، أن ما ينفذ من هجمات تتم في أغلب الاحتمالات على يد أفراد غير تابعين لجماعة إرهابية محددة، والدليل على ذلك أن حوالي 60% من هجمات اليمين المتطرف في الفترة من 1970 وحتى 2019، نفَّذها أشخاص منفردون غير تابعين لأية جماعة أو تنظيم.
ولا تتوقف خطورة اليمين المتطرف عند هذا الحدِّ، بل تدل بعض المؤشرات إلى وجود توجُّهٍ لقبول نشاط اليمين المتطرف لدى العامة؛ لا سيما مع ارتفاع مستوى الاستقطاب في المجتمعات. ففي الولايات المتحدة حيث وقعت غالبية الحوادث الإرهابية لليمين المتطرف، برَّر ما يقرب من 40% من المشاركين في إحدى استطلاعات الرأي من الديمقراطيين والجمهوريين في 2020، العنف الذي يمارسه اليمين المتطرف مرجعين ذلك لأهداف سياسية ولو بشكل جزئي. هذه النسبة مرتفعة بالمقارنة لِمَا كانت عليه من سنتين ونصف، حيث بلغت وقتئذ أقل من 10% فقط.

الخسائر المادية جراء الإرهاب
كبَّد الإرهاب الاقتصاد العالمي خسائر كبيرة، حيث بلغت تلك الخسائر 16.4 مليار دولار أمريكي في 2019، إلا أن هذا المبلغ الضخم أقل بنسبة 25% عن المبلغ الذي تكبَّده العالم في 2018.
ونتجت هذه الخسائر عن الاستهداف المتعمد من قبل الجماعات الإرهابية للمرافق الحيوية في الدول المستهدفة، فعلى سبيل المثال: تفجير أنابيب النفط في العراق يُعدُّ من أبرز الأماكن المستهدفة من قبل تلك الجماعات، وكذلك الأسواق كما يحدث في أفغانستان؛ لتضمن الجماعات الإرهابية وقوع خسائر مادية وبشرية كبيرة، ولا يتوقف الأمر عند ذلك؛ بل المبالغ الضخمة التي تنفقها الدول في مجال مكافحة الإرهاب تشكل عبئًا على كاهلها كان يمكن توجيه هذه الأموال في مسارات أخرى تنموية، لكن نشاط الجماعات الإرهابية حال دون ذلك، تلك كانت نبذة مختصرة عن أوجه الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الإرهاب.
وبعد هذا العرض لبيانات مؤشر الإرهاب العالمي، يؤكد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، أن الجماعات الإرهابية على اختلاف أشكالها وأيديولوجياتها، لا تزال تُشكِّل تهديدًا قويًا لدول العالم كافة؛ لذا يجب التعامل معها بحزم؛ لردعها والحدِّ من نشاطها على الأرض، مع الوضع في الاعتبار أن التعامل الأمني وحده لا يكفي، خاصةً مع حالات الاستقطاب التي تُمارس لجذب عناصر جدد، تُعوض ما يسقط من أعضائها،  وهو ما يستدعي أن يكون مع المواجهة الأمنية مواجهة فكرية، تقوم على تصحيح الأفكار المضللة، والآراء الشاذة؛ والتوعية بخطورة هذه الجماعات، وتغذية العقول بالثقافة الكافية؛ لمنع ظهور بؤر إرهابية جديدة في العالم.

مرصد الأزهر لمكافحة التطرف

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
No rating