إسبانيا ومواجهة خطر انتشار اليمين المتطرف

  • | الأربعاء, 7 يوليه, 2021
إسبانيا ومواجهة خطر انتشار اليمين المتطرف

 

     يشكل انتشار الأحزاب اليمينية المتطرفة وأتباعها في أوروبا تهديدًا على عملية التعايش والاندماج في المجتمعات الغربية، وبخاصة تجاه المسلمين واللاجئين؛ حيث إن ممارسات أصحاب الفكر اليميني المتطرف لا تفرق بين مسلمين مهاجرين، أو مولودين مقيمين في هذه البلدان ويحملون جنسيتها. ورغم أن المسلمين والمهاجرين في إسبانيا مندمجون بصورة كبيرة، مقارنةً بدول أوروبية أخرى، فإن بعض مظاهر التفرقة تطالهم بين الحين والآخر، حيث تعمل مجموعات اليمين المتطرف على الاستفادة من الأحداث المختلفة للهجوم على الإسلام، والأماكن المقدسة الإسلامية، وكذلك استغلال الأعمال الإرهابية التي تقوم بها التنظيمات المتطرفة كذريعة لتلك الممارسات، ولهذا نجد أن المسلمين في أوروبا يعيشون بين مطرقة الأحزاب اليمينية المتطرفة وسندان الجماعات الإرهابية، بالإضافة إلى الهجوم على اللاجئين ومحاولة منعهم من الدخول إلى أوروبا بحجة التخوف من أسلمتها!

كما تستغل تلك الأحزاب شعارات الهوية الوطنية لاستقطاب متعاطفين للهجوم على الإسلام والمسلمين وكذلك اللاجئين، ومن أبرز هذه الأحزاب التي تستغل أية مناسبة لإثارة الرأي العام ضد المسلمين واللاجئين في إسبانيا حزب "فوكس" اليميني المتطرف.

ولأن الدولة الإسبانية تهدف إلى التأكيد على أن العيش المشترك والتعايش السلمي بين أتباع الديانات المختلفة يُسهم في تقريب وجهات النظر بين الأجيال، ويحول دون الأفكار السلبية المسبقة حول الدين والهوية، وأن تحقيق الأمن والسلام يتطلب جهدًا كبيرًا ومبادرات عظيمة، فقد حذّر رئيس الحكومة الإسبانية "بيدرو سانشيث" في خطاب له في تجمع حاشد في مدينة "خيتافي" في ‏‏أبريل 2021م من خطورة اليمين المتطرف متمثلًا في حزب "فوكس" في إسبانيا، مؤكدًا أن ذلك الحزب ‏يمثل تهديدًا على التعايش السلمي وعلى الديمقراطية داخل المجتمع الإسباني. ويُعد ناقوس الخطر الذي دقَّه ‏‏"سانشيث" ضد "فوكس" هو الأشد من نوعه منذ توجيه الانتقادات الحادة قبل ذلك ضد منظمة "إيتا" ‏الانفصالية.

وأضاف "سانشيث" أن ممثلي اليمين المتطرف يظهرون في وسائل الإعلام لنشر سم الكراهية، محذرًا من ‏أن التشكيل الذي يقوده "سانتياغو أباسكال" رئيس حزب "فوكس" هو القوة السياسية الثالثة في إسبانيا، ‏بعد الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي، خاصة بعد الانتخابات العامة الأخيرة لعام 2020م. وفي هذا الصدد، حذّر مرصد الأزهر مرارًا وتكرارًا من خطورة التيار اليميني المتطرف وتهديده ‏لاستقرار المجتمعات متمثلًا في ذلك الحزب داخل إسبانيا.

  كما أصدر المرصد تقريرًا مرئيًّا باثنتي عشرة لغة تحت عنوان: "أنشطة اليمين المتطرف.. دعوة صريحة للكراهية والعنف"؛ وذلك في إطار سلسلة الإصدارات المرئية التي ينشرها مرصد الأزهر باللغة العربية واللغات الأجنبية. وأكَّد الإصدار على أن أنشطة جماعات اليمين المتطرف العدائية ضد المسلمين ومقدساتهم الدينية إنما هي أعمالٌ إرهابية ودعوة صريحة للكراهية والعنف، تستوجب الملاحقة القانونية، وتستدعي تضافر الجهود للقضاء على تلك الآفة التي تمثل خطرًا كبيرًا على استقرار المجتمعات.

وعلى المستوى الثقافي، أكّد الكاتب الإسباني "جيرمو فيرنانديث باثكيث" الباحث في "جامعة كومبلوتنسي" ‏في مدريد – وهو متخصص في دراسة الحركات اليمينية المتطرفة الأوروبية - في مقابلة صحفية أن الديمقراطية التي يدعو لها حزب ‏‏"فوكس" اليميني المتطرف في إسبانيا هي ديمقراطية محدودة، على الرغم من ركوبه حصان الحرية. وأشار ‏إلى أن المجموعات الفاشية الجديدة في بلدان مثل: ألمانيا وفرنسا وإيطاليا أقوى بكثير من تلك ‏الموجودة في إسبانيا. ‏كما أكّد أن وجود الجماعات اليمينية المتطرفة يشكل خطرًا على عدد كبير من الفئات ‏الاجتماعية مثل المهاجرين.

وألمح "جيرمو" إلى أن خطورة الجماعات اليمينية المتطرفة وصلت إلى التعدي الجسدي المباشر على جماعات من المهاجرين أو المسلمين، أو على أية فئة مجتمعية لا تؤيد أفكارهم وتوجهاتهم، بالإضافة ‏إلى أن هذه الجماعات المتطرفة هاجمت بعض الجداريات الحقوقية والداعية إلى التمسك بحقوق الإنسان، وقامت بتعليق اللافتات في ‏كل مكان، وانتهكت مقرات الأحزاب السياسية وما إلى ذلك، وهو تطور خطير بالنسبة للأحزاب والتيارات ‏اليمينية المتطرفة في إسبانيا، فمثل هذه الأمور لم تكن موجودة تقريبًا قبل (3) سنوات.

وعلى المستوى السياسي، أشارت جميع الأحزاب الديمقراطية في إسبانيا إلى أن حزب "فوكس" يشكل عائقًا لتقدم عملية التعايش السلمي؛ حيث تتسم خطاباته دائمًا بالكراهية، والعنصرية، وكره الأجانب، وكراهية النساء، والتمييز الطبقي. ويعتقد الحزب ومن يناصره أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، ويحتقرون من لا يفكرون مثلهم، كما أنهم يتجاوزون في حق المسلمين وغيرهم.

وفي إطار الجهود التي تبذلها إسبانيا لمكافحة خطاب الكراهية قضائيًّا، طالب مكتب المدعي العام الإسباني في مدينة "بلنسية" محاكمة حزب "إسبانيا 2000"، ‏وهو ‏حزب يميني متطرف في إسبانيا متهم بإثارة الكراهية ضد الإسلام والمسلمين، وذلك بعد أن ‏نفَّذ هذا ‏الحزب وقفة يوم الجمعة 18 ديسمبر 2020 في ساحة "لوس بينازو دي ‏فالينسيا"، تحت ‏شعار "لا للإسلام". ويأتي هذا القرار بعد أن فتح "قسم الحماية الجنائية للمساواة ‏ومناهضة التمييز" (وهو قسم يختص بجرائم ‏الكراهية وتابع لمكتب المدعي العام) إجراءات تحقيق جنائي ضد حزب "إسبانيا ‏‏2000"؛ نتيجة لإبلاغه ‏بالوقائع التي تمثل جرائم كراهية بسبب محتواها العنصري وكراهية ‏الأجانب.  ‏

 

كما أصدر القسم الثالث بمحكمة الجنايات في بلدية "الجزيرة الخضراء" التابعة لمدينة "قادس" الإسبانية، في 5 مارس 2021م حكمًا يقضي بحبس مواطن يبلغ من العمر (63) عامًا؛ لنشره على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" عددًا كبيرًا من المنشورات والرسائل التي تحرض على الكراهية والعنف ضد المهاجرين المسلمين. وأوضح الحرس المدني في "نابارّا" في بيان له أنه تمَّ القبض على المتهم المذكور في إطار ما يُسمَّى بـ"عملية كالاريناس"، وأنه تمَّ معاقبته بالحبس لمدة عام ونصف العام، وحرمانه من ممارسة الحقوق المدنية، وتغريمه غرامة قدرها (15) ألف يورو؛ لارتكابه جريمة التحريض على التمييز وكراهية الأجانب عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ويؤكّد مرصد الأزهر على رفضه القاطع لكل أعمال العنف والتعدي على الآخرين، لافتًا إلى أنها تمثل شكلًا من أشكال العنصرية المقيتة التي ينبغي أن يُوضع لها حد حاسم، يردع الخارجين على القانون، ومرتكبي العنف ضد المواطنين، أيًّا كانت انتماءاتهم أو توجهاتهم. كما يحذّر المرصد من أن الدفع بالشباب في مثل هذه التوجهات الإجرامية هو نذير شر مستطير، وخطر داهم على المجتمعات التي تستند على الشباب كدعامة حقيقية للنهوض والتقدم.

 وبتاريخ 22 مايو 2021م، أفادت الشرطة القطلونية أنها تُجري تحقيقات مع رجل يبلغ من العمر (36) عامًا من مدينة "برشلونة" في إسبانيا، وذلك على خلفية نشاطه الترويجي لعدد من الأعمال الإجرامية لأتباع اليمين المتطرف من خلال شبكات التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، و"تويتر"، فضلًا عن نشره تصريحات على عدد من صور هذه الأعمال معلقًا: "نحتاج إلى مزيد من الأبطال في أوروبا مثل هؤلاء"، فضلًا عن الرسائل المعادية للأجانب والمسيئة للمسلمين. فعلى سبيل المثال لا الحصر، عرض هذا المتهم صورة لـ"مصحف داخل فم خنزير". ووفقًا للشرطة القطلونية فإن هذه السلوكيات من المؤكد أنها تظهر ازدراءً واضحًا للتعددية الثقافية والدينية في إسبانيا.

ونتيجة لهذا يؤكد مرصد الأزهر على أن المواطنة هي أساس التعامل بين فئات المجتمع المختلفة، وأن السلوك العنصري على أساس الدين، أو العرق، أو اللون، أو الجنس مرفوض بكل أشكاله، ويتعارض مع كافة الأديان والقوانين العامة المنظمة لحقوق الإنسان والمعاهدات الدولية التي تنص على تجريمه.

ويؤكّد المرصد أن انتهاك الأحزاب اليمينية المتطرفة للقوانين الدولية المنظمة لشبكات التواصل الاجتماعي وخرق الأعراف الدولية ومبادئ حقوق الإنسان يمثل خطرًا محدقًا على استقرار المجتمعات، ويهدد تعايشها السلمي.

وحدة الرصد باللغة الإسبانية

 

طباعة
الأبواب: مقالات
كلمات دالة:
Rate this article:
No rating