النصيحة بين الاعتدال والتطرف (1)

  • | الإثنين, 19 يوليه, 2021
النصيحة بين الاعتدال والتطرف (1)

النصيحة هي إرادة النفع للمنصوح له دون مصلحة للناصح سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة كالانتصار للنفس، أو الانتقاص من المنصوح. والنصيحة لها شأن عظيم في حياة الفرد والمجتمع على حد سواء، فهي أساس بناء الأوطان، والدرع الحصين من الفرقة والتنازع والتحريش بين أبناء المجتمع، ولا شكَّ أن الجهات المعنية بالإرشاد والتوجيه -ولا أعني بهذا علماء الدين فحسب، بل كل من يؤثر في توجيه المجتمع كالأسرة، والبرامج الإعلامية، والأعمال الدرامية- تحتاج إلى المزيد من الجهود في مكافحة تنامي ظاهرة التطرف والإرهاب، إذ إن الشرع الحنيف قد حمَّل هؤلاء مسئولية كبرى في توضيح ما ينبغي على الفرد تجاه مجتمعه، ومتى ما أهمل هؤلاء تلك المسئولية العظمى، فإن الدول تدمر، والقلوب تسود، والنفوس تضل، والأفكار تزيغ، والباطل يصول ويجول، كما حدث في موجة الإرهاب التي ضربت الأوطان العربية.

ومن هذا المنطلق حمل مرصد الأزهر لمكافحة التطرف على عاتقه توجيه الشباب وإرشادهم في دينهم ودنياهم وتقديم النصيحة لهم من أجل تحصينهم من الوقوع في براثن التطرف؛ ولهذا يرى مرصد الأزهر أن النصح بطرق خاطئة يزيد من معدلات الأخطاء، أو يوقع «المخطئ» في خطايا جديدة مبتكرة؛ لذا فإن من الأمور التي ينبغي وضع حد لبذل النصح من غير اهتداء أو ضوابط، حيث إن من أهم ضوابط النصح؛ أن تكون النصيحة مغلفة بالشفقة والإحسان من الناصح للمنصوح، فيلقي الناصح نصحه باستحياء ولطف وكأنه المخطئ، ويتحمل أذى المنصوح وتوبيخه، ويعامله معاملة الطبيب المشفق على مريضه، فهو يتحمل فظاظة خلقه ونفرته، ويتلطف في وصول الدواء إليه بكل ممكن. فالاعتدال في النصيحة سبيل لقبول الناصح لها وعمله بها.

لكننا نرى أن بعض الناس يقوم بالتأنيب بدلًا من النصيحة إما لجهله أو لسوء طويَّته؛ فيعبر عن نصحه بقصد ذم وإهانة المنصوح وتوبيخه، وللأسف اشتهر هذا بين الناس. ومواقع التواصل الاجتماعي تخبرنا بهذا الذي يتعالى بنصحه، وينظر إلى المنصوح وكأنه فوق برج منعزل عن الناس.

ولنا في القرآن وسنة رسول الله الأسوة الحسنة، فالله تعالى يأمر نبيه موسى وهارون عليهما السلام بالتلطف واللين في نصح فرعون، يقول الله عز وجل: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولاَ  لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:43، 44]. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما دخل الرفق في شيء إلا زانه" [مسلم]، وكان صلى الله عليه وسلم يطبق هذا في النصح وغيره، فقد روي عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: "بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أُمِّيَاهْ ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فو الله ما كَهَرَني ولا ضربني ولا شتمني، قال: إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم". [مسلم].

فالرسول الجليل صلى الله عليه وسلم نصح هذا الصحابي بأسلوب رحيم ترك أعظم الأثر في نفسه، ما جعله يقول في نصيحة وتعليم النبي: "فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه".

كذلك من الأمور التي يغفلها الناصح أو يتغافلها هو أن ينصح المنصوح سرًا، فبعض الناس يتعمد النصيحة في العلانية بقصد التشهير والانتقاص، فهذا ليس بمُصلح بل هو مفسد وفاضح لما ستر، والله تعالى يقول: {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا} [النساء:63]. قال ابن كثير: وقوله: {وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا} أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم. وقد قيل: "مَنْ وعظ أخاه سرًّا، فقد وعظَه وزانه، ومَنْ وعظ علانية فقد فضحه وشانه".

كما يجب على الناصح أن يكون عالمًا مدركًا فيما ينصح، فكم من أناس ضلوا وأضلوا بنصيحة جاهل متغطرس فأهلكوا الحرث والنسل، كما يجب أن تكون النصيحة على قدر الخطأ وواضحة وموجزة.

وفي المقابل يجب على المنصوح أن يتذكر أنه بشرٌ يجوز عليه الخطأ والنسيان وليس ملكًا من الملائكة، ويصغي إلى من ينصحه ويستقبل هذا النصح بالامتنان، كما كان يفعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فعمر بن الخطاب كان يخفض رأسه لنصح الناصحين، وعلى سبيل المثال نذكر موقفه من المرأة التي خطَّأته في مسألة المهر حيث أذعن لها؛ لأنها هي التي أصابت وأنه هو من أخطأ.

ولا ريب أن عدم التقيُّد بهذه الضوابط حال النصح له أثر سيء على طرفي النصيحة؛ الناصح والمنصوح، بل على المجتمع كله؛ إذ إن المنصوح لن يسمع من الناصح بل سيزداد في خطئه، ومعاندة ومكايدة من نصحه بطريقة غير صحيحه، فكم من إنسان سوى بسبب نصحه بطريقة خاطئة انقلب إلى إنسان متطرف السلوك لا يقيم وزنًا لدين أو وطن، وبدل أن يكون نافعًا لمجتمعه أصبح يمثل خطرًا عليه، والنماذج المتطرفة الناتجة عن ذلك كثيرة، وما فعله «أبو بكر البغدادي» زعيم تنظيم داعش الإرهابي ليس عنا ببعيد، حينما نصح الشباب بالانضمام إلى دولته المزعومة في سوريا والعراق، فأهلكهم وأهلك بهم خلق كثير، وها هو المتحدث الرسمي باسم التنظيم مؤخرًا يكرر هذا النصح الذي لا خير فيه لا للمنصوح ولا لمجتمعه؛ إذ ينصح أتباع التنظيم الإرهابي بأن يستمروا على ما هم عليه من سفك للدماء، وتخريب للبلاد، كما ينصح الشباب بأن يتخذوا هؤلاء المجرمين قدوة.

ومن بين النماذج المتطرفة أيضا أحد المسجونين بسجون داعش في سوريا ويدعى "ياسر"، والذي أجرى معه الإعلامي نشأت الديهي، حوارًا مطلع عام 2020م، حيث صرح الرجل بأن سفره لسوريا كان بهدف مساعدة المسلمين في سوريا وليس الجهاد، مؤكدًا بأنه أثناء تواجده في هولندا كان له صديق مغربي نصحه بالسفر لسوريا للمساعدة في إقامة المباني لمساعدة المسلمين، فجاء هو وأسرته لسوريا بمساعدة وتنسيق صديقه المغربي.

ولنقف مع ما أشار إليه أن سبب قدومه إلى سوريا هو نصيحة صديقه المغربي، فانظر إلى المدخل الذي دخل له منه بأنَّ المسلمين هناك في حاجة ماسة إلى تخصصك وخبرتك، وأننا بمثل هذه المساعدات ننقذ الإسلام والمسلمين، في حين أن دولة مثل سوريا دمرت بسبب سعيهم الخبيث، وبمثل هذا النصح الأعمى الذي لا يخرج إلا من رجلين إما جاهل أو منتفع، بل انظر إلى هذا الرجل الذي كان يعيش في رغد ورخاء كيف وصل إلى حال يرثى له، ويتنمى أن يرجع إلى ما كان عليه، ولكن أنّى له ذلك.

ولو ألقينا نظرة عن قبول النصيحة داخل هذا التنظيم، فلم يكن يسمع قادة التنظيم لنصح من ينتمون إليهم من عوامهم، فبشهادة من كان معهم ورجع عن جرمهم وفكرهم، ذكر أن هناك الكثير من الأمور التي لم يكن يتوقعها، فالظلم والفساد والعنصرية، نظام مُقنن في تلك التنظيمات الإرهابية، فكم اشتكى هؤلاء من عدم تطبيق قادتهم للشرع على أنفسهم وذويهم المتهمين في قضايا تتعلق بالأموال وبالدماء، وهذا ما أكد عليه المرصد في إصدارته خاصة الإصدار المعنون بـ " الـعـائـــدون مــن داعــــش"، والعجيب أن هؤلاء القادة هم أنفسهم من نقموا على حكام بلادهم بدوافع منها عدم سماعهم لنصح الناصحين المعتدلين.

وفي النهاية علينا جميعًا أن ندرك أن النصيحة سلاح ذو حدين، فإذا تمَّ مراعاة ضوابطها كانت معتدلة ولها أثر طيب على الأفراد والمجتمعات، أما إذا فقدت النصيحة تلك الضوابط كانت أقرب إلى التطرف ولها أثر سيء. إننا في الحقيقة أمام أزمة تتعلق بالنصيحة ابتداءً من دائرة الأسرة والمدرسة وانتهاء بكل ميادين العيش، هذه الأزمة تتربص بنا وبالأجيال الناشئة.

لذلك يرى مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أنه يجب أن يكون هناك تدريب وتوعية ليس لمن يتصدر للنصح والنصيحة كالدعاة وغيرهم، أمثال الشيخ محمد أبو زهرة رضي الله عنه الذي يَعُدُّ من أصول الخطابة: تعلم علم المنطق، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، ومراعاة الفئات المستهدفة، فضلًا عن العلم في المنصوح فيه. ويؤكد المرصد أن هذا لا يجب في حق الخطيب أو الداعية فحسب، بل في كل من وضع موضع الناصح.

كما يجب على الأسر أن تغير من أسلوب النصح الذي يشتمل على تصيُّد الأخطاء إلى مراعاة الجوانب التي أشرنا إليها، وليستعينوا في ذلك بدارسة الأنماط الشخصية التي تساعد في معرفة مفاتيح الشخصية، حتى لا يرتمي أبناؤها في أحضان من لا يبالي بهلاكهم من المتطرفين والإرهابيين.      

وحدة الرصد باللغة العربية

 

طباعة
الأبواب: مقالات
كلمات دالة:
Rate this article:
No rating