سلسلة تداعيات التطرف وأسبابه في إفريقيا

(2): دولة الصومال

  • | الثلاثاء, 7 سبتمبر, 2021
سلسلة تداعيات التطرف وأسبابه في إفريقيا

     تنفرد دولة "الصومال" بأهمية إستراتيجية من المنظور الجغرافي؛ كونها تطل مباشرة على البحر الأحمر ومضيق "باب المندب" باعتباره أحد أهم المضايق المائية في العالم. كما تمتلك الصومال أطول السواحل على مستوى القارة الإفريقية، حيث يبلغ إجمالي طول السواحل الصومالية 3,025 كيلومتر. 
ويبلغ عدد سكان الصومال أكثر من 15 مليون نسمة وفق تقديرات عام 2019، معظمهم من البدو، والدين الرسمي للدولة هو الإسلام ويعتنق غالبيتهم المذهب الشافعي، وتنتشر الطرق الصوفية بقوة في الصومال، لاسيما الطريقة "القادرية" المعتدلة أما اللغة الرسمية للدولة هي الصومالية والعربية.
 دخلت "الصومال" بعد الاستقلال عام 1960، في حالة من الفوضى، خاصة مع الإطاحة بنظام الرئيس "محمد سياد بري" عام 1991. وفشلت حكومة الوحدة التي تشكلت عام 2000 في السيطرة على البلاد، ما أدى إلى انفصال بعض المناطق الهادئة نسبيًا. 
كما أدى استيلاء ائتلاف من محاكم الشريعة الإسلامية – كما أسمت نفسها -عام 2006 على العاصمة مقديشو وجزء كبير من جنوب البلاد إلى تدخل القوات الإثيوبية، ومن ثم قوات الاتحاد الإفريقي. وبدأت "الصومال" تتجه نحو الاستقرار منذ تنصيب حكومة جديدة مدعومة دوليًا عام 2012، لكن السلطات الجديدة لا تزال تواجه تحدي حركة «الشباب» المتحالفة مع تنظيم القاعدة.
وفيما يلي نبذة عن أوضاع "الصومال" الداخلية والخارجية، والحالة التعليمية والدينية باعتبارها الركيزة الأساسية في مكافحة الإرهاب، يليها مقتطفات من تبادل الزيارات بين الأزهر الشريف والقيادة الدينية والسياسية الصومالية. 

التعليم

رغم الجهود الحكومية، تعاني بعض المناطق في الصومال من تدهور في بعض القطاعات. ومن المشكلات الرئيسية في قطاع التعليم، على سبيل المثال، محاولة أطراف خارجية إساءة استغلال المنظومة التعليمية الصومالية في تحقيق مصالح شخصية، والإرهاب، ونقص التمويل.
وكانت القاهرة قد احتضنت منتدى "صناع السلام" في العام 2019 حيث أكدت الصومالية "سميرة آبي" مندوب التحالف الدولي للسلام والتنمية بجينيف، التركيز على مبادرة "اترك السلاح وامسك القلم" في الصومال، لافتة إلى أن هدف هذه المبادرة هو خدمة التعليم كسبيل لنبذ العنف ونشر السلم، ومكافحة ظاهرة تجنيد الأطفال باعتبارها واحدة من أبرز ممارسات تنظيم الشباب. 

قضايا المرأة 

لا تختلف المرأة الصومالية كثيرًا عن ذويها من بني جلدتها من نساء إفريقيا. فهي مقيدة بعادات وتقاليد وإرث ثقافي يختلف كثيرًا عما تعيشه نساء العالم أجمع. غير أنها ظلت الطرف الأضعف في الصراع في البلاد حيث لم تسلم المرأة الصومالية من بطش حركة الشباب الإرهابية. فلقد أٌجبرن على الزواج من مسلحي الحركة، وتم استغلالهن في القيام بأعباء الطهي والتنظيف في المعسكرات، وفي جمع المعلومات الاستخباراتية، ولم تقف الحركة عند هذا الحد تجاه النساء الصوماليات. بل جعلتهن الحركة ينفذن الهجمات.
وردًا على هذه الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في الصومال وغيرها من دول العالم أجمع دشن مرصد الأزهر لمكافحة التطرف العديد من الحملات التي تهدف إلى إلقاء الضوء على دور المرأة في الإسلام ومكانتها من خلال تدشين حملات توعوية مثل: حملة (هن)، و(أنت ملكة)، و(رفقا بالقوارير).. وغيرها، لتعزيز مكانتها في المجتمعات والبلدان.


الوضع الأمني والجماعات الإرهابية

تنشط في الصومال حركة «الشباب» الإرهابية، والتي خرجت من رحم "تنظيم القاعدة" وأخذت في النمو والتطور حتى صارت التهديدَ الأكبر ليس على الصومال فحسب، بل على أمن شرق إفريقيا بأكمله.
فمنذ أن تأسست حركة الشباب الإرهابية في أوائل 2004 لم تترك باب خراب ودمار إلا وطرقته، ضاربةً بتعاليم الدّين الإسلامي الحنيف ومبادئ الفطرة الإنسانية السليمة عرض الحائط، مردّدةً مزاعم وشعارات ظاهرها الرّحمة والعدل وباطنها الإجرام والعنف الوحشي.
فمن خلال المتابعة المستمرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف لأخبار وتحركات هذه الحركة يؤكد أنّها حركة لا تعرف عن الإسلام إلا اسمًا تتشدّق بالدّفاع عنه، ولا تعي من شريعته إلا أحكامًا وحدودًا تتذرّع بتطبيق مبادئها من خلال جرائم لا تقبلها شريعة ولا يقرّ بها دين. فلقد خلفت هذه الحركة آلاف القتلى والمصابين وشردت آلاف الأسر، وتسببت في انهيار اقتصاد الصومال، وفي فقدان الأمن والسلم في المجتمع.
تنامت الأنشطة والعمليات التي تقوم بها هذه الحركة حتى وصلت في 2020 وحدها إلى نحو 220 عملية مسلحة نفذتها ضد الصوماليين سواءً كانوا من قوات الجيش أو الشرطة أو حتى المدنيين. أسفرت هذه العمليات عن وقوع حوالي 650 من الضحايا، ونحو 670 من المصابين، واختطاف نحو 100 من الصوماليين. 
والمتأمل في الوضع الحالي لدولة الصومال، يجدها تشهد صراعًا مسلحًا يرجع تاريخه إلى عام 1982 عندما اندلعت المواجهات المسلحة ضد الرئيس محمد سياد بري، وتحولت إلى حرب أهلية واسعة تركزت في أرض الصومال. ولا يزال الصراع محتدما حتى بعد سقوط "بري" عام 1991، رغم محاولات عدة لجمع الأطراف والتوصل إلى حل، كان آخرها لقاء جمع قادة الصومال وأرض الصومال في جيبوتي، يوم 15 يونيو الماضي.
وبذلك يرى مرصد الأزهر أن حركة «الشباب الصومالية» لا تزال تمثّل أكبر تهديد لجهود الشركاء الدوليون والإقليميون لحل الأزمة الصومالية، وفرض حالة الاستقرار هناك، مع تصاعد نشاطها وتنامي قوتها، ويؤكد ذلك استمرار الدعم المالي للحركة الإرهابية والتي فشلت كافة المحاولات -حتى الآن- في تجفيف منابع هذا الدعم الذي يغذي أنشطة الحركة، بل ويدفع نحو اتساع رقعة انتشارها وتأثيرها.
وأكد ذلك التقرير الصادر عن معهد "هيرال" Hiraal Institute الصومالي في أكتوبر 2020م؛ حيث بين أن حركة «الشباب» تقوم بتحصيل الضرائب من مختلف فئات المجتمع، لدرجة أنها تجمع من الشركات الكبرى ضرائب على شكل زكاة سنوية إلى جانب مدفوعات شهرية، والدفع هنا إجباريًا وليس اختياريًّا، بل إن أصحاب الشركات مُجبرون على ذلك لضمان الحفاظ على سلامة أعمالهم وعدم تعرضهم للأذى مِن قِبل عناصر "الشباب" الإرهابية.
كما شارك مدير مرصد الأزهر في مؤتمر «الأمن الفكري ومحاربة التطرف في الصومال» بالتعاون مع منظمة التعاون الإسلامي عام 2019م، الذي انعقد بالصومال، مشيرًا خلال كلمته إلى ضرورة توافر عدد من الخطوات التي ينبغي العمل عليها لمكافحة الفكر المتطرف، من بينها: إدخال المفردات الخاصة بالتسامح والتعددية واحترام الرأي الآخر والحوار الفعال في المناهج الدراسية، وبيان التصورات عن الأفكار المنحرفة والتيارات الهدامة التي تستهدف العقول والمعتقدات الدينية الراسخة؛ لتحصين الأمن العقائدي والفكري لدى أفراد المجتمع.

العلاقات بين الأزهر  والصومال

لم يتوان الأزهر طيلة مشواره في تقديم يد العون والمشورة إلى كل أبناء القارة الإفريقية، بل للعالم أجمع. ويتخذ كل السبل كي ينشر المنهج الإسلامي الوسط في ربوع الدنيا، كي يكون وسيلة نافعة تسهم في تصحيح المفاهيم والأخبار المغلوطة عن الإسلام، وذلك عن طريق تقديم المنح التعليمية من الأزهر لطلاب الصومال، وإرسال العلماء لتدريب الدعاة في الصومال؛ لمواجهة الأفكار المتطرفة وتصحيح المفاهيم المغلوطة.
لم يقتصر دور الأزهر الشريف على الدعوة للدين الإسلامي، خصوصًا في المناطق التي توجد فيها صراعات كبيرة، مثل دولة الصومال؛ حيث كان له دور كبير في الوجود على الساحة الصومالية لمواجهة الحركات الإرهابية، وتأهيل وإعادة المنشقين عن الجماعات المتطرفة التي أغرقت الصومال في حروب وصراعات أهلية كبيرة. فقد لجأت الحكومة الصومالية إلى الطلاب خريجي الأزهر الشريف للمساعدة في إيقاف نزيف العنف، إذ كان للمنظمة العالمية لخريجي الأزهر في العاصمة الصومالية «مقديشو»، دور بارز في تأهيل المنشقين عن حركة الشباب الصومالية الإرهابية.
كما يستقبل الأزهر العديد من الزيارات الدينية والثقافية والسياسية والتي كان من بينها:
استقبل الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الرئيس الصومالي «محمد عبد الله فرماجو»، خلال زيارته للقاهرة في أغسطس 2017. وأكد شيخ الأزهر خلال اللقاء، أن الأزهر من خلال علمائه ومبعوثيه يسعى لنشر صحيح الدين، والتصدي للفكر المتطرف، وسُبل التعاون بين الأزهر والصومال في المجالات العلمية والدينية والثقافية.
كما استقبل الإمام الأكبر الدكتور "أحمد الطيب" البروفيسور "محمد عثمان جواري" رئيس البرلمان الصومالي في أكتوبر 2017، وأكد فضيلته أن الأزهر يحاول تحصين الشباب المسلم من الاستقطاب للفكر المتطرف، ويولي اهتمامًا خاصًّا بالصومال؛ نظرًا للظروف الاستثنائية التي يمرُّ بها. وأن الأزهر يدعم الشعب الصومالي، من خلال المنح المقدمة للطلاب الصوماليين الدارسين بالأزهر، واستيعاب الأئمة والخطباء في برنامج مخصص لتدريبهم على معالجة الأفكار والقضايا المعاصرة، إضافة إلى إرسال القوافل الطبية والإغاثية لمعالجة المرضى والمحتاجين في الصومال.
وكان رد رئيس البرلمان الصومالي أن الصومال ارتبط بالأزهر وبمنهجه الوسطي على مدى قرون عديدة، من خلال طلاب الصومال الذين يتنافسون على الالتحاق بالأزهر، وأيضًا عن طريق الدور الكبير لمبعوثي الأزهر إلى الصومال في نشر قيم السماحة والاعتدال في المجتمع الصومالي. وأكد أن بلاده عانت في السنوات الأخيرة من اجتياح بعض الأفكار المتطرفة التي أثرت على استقرار المجتمع الصومالي، معلنًا أن الصومال يحتاج إلى دور الأزهر في مواجهة الأفكار المتطرفة، وتحقيق الاستقرار هناك.
وكذلك استقبل فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، السيد "محمد عبد الرازق محمود" وزير خارجية الصومال في 23 مارس 2021م، وأكد فضيلته أن  الأزهر حريص على تقديم كل الدعم لدولة الصومال؛ لما تمثله هذه الدولة الشقيقة من أهمية كبرى عربيًّا وإفريقيًّا، مؤكدًا أن الأزهر بصدد تدريب وتأهيل الأئمة الصوماليين بعد أن تم الاتفاق مع وزير الأوقاف الصومالي؛ وأوضح الإمام الأكبر أن الأزهر قد فتح أبوابه مؤخرًا أمام الطلاب الوافدين للانضمام للكليات العملية كالطلب والهندسة وغيرها، بعد أن كانت دراستهم مقتصرة فقط على الكليات الشرعية؛ حتى يسهموا في تطوير بلادهم والنهوض بها، مضيفًا أن جامعة الأزهر تستقبل 873 طالبًا صوماليًّا، ونأمل أن يشاركوا في صناعة نهضة علمية حقيقية، وأن يساهموا في إحلال الأمن والسلام بالصومال. من جانبه، قال وزير خارجية الصومال: إن الأزهر يحظى بمكانة كبيرة لدى جميع الصوماليين، معربًا عن شكر بلاده العميق للأزهر الشريف على ما قدمه من دعم للصومال للخروج من محنتها، مؤكدًا أهمية الدور الذي يقوم به الأزهر في مكافحة التطرف، بما لديه من خبرات كبرى في هذا الشأن.
استقبل فضيلة الإمام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، الشيخ "محمود شيخ حسن فارح" رئيس المجلس الأعلى لكبار علماء أهل السنة والجماعة بالصومال. وأكد له دعم الأزهر للصومال الشقيق، ونشر رسالة الإسلام الوسطي، وتسخير كافة الإمكانات من أجل تصحيح الأفكار المغلوطة ومكافحة الأفكار المتطرفة، وقد أبدى الشيخ محمود حسن سعادته بلقاء فضيلة الإمام الأكبر، مؤكدًا أنهم في الصومال يسيرون على خطى الأزهر الشريف في نشر سماحة الإسلام والتعايش السلمي وتعليم المنهج الأزهري المعتدل.
ولم يقف الأزهر عند هذا الحد من الدعم والمساعدات، وإنما هو على أتم الاستعداد لبذل المزيد من الجهود لتخليص الأمة والعالم من براثن تلك الجماعات الدموية المتطرفة، والقضاء عليها واجتثاثها من جذروها.
وختامًا فإن مرصد الأزهر لمكافحة التطرف منذ البدء حمل على عاتقه عملية تتبع الحركات الإرهابية والمتطرفة التي تريد المساس باستقرار وأمن الدول الإفريقية والتي من بينها دولة الصومال، ولم يتوان عن محاربة أفكار تلك الجماعات والحركات بالفكر حتى لا ينخدع العامة بكلامهم المبني على الفهم السطحي لبعض النصوص المبتورة عن سياقاتها.

  وحدة الرصد باللغات الإفريقية

طباعة
الأبواب: مقالات
كلمات دالة:
Rate this article:
5.0