اليمين المتطرف ودوره في إذكاء خطاب الكراهية ضد المسلمين في إسبانيا

  • | الأربعاء, 5 يناير, 2022
اليمين المتطرف ودوره في إذكاء خطاب الكراهية ضد المسلمين في إسبانيا

يحفل التاريخ الإسلامي بالعديد من الأحداث والوقائع العظيمة التي غيرت مجرى التاريخ وشكلت منعطفات حاسمة، ونقطة فاصلة في مسار تاريخ الأمم بصفة عامة، والمسلمين بصفة خاصة. ومما لا شك فيه أن الفتح الإسلامي للأندلس في القرن الثامن الميلادي كان من أهم الأحداث التي سطرها التاريخ بأحرف من نور، حيث مكث المسلمون هناك على مدار ثمانية قرون كانت زاخرة بالرقي والتقدم في شتى العلوم والفنون، وشكلوا حضارة يشهد لها العالم أجمع بالأصالة والإبداع، خلدت أثارًا لا تزال باقية وشامخة حتى يومنا هذا. وفي الوقت ذاته تركت واقعة سقوط غرناطة أثرًا غائرًا في نفوس المسلمين في شتى أنحاء العالم لما لها من رمزية باعتبارها آخر معاقل المسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية، ولله در أبي البقاء الرندي إذ قال:

لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ** فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إنْسَانُ

هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ** مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ

وهو أمر معلوم للجميع لا ينكره إلا جاهل أو متعصب لشعارات يمينية متطرفة، وعلى الرغم من ذلك، تشهد مدينة غرناطة مطلع كل عام احتفالًا بنهاية حكم المسلمين في الأندلس، حيث تجتمع حشود على مرأى ومسمع من الجميع، وبمباركة من مجلس المدينة للتهليل بهذا الحدث في ساحة بلدية غرناطة، مع رفع شعارات تحريضية، والتلويح بإشارات عنصرية ومعادية للأجانب وللمسلمين، فضلًا عن رفع الأعلام الإسبانية باعتبار هذا اليوم -من وجهة نظرهم- لحظة تاريخية فارقة.

كما يشهد هذا الاحتفال نشوب مواجهات بين المؤيدين والمعارضين، ‏وحالة من الجدل بين فريقين، أحدهما يرى أن هذه الذكرى تؤجج المشاعر وتثير الكراهية والعنصرية‏، بسبب تخليد هذا الاحتفال لذكرى الطرد ‏غير الشرعي لعشرات الآلاف من الغرناطيين الموريسكيين واليهود الذين تعرضوا للهجوم بسبب ‏اختلافهم معهم في المعتقد، والذين ساهموا بشكل كبير في ازدهار الحضارة والثقافة بالمدينة على مدار قرون من الزمان. وفريق آخر يرى أنه احتفال بيوم وطني توحدت فيه إسبانيا، وتمكنت فيه من التغلب على الغزاة ‏وطردهم خارج البلاد. ‏

وفي هذا الصدد، ظهرت العديد من الحركات الرافضة لهذا التقليد، كان من بينها "جماعة غرناطة المفتوحة"‏، وهي حركة تُشكلها أحزاب سياسية، ونقابات ومؤسسات ثقافية ونسوية، أطلقت العديد من الحملات والمناشدات على مدار السنوات الأخيرة لمنع هذه الاحتفالية التي تقوم على تنظيمها البلدية والأساقفة بالمدينة. كما وصفت الحركة هذا الاحتفال بالعنصري وطالبت بإلغائه نهائيًّا، مؤكدة على أن نظام فرانكو هو من أقر الاحتفال بهذا اليوم، وبالتالي هو أمر لا يليق بمجتمع ديمقراطي. ‏كما أن الاحتفال الذي يثير المواجهات والتفرقة بين أفراد المجتمع الواحد لا يُعتبر احتفالًا، بل هو أحد مظاهر العنصرية التي تتنافى مع تقاليد الدولة العلمانية والدستور الإسباني، وترى أن تلك الاحتفالات تُمثل تزييفًا للوعي والتاريخ الذي سطره المنتصرون، ودعوى صريحة من أصوات متعصبة تُنكر وجود التعددية في الشعوب والأمم.

ومع تصاعد اليمين المتطرف والتيارات القومية المعادية للأقليات في عموم أوروبا والعالم، شهدت إسبانيا هذا العام إشادة حزب "فوكس" اليميني المتطرف واحتفاله بذكرى استرداد (سقوط) غرناطة، حيث طالب بأن يكون هذا اليوم التاريخي عطلة رسمية باعتباره عيدًا وطنيًّا لإسبانيا، وأوضح "سانتياجو أباسكال"، رئيس الحزب، في تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" أن هذا اليوم لا يُنسى لأنه تم فيه استعادة الأراضي الوطنية بأكملها بعد ثمانية قرون من الغزو الإسلامي-على حد زعمه- قائلًا: "نحن نتذكر هذا اليوم بكل فخر وأمل لأنه شهد مواجهة الغزاة الخونة".

كما أكد الأمين العام للحزب "أورتيجا سميث" في تصريحات لوسائل الإعلام على أن الاحتفال بهذا اليوم "كان وما زال رمزًا لذكرى الاسترداد، التي هَزم فيها أسلافنا الغزو الإسلامي -العدو اللدود لإسبانيا وأوروبا على حد زعمه- في معركة لم تنته حتى يومنا هذا وما زالت مستمرة"، مؤكدًا على أن إسبانيا ما زالت تواجه خطر الغزو الإسلامي المتطرف داخل المساجد السلفية.
من جانبها أشادت الأمينة العامة لحزب فوكس في مجلس النواب، "ماكارينا أولونا" بالحدث، قائلة: "نحتفل اليوم بانتصار هويتنا المسيحية وانتهاء الاحتلال الإسلامي على حد زعمها بسقوط غرناطة"، مطالبة أن يكون هذا اليوم التاريخي عطلة رسمية باعتباره عيدًا وطنيًّا لإسبانيا.

وفي السياق ذاته أوضحت "روسيو دي مير" المتحدثة باسم الحزب عن لجنة العمل والإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة في مجلس النواب، أن الاستيلاء على غرناطة كان علامة فارقة وتتويجًا لاستعادة مدينة دامت لوقت طويل تحت إمرة المسلمين، وأنه انتصار للمسيحيين على المسلمين. وأكدت "دي مير" على أن إسبانيا أصبحت اليوم محاصرة من أناس من خارج إسبانيا أحدثوا غزوًا ثقافيًّا واجتماعيًّا لم يسبق له مثيل، وأنهم بحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى إلى استرداد هوية البلاد، كما حدث في الثاني من يناير 1492م.

كما نشرت مؤسسة "دسينسو" الفكرية التابعة لفوكس، مقطع فيديو مصحوبًا بعبارة تقول: "يصادف اليوم مرور 530 عامًا على استرداد مَعلم أساسي في تاريخ إسبانيا، وهو سقوط غرناطة، بعد أن تمكنت قوات الملوك الكاثوليك من وضع نهاية حاسمة لاستردادها وتوحيد البلاد".
كما أشارت المؤسسة إلى أن الاستيلاء على غرناطة كان له صدى دولي كبير أقيمت على إثره احتفالات في روما ونابولي بمناسبة سقوط آخر حصن إسلامي في شبه الجزيرة الأيبيرية. كما هنأ رئيس الحزب الشعبي اليميني "بابلو كاسادوا" سكان غرناطة عبر تغريدة له أشار فيها إلى أنه في هذا اليوم تم القضاء نهائيًّا على آخر مملكة إسلامية في شبه الجزيرة الأيبيرية، وبعد أكثر من قرن بقليل في عام 1609م جاء الطرد النهائي للمسلمين الذين أُجبروا على اعتناق المسيحية بعد توقيع فيليب الثالث على مرسوم الطرد في عملية استغرقت خمس سنوات لإتمامها.

ويرى مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أن مثل هذه التصريحات تعمل على زرع الكراهية وتغذيتها، وبث الفرقة والانقسامات بين أبناء المجتمع الواحد، فضلًا عن استفزاز مشاعر المسلمين، واستغلال مثل هذه الأحداث للهجوم على الإسلام والمسلمين، وتأجيج مشاعر الكراهية ضدهم. ويؤكد مرصد الأزهر أن أحزاب اليمين المتطرف، وعلى رأسهم "فوكس"، تستخدم ذكرى سقوط غرناطة؛ لتبرير أعمالها العدائية وتحريضها المستمر ضد المسلمين والمهاجرين لكسب مزيد من الأصوات في البرلمان حتى ولو كان ذلك على حساب شق وحدة الصف الإسباني.
ويُثمِّن مرصد الأزهر الأصوات العاقلة التي تواجه الحركات اليمينية المتطرفة من خلال تنديدها باستغلال الأحداث التاريخية ذريعةً لإثارة الفتن وشق الصف، وتزييف الحقائق للحصول على مكاسب شخصية من شأنها الإضرار بعملية التعايش السلمي ‏والاندماج المجتمعي.

طباعة
كلمات دالة: