دور الرياضة في مكافحة التطرف

  • | الجمعة, 7 يناير, 2022
دور الرياضة في مكافحة التطرف


لا شك أن قضية مكافحة التطرف قضية تتطلب تضافر الجهود بين جميع فئات المجتمع؛ وهذا لأن أسباب التطرف كثيرة، وتمثل إشكالية معقدة ذات أبعاد متداخلة، نفسية وسياسية ودينية واقتصادية وإعلامية ...إلخ. وإذا كانت الأسباب متنوعة ومتداخلة فمن المؤكد أن الحلول لا بد أن تكون هي الأخرى شاملة لمعالجة متنوعة الأبعاد حتى نستطيع أن نغلق الباب أمام الأفكار الهدامة التي تريد أن تستشري في عروق شبابنا، عماد هذه الأمة وأركان نهضتها. وقد قام مرصد الأزهر لمكافحة التطرف في فترة سابقة بنشر عدة مقالات عن أدوار لبعض فئات المجتمع ومؤسساته في مكافحة التطرف. تناولت هذه المقالات دور المدرسة والمعلمين، ورجال الدين، ومنظمات المجتمع المدني، والإعلام والفن ومواقع التواصل الاجتماعي. وفي مقال اليوم نتحدث عن دور الرياضة في نشر قيم السلام والتسامح وتقبل الآخر ومكافحة الفكر الهدام، وحماية الشباب من الوقوع في براثنه، وذلك لما لها من قوة إيجابية وشغف واسع بين الناس على اختلاف ثقافاتهم وميولهم. وقد فطنت الأمم المتحدة لأهمية الرياضة ودورها، وأسست في عام ٢٠٠١م "مكتب الأمم المتحدة المعني بتسخير الرياضة لأغراض التنمية والسلام". وهو مكتب مسؤول عن تنسيق الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة في تعزيز الرياضة بطرق منهجية بوصفها وسيلة للمساهمة في تحقيق التنمية والسلام.
هذا ويمكننا تناول دور الرياضة المهم في مكافحة الفكر المتطرف من خلال العناصر الآتية:
الرياضة والاندماج:
المقصود بالاندماج هنا هو الاندماج الاجتماعي، وهو مضاد للإقصاء و الاستبعاد والعزلة. ومن المعروف أن الإنسان كائن اجتماعي لا يستطيع أن يعيش وحده، ويحتاج إلى الآخر قدر احتياج الآخر إليه، ومن ثم فإن العزلة أو الإقصاء أمر صعب يتعارض مع طبيعة الإنسان. والطبيعة -كما قال الفيلسوف "سقراط"- لا تقبل الفراغ، وقد ثبت من خلال الرصد سهولة استقطاب التنظيمات المتطرفة للشباب غير المندمج مع مجتمعه أو الذي يشعر بالإقصاء والاستبعاد. ومن ثم وجب على الأسر والمدارس مراقبة سلوكيات الأطفال باستمرار، ومعرفة مدى اندماجهم من عدمه، والبحث عن حلول لدمج التلاميذ الذين يشعرون بالعزلة مع زملائهم. فقد يكون هناك طفل واحد في كل فصل دراسي يشعر بعدم وجود أوجه شبه بينه وبين زملائه في الميول والاهتمامات، ومن ثم يعتزلهم، وينطوي على نفسه، وقد يتطور الأمر بعد ذلك ويصبح هذا الطفل بسبب عزلته عرضة للتنمر، وهو الأمر سيجعله يترجم انطوائه إلى عنف ومشاعر كراهية.
ومن هنا تأتي أهمية الاندماج الاجتماعي، الذي هو السبيل لمعالجة مثل هذه الحالات. وهناك كثير من الآليات التي يمكن من خلالها دمج الطلاب مع بعضهم بعضًا، مثل الرحلات الجماعية، ومعسكرات الكشافة، والعروض الفنية... كما تستطيع الرياضة أن تلعب دورًا مهمًّا في دمج التلاميذ مع بعضهم بعضًا، عن طريق المشاركة الرياضية خصوصًا في الألعاب الجماعية التي تبث في الشباب روح الفريق، ونكران الذات، وتشعرهم بالانتماء إلى المدرسة أو الفريق الذي يلعبون باسمه. كما تبث فيهم روح التضامن فيما بينهم، والخوف من الإصابة التي قد يتعرض لها واحد منهم فتضر الفريق كله، وهنا يتدرب الأطفال على الإيمان بأن كل واحد منهم هو جزء من فريقه أو مجتمعه، وليس هو كل الفريق. ومن هنا يمكننا القول إن الرياضة تعتبر وسيلة تربوية مهمة تسهم في التنشئة الاجتماعية للطفل وتساعد على إدماجه في محيطه المجتمعي. وهذا بلا شك يسهم في حماية الشباب من التطرف، ومن الخروج على المنظومة الأخلاقية للمجتمعات التي نشأوا فيها.
الرياضة واحترام القانون:
يقول الباحث التونسي "فرج بو سلامة" في بحث له بعنوان "أي دور للرياضة في زمن الإرهاب": "إنَّ المشاركة الطوعية في لعبة رياضيَّة مبنيَّةٌ على قبول مبدأ تلقائي بعقد علائقي شبيه بالعقد الاجتماعي الذي يتحدث عنه "روسو" – باعتبار أن المشاركة في اللعبة يقتضي القبول بقواعدها ومبادئها ويحتم الالتزام بها-، وتصبح الرياضة بذلك إحدى آليات "التنظيم المستمر للتجربة" التي تحدَّث عنها عالِم الاجتماع "ديواي" في تعريفه للتربية بأنها تجربة عمليَّة تعوِّد الطفل والشاب على قبول سلطة القواعد وعلى تكييف سلوكه الحركي وتفاعلاته الوجدانية حسب مجموعة من الضوابط الأخلاقية والقانونية من أجل أن يحقق هدفه".
ولا شك أن هذه الأشياء تسهم في تشكيل الهوية الشخصية للفرد، وترسِّخ فيه منذ صغره قيمة احترام قوانين السلطة العليا عنه، سواء كانت هذه السلطة ممثلة في أساتذته في المدرسة، أو مدربه في النادي، أو الحكم في المباراة، أو والديه في المنزل. كما تدربه على الانصياع للقوانين والقواعد العامة للعبة الرياضية التي يمارسها، وبالتالي يكون أكثر تفاعلًا وقبولًا للقواعد المشروطة لدخول الحدائق والمتنزهات ووسائل المواصلات العامة .... وغيرها. وهذه كلها أشياء تعظم من المسؤولية ومراعاة حقوق الغير، وتحُدُّ من انتشار النزعة الفردية والأنانية وتكبح جماحهما، وتسهم في جعل الفرد يُغلب المصلحة العامة على الخاصة، وبالتالي فإن هذه الأشياء سالفة الذكر تحمي الشباب من استقطاب التنظيمات المتطرفة التي تستغل حماس الشباب، وتحرص على تشويه الواقع في عقولهم، ثم تسعى إلى تحويلهم من رافضين لهذا الواقع إلى متمردين عليه ومساهمين في تغييره وفقًا لرؤى تلك التنظيمات. وأسهل من يخضع لهذه "البروباجندا التحريضية" المتطرفة هم الشباب غير القادر على احترام قواعد مجتمعه وقوانينه. وهؤلاء تُقدم لهم التنظيمات المتطرفة خطابًا إعلاميًّا مزيجًا بين "التحريض والدمج"، فالتحريض يركز على تحويل الشاب من التأييد السلبي إلى التأييد الإيجابي، ومن حالة رفض الواقع إلى التمرد عليه، أما "بروباجندا الدمج" فوفقًا للباحث "تشارلي وينتر" تركز على تهيئة الشباب وتطبيعهم على مجموعة الأفكار التي ستطرح مستقبلًا أو مجموعة العمليات التي ستُشن لاحقًا بوصفها مسوغات لها حين التنفيذ.
الرياضة وقيمة الانتماء:
لا يغيب على أحدٍ معاداة التنظيمات المتطرفة لقيم المواطنة والانتماء، وعدم اعترافها بالحدود بين الدول. وقد رصدنا العديدَ من المقاطع المرئية والمقروءة لتلك التنظيمات تنتقد فيها الأوطان والانتماء إليها، بل وتحل للشباب سرقة دولهم وأوطانهم، مثل الفتوى المتطرفة الصادرة عن تنظيم داعش الإرهابي في عام ٢٠١٥م، حول حكم سرقة شاب أجنبي لأموال أحد المنتمين لجيش بلاده، وكانت الإجابة: أن ذلك "منْ أحلِّ الحلالِ ويجوز لك إنفاقه والانتفاع به". هذا إضافة إلى فتاوى أخرى تدعو إلى طمس الوطنية وتنسف فكرة الدول والحدود والأوطان. كما يقوم التنظيم في الوقت ذاته بخلق انتماء جديد للشباب، ويدعوهم إلى التمسك به. ففي عام ٢٠١٥م صدرت فتوى متطرفة للغاية بثتها إذاعة البيان التابعة لتنظيم داعش الإرهابي، جاء فيها أن (محبة أهل الإيمان والعلم وعلى رأسهم أبو بكر البغدادي من لوازم التوحيد، ويؤجَر المسلم عليها). وقبل تحرير "الموصل" بفترة بسيطة شعر قادة التنظيم أن هناك عددًا كبيرًا من النساء يُردن العودة إلى بلادهن خوفًا من القصف، فنشر التنظيم مقالًا في العدد 62 من صحيفته العربية الأسبوعية بعنوان "الولاء والبراء يا معشر النساء". كان الخطاب فيه استعلائيًّا، حيث حذر الكاتب نساء التنظيم من مجرد إضمار المحبة والمودة تجاه أقاربهن الذين لم ينضموا إلى التنظيم، وحثهن على عدم التواصل معهم على مواقع التواصل واصفًا ذلك بمساعدة الكافرين والمعادين للدولة، وطلب منهن مسح أرقام الأهل والأصدقاء من هواتفهن الشخصية. ولا شك أن الهدف من هذا المقال هو حث نساء التنظيم على عدم العودة إلى بلادهن وحياتهن السابقة.
ولا شك أن هذه الفتاوى الهدف منها قطع صلة الشباب بأوطانهم وعوائلهم، ومحو الانتماء من قلوبهم تجاه هذه الأوطان، وتلك العائلات. ولحماية الشباب من هذا اللغط ينبغي ترسيخ قيمة حب الوطن والانتماء إليه في نفوسهم منذ الصغر. ويمكن أن تلعب الرياضة دورًا عظيمًا في هذا الأمر؛ فالرياضة تعلم الشاب والفتاة أنه يفوز لفريقه، ويتعب ويعرق ويتدرب ساعات طويلة من أجل فوز هذا الفريق، وهذا يغرس الانتماء في نفسه. كما أن المنافسات الرياضية بين المدارس المختلفة تذوب فيها كل الفروق بين الطلاب؛ إذ يشارك في هذه الفرق الرياضية طلاب من أديان مختلفة ومن طبقات مجتمعية مختلفة، الجميع يلعب باسم فريقه، وبالتالي فإن الرياضة تُعد نموذجًا رائعًا للتعايش وقبول الآخر. كما أن تشكيل فرق من الإدارات المختلفة تعلم الطلاب منذ الصغر تعدد الانتماءات، وأن الانتماء إلى فريق ما لا يعني بالضرورة عدم الانتماء إلى فرق رياضية أخرى، فانتماء الطالب إلى فريق فصله، لا يمنع انتمائه إلى فريق مدرسته، وانتمائه إلى فريق مدرسته لا يمنع انتمائه إلى فريق إدارته التعليمية أو محافظته وهكذا. وهذا في حد ذاته يعد رواية مضادة للخطاب الإعلامي للتنظيمات المتطرفة التي تضع جبالًا من الفوارق بين الهويتين الوطنية والدينية، وتجعل الشاب أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن ينتمي لدينه أو أن ينتمي لوطنه. وقد رد المرصد على كل هذا وفنده.
خلاصة القول إن الرياضة لها فوائد مهمة تحتاج إلى أبحاث كثيرة حتى نستطيع حصر أهميتها، ومن أهم أدوارها مكافحة التطرف، وغرس قيم المواطنة والانتماء وتقبل الآخر والتعايش معه في إطار من التسامح، ومن ثم تعد الرياضة وسيلة تربوية عظيمة إن تم استغلالها بصورة إيجابية بعيدًا عن أشكال التعصب كافة. كما نريد أن نلفت النظر إلى إمكانية أن تقوم مؤسسات أخرى بلعب دور مهم في القضايا سالفة الذكر، لكننا اقتصرنا هنا على الرياضة لأننا بالفعل تحدثنا قبل ذلك عن بعض هذه المؤسسات، وسوف يستمر حديثنا عن مؤسسات أخرى يمكن أن تمارس دورًا في مكافحة التطرف على مدار عام ٢٠٢٢م إن شاء الله.
وحدة رصد اللغة التركية

طباعة
كلمات دالة: