ادعاء امتلاك التفسير الصحيح للنص الديني أحد أبرز المشتركات بين التنظيمات المتطرفة

  • | الأحد, 9 يناير, 2022
ادعاء امتلاك التفسير الصحيح للنص الديني أحد أبرز المشتركات بين التنظيمات المتطرفة

     تحدثنا في مقالات سابقة عن بعض أوجه الشبه بين التنظيمات المتطرفة فكريًّا، وذكرنا أن من أهم هذه الأوجه الحرص على استقطاب الشباب وسرقة عقولهم بدعاية ضالة، وكذلك الاهتمام بتكوين بُؤر فكرية يُستقطب من خلالها الكثير. فكل فصيلٍ متطرف له مُنظرين ودعاة وظيفتهم التحريض والتبرير وإضفاء المشروعية على الأعمال الوحشية التي يقوم بها التنظيم، ولا يتقبلها الإنسان السوي صاحب الفطرة السليمة والسلوك القويم، وكما بينا أنَّ من أهم المشتركات بين التنظيمات المتطرفة فكريًّا ارتباط أعضاء التنظيم بالفكرة أكثر من ارتباطهم بالزعيم، ولذا تعمل التنظيمات المتطرفة على الاستقطاب الفكري وليس الجسدي فقط؛ ليكون المستقطب عبدًا للفكرة التي استُقطِب عليها مع ضلال هذه الفكرة.  

وفي ثنايا هذا المقال نتناول وجه شبه آخر بين التنظيمات المتطرفة، وهي ادعاء امتلاك التفسير الصحيح للنص الديني والتراثي، حيث يدعي كل تنظيم أنه دون غيره صاحب الفهم الصحيح للدين الإسلامي، والتأويل السديد للنصوص الدينية، وجميع التفسيرات الأخرى غير صحيحة، فيعتبر مُنظريه وقادته دون غيرهم هم الأحق بصياغة رؤية إصلاحية للمجتمع، هذه الرؤية هي الصحيحة من وجهة نظرهم وما عداها باطل ومخالف للدين الحق. وهذا الأمر يوضح لنا بجلاء أسباب الخلافات الفكرية بين التنظيمات المتطرفة حول العديد من القضايا خصوصًا ما يتعلق منها بالجهاد ومفهومه وعالميته ومحليته، وكذلك نظام الحكم والخلافة والسيطرة المكانية وإقامة الدولة.

والسؤال الذي يطرح نفسه ما مدى تأثير هذه الخلافات الفقهية على العلاقات بين التنظيمات المتطرفة؟ 

إن الاختلافات الفقهية والشرعية يترتب عليها ممارسات ميدانية تصل إلى الرمي بالكفر والردة تارة وإلى الحرب باستخدام الأسلحة الثقيلة تارة أخرى، ولذا يمكننا القول بأن الخلافات حول المسائل الشرعية تنتقل بسهولة بين التنظيمات المتطرفة من الإطار الديني إلى السياسي والعسكري والإعلامي.

وبقليل من التأمل في سلوكيات هذه التنظيمات نجد أن الخلافات الشرعية ليست هي السبب الحقيقي للحروب الميدانية والإعلامية والإفتائية بينها، فالتنظيمات قد تتغاضى فترات طويلة عن الخلافات المتعلقة بقضايا دينية، ولكنها لا تغض الطرف أبدًا عن الخلافات السياسية.

ومن الشواهد على ذلك الخلافات التي وقعت بين تنظيمي داعش والقاعدة الإرهابيين، فعلى الرغم من أن تنظيم داعش ظل تابعًا للقاعدة منذ أيام "أبو مصعب الزرقاوي" مؤسس داعش، وحتى عام 2013م، ونشبت حروب بالأسلحة الثقيلة بين التنظيمين، توازت معهما حرب إعلامية؛ ولكن بمجرد انشقاق داعش عن القاعدة، وصل الشقاق والانفصال بين التنظيمين إلى ذروته خاصة بعد إعلان "أبو بكر البغدادي" في إبريل 2013م، قيام دولته المزعومة، حيث صارت "جبهة النصرة" تمثل تنظيم القاعدة في سوريا، ولم تعترف بتنظيم داعش الإرهابي، من جانبها رفضت داعش دعوة القاعدة بالتراجع عن إعلان الدولة، واتهمت القاعدة وزعيمها بالعمالة لأجهزة مخابرات دولية، والسعي للقضاء على حلم خلافتهم المزعومة.

وفي تسجيل صوتي عام 2015م، رفض "أيمن الظواهري" الاعتراف بداعش، ودعاهم إلى عدم النكس بالبيعة على حد تعبيره، ووصفها بأنها إمارة استيلاء بلا شورى. ورد عليه تنظيم داعش الإرهابي بتسجيل آخر لمتحدثه "أبو محمد العدناني" الذي قُتل عام 2016م، ووصف القاعدة بأنها لم تعد قاعدة الجهاد على حد وصفه، مستدلًا على ذلك بأنها تنال المدح من الأعداء والأراذل وفقًا لتعبيره.

وبعد الخلاف السياسي الذي وقع بين داعش، والقاعدة، ظهرت تسريبات لوثائق ومكاتبات تظهر خلاف القاعدة وقادته مع داعش منذ أيام "أبو مصعب الزرقاوي" صاحب هذه التسريبات، وتؤكد هذه الوثائق تحذيرات القاعدة لداعش من ممارسة القتل العنيف، وقتل الصحفيين وعمال الإغاثة والاعتداءات على دور العبادة، واصفة كل هذا بالمخالفات الشرعية؛ مما يعني أن تنظيم القاعدة قد صبر 10 سنواتٍ على هذه المخالفات الشرعية ولم يبرزها؛ لأن داعش كان أحد فروعه، وهذا يؤكد أن تنظيم داعش الإرهابي لو كان قد ظل محتفظًا بتبعيته للقاعدة ما تسربت هذه الوثائق، وما تعرض لهذه الحرب الإعلامية من القاعدة، وبشكل آخر لو أن التنظيم أعلن دولته المزعومة بقيادة "الظواهري" وليس "البغدادي" لتغير الأمر كثيرًا، وظل الخلاف بينهما خلاف البيت الواحد كما وصفه "أبو محمد الجولاني" زعيم تنظيم "جبهة النصرة" المعروف حاليًا بهيئة تحرير الشام. والشاهد هنا هو أن تنظيم القاعدة قد غض الطرف عن مخالفات وصفها بالمخالفات الدينية والشرعية قام بها داعش منذ 2003م وحتى 2013م، ولم يبرزها طوال عقد من الزمن، تلك الفترة التي حافظ فيها داعش على تبعيته للقاعدة، فإبرازها بعد انشقاق داعش لم يكن لهدف ديني، وإنما كان لهدفٍ سياسي هو صد داعش عن استقطاب أفراد القاعدة والمليشيات التابعة له.

ومن هذا الأمر نستنتج أن التنظيمات المتطرفة لا تعير بالًا للتعاليم الدينية، وأن الدين عندهم مجرد وسيلة للاستقطاب وخداع عقول الشباب، فداعش بشهادة القاعدة ارتكب مخالفات شرعية كثيرة شوهت صورة الإسلام ووصلت إلى حد قتل الأبرياء، والقاعدة لم تثُر على تنظيم داعش بسبب ارتكابه هذه الكبائر التي حرمها الله، وإنما كانت ثورتها بسبب انشقاق داعش عنها، وكأن الانتماء إلى القاعدة يبيحُ للمنتمين ارتكاب كل هذه الجرائم. وهذا أمر ينبغي التركيز عليه وإبرازه لشبابنا حتى يعرفوا مدى حقيقة هذه التنظيمات المتطرفة، ومدى استهتارهم بالدين وتعاليمه. 

ولم يقف الأمر عند الحرب الإعلامية التي تحدثنا عنها، فكانت هناك حربًا ميدانية طاحنة بين داعش و"جبهة النصرة" التي ظل زعيمها "الجولاني" على بيعة "الظواهري حتى عام 2016م. وأضحى أصدقاء الأمس أعداء اليوم، وتحولت خلافات البيت الواحد إلى خلافات باستخدام القنابل والرشاشات ونصب الكمائن. وطالت المعارك مدن سورية مختلفة، بل إن "الجولاني" وقتها هدد بنقل المعركة مع داعش إلى العراق، وضربهم في عقر دارهم.    

وكما قلنا سابقًا: إن التنظيمات المتطرفة تنهل من مشرب واحد، فتكرر أمر الانفصال بين "جبهة النصرة" التي صار اسمها "هيئة تحرير الشام" عن القاعدة في عام 2016م، ونتج عن ذلك انشقاق فصيل عن "جبهة النصرة" يظل على بيعته المزعومة لـ "الظواهري"، ويطلق على نفسه "كتائب حراس الدين"، ويُعاد نفس السيناريو السابق بحذافيره، حرب إعلامية على الأبواق، يتوازى معها حرب ميدانية تنتهي بالقضاء على "كتائب حراس الدين" عدا بعض الفلول التي تبقي عليها "هيئة تحرير الشام" لأهداف سياسية وإستراتيجية.

وحدة رصد اللغة التركية

طباعة
كلمات دالة: