"داعش" الإرهابي بين التنظيم والدولة المزعومة ... قراءة تحليلية

  • | الإثنين, 7 فبراير, 2022
"داعش" الإرهابي بين التنظيم والدولة المزعومة ... قراءة تحليلية

     أعادت العمليات الأخيرة لتنظيم داعش الإرهابي في "الحسكة" إلى الأذهان العمليات القوية التي كان يقوم بها التنظيم في وقت قوته في عامي ٢٠١٤م و ٢٠١٥م.
كما طرحت هذه العملية وغيرها على الباحثين في مجال التنظيمات الإرهابية سؤالًا مفاده كيف استطاع التنظيم القيام بهذه العمليات المنظمة رغم ما يُشاع عن القضاء عليه بعد تحرير "الباغوز" في ٢٠١٩م، وقبلها تحرير الموصل والرقة في ٢٠١٧م، ثم مقتل زعيمه "أبو بكر البغدادي" ومتحدثه الإعلامي "أبو الحسن المهاجر" في نهاية ٢٠١٩م؟
وللإجابة على هذا السؤال يجب أن نوضح في البداية طبيعة تنظيم داعش الإرهابي وتطوره التاريخي، وما تعرض له منذ نشأته حتى نستطيع أن نُقيِّم التنظيم ونبيِّن مدى قوته وضعفه وتطوره بصورة موضوعية.
في البداية نقول: إن تنظيم داعش الإرهابي مرَّ بأطوارٍ مختلفة منذ نشأته الأولى التي كان مسماه فيها تنظيم "التوحيد والجهاد" -كانت نواته الأولى ١٠٠ مقاتل في شمال العراق - بقيادة "أبو مصعب الزرقاوي"، الذي قتل عام ٢٠٠٦م، ثم "قاعدة العراق"، ثم "مجلس شورى المجاهدين"، ثم مسميات أخرى أقحم التنظيمُ فيها اسم الإسلام، والإسلام منه براء!
واجه التنظيم ظروفًا مختلفة منذ نشأته؛ منها ما جعله قويًّا، وتقدمت به خطوات نحو الأمام، وظروف أخرى جعلته ضعيفًا منكفئًا على نفسه، يحاول أن يبدأ من حيث بداياته الأولى.
لذلك يمكننا أن نقول: إن وجود التنظيم أو كينونته قائمة على عدة مراحل يمكن تسميتها "مرحلة التكوين" ثم "مرحلة التمهيد للظهور" ثم "مرحلة القوة التي يطلقون عليها التمكين"، ثم "مرحلة الضعف"، وأخيرًا "مرحلة الانهيار"، التي يعقبها الانزواء والانكفاء لمدة من الوقت، ثم العودة مرة أخرى من حيث البداية الأولى وهى "مرحلة التكوين"، وكأن التنظيم يدور في حلقةٍ دائمة الدوران.
ففي المدة بين عامَي ٢٠١٠م و٢٠١٢م، تعرض تنظيم داعش الإرهابي لهزيمة تكتيكية ثقيلة أضعفته وجعلته ينكفأ على نفسه، وقُتل عدد من قادته أمثال "أبو عمر البغدادي" و"أبو حمزة المهاجر" عبد المنعم عز بدوي، وتولى قيادة التنظيم بعدهما "أبو بكر البغدادي"، ومعه بدأت مرحلة جديدة؛ حيث انغلق على تنظيمه مدة طويلة أعاد فيها هيكلته على قواعد مؤسَّسِية أشبه بمؤسسات الدول، ومنح كل مؤسسة مهامًّا محددة وواضحة.
وفي غضون وقت بسيط استطاع التنظيم لملمة قواته، ممهدًا لظهوره عن طريق تقديم نفسه ممثلًا للهوية السنية في العراق، مستفيدًا من الأوضاع السياسية التي كانت موجودة في البلاد آنذاك. ثم عاد التنظيم مرة أخرى أشد قوة في أبريل ٢٠١٣م باسمه الذي يُعرف اختصارًا بـ "داعش"، وأعلن أفراده مبايعتهم لخليفتهم المزعوم "أبو بكر البغدادي".
ولذلك يُمكن اعتبار المرحلة ما بين عامي ٢٠١٠م، ٢٠١٢م مرحلة التكوين الجديد، والتمهيد للظهور مرة أخرى. أما مرحلة التمكين فتعتبر عامي ٢٠١٤م، ٢٠١٥م التي بلغ التنظيم فيهما ذروة القوة، واستولى على مساحاتٍ شاسعة من الأراضي في العراق وسوريا، وامتلك ترسانة إعلامية قوية، وقامت عدة مجموعات إرهابية في مناطق مختلفة بالانضمام إلى التنظيم عن طريق مبايعة "البغدادي".
واستطاع التنظيم خلال مرحلة القوة تحقيق العديد من النتائج الإستراتيجية التي كان أهمها - كما يقول عبد الباري عطوان - استفزاز الغرب واستدعائه إلى المنطقة عن طريق تأسيس التحالف الدولي، وهو الشيء الذي يسعى "داعش" إليه لإضفاء المشروعية على حروبه، واستقطاب التنظيمات الأخرى ومنظريها وقادتها.
وفي عام ٢٠١٧م بدأت مرحلة الضعف وتحديدًا مع سقوط مدينة "الفلوجة" العراقية من يد التنظيم، وحينها تحدث المتحدث باسمه "أبو محمد العدناني" الذي قتل في العام ذاته عن ضرورة العودة والبداية من جديد مثلما كانوا قديمًا، فقد قال صراحة: (لا بد أن نرجع من حيث بدأنا)، وكأنه يشير إلى دورة ثابتة يمر بها التنظيم في العراق كل ٤ سنوات، يبدأ بالتكوين ثم التمهيد ثم التمكين، وعندما ينهزمون يعودون من مرحلة التمكين إلى مرحلة التكوين مرة أخرى.
ومرحلة التكوين فيها الكثير من اللامركزية في القرار، والتمويل الذاتي، وأيضًا محاولة الحفاظ على نواة التنظيم من القادة المؤسسين. غير أن الهزيمة التي تعرض لها داعش الإرهابي في ٢٠١٩م كانت ثقيلة للغاية، أربكت التنظيم، وتسببت في مقتل معظم قادته في مختلف الميادين، العسكرية والإعلامية وغيرها، والدليل على ذلك حديث "البغدادي" الأخير قبل مقتله، والذي عدَّد فيه مقتل كثير من قادات تنظيمه العسكريين وولاته ورجال الإعلام في معركة "الباغوز". ثم جاء مقتل "البغدادي" و"أبو حسن المهاجر" في أكتوبر ٢٠١٩م ضربةً ثانية للتنظيم جعلته ينكفأ فترة من الوقت، وتوقفت العمليات، وكذلك المنصات الإعلامية للتنظيم.
ولذلك يمكننا القول: إن التكوين الثاني للتنظيم كان في عام ٢٠١٠م، والقوة والتمكين كان عامي ٢٠١٤م و ٢٠١٥م، ثم الضعف ابتداء من ٢٠١٦م ثم الانهيار عام ٢٠١٧م، ثم ذروة الانهيار ٢٠١٨م-٢٠١٩م.
وفي مرحلتي الضعف والانهيار تعامل تنظيم داعش الإرهابي -كما يقول المرحوم د. هشام الهاشمي ــ مع طبيعة المرحلة، واتبع إستراتيجية إسقاط المدن، ثم اتجه إلى الجبال والصحاري والقرى المهجورة. وقام بتفكيك منظومته العسكرية التي كانت تحوي ثلاث جيوش: (دابق، والخلافة، والعسرة)، واكتفى ببعض الشبكات العسكرية، وبعد أن كان لديه في العراق وحدها أكثر من ٢٠ ألف مقاتل، اكتفى بـ ٣ ألاف، وحوَّل الباقين إلى عناصر لوجستية أو خلايا نائمة يحتاجها وقتما شاء.
كما كان له ٣٥ ولاية مزعومة منها ١٣ في العراق، فقام بتفكيك ولايات العراق واكتفى بولاية واحدة، هذه الولاية تنقسم إلى عدة قطاعات، كل قطاع يُقسم إلى عدة شبكات، كل شبكة تقسم إلى مفارز.
وهذه نقاط مهمة تؤكد أن هذا التنظيم الإرهابي لديه قدرة على التكيف مع الهزيمة والاعتراف بها والعمل للعودة من جديد. هذه الإجراءات صعَّبت مهام القوات العراقية وقوات التحالف الدولي والذين استطاعوا دحر التنظيم في المعارك التقليدية في المدن المفتوحة التي كان التنظيم يتمركز فيها، لكن مطاردة الفلول والخلايا النائمة صعبة للغاية.
وفي ٢٠ يناير ٢٠٢٠م نشرت "صحيفة الجارديان" معلومات جديدة بخصوص هوية الزعيم الجديد لتنظيم داعش الإرهابي، وهو "أبو إبراهيم الهاشمي القرشي" المعروف بـ "حاجي عبد الله" و"عبد الله قرداش". وهو أحد مؤسسي ومنظري تنظيم داعش الإرهابي. وكان ينتمي لتنظيم القاعدة في السابق، واسمه الحقيقي "أمير محمد عبد الرحمن المولى الصلبي"، وهو تركماني من مدينة "تلعفر" العراقية. وذكرت الصحيفة أنها اعتمدت في معلوماتها على مصادر استخباراتية غربية دون أن تصرح بأسمائها أو بأسماء دولها.
ومع تولي عبد الله قرداش زعامة التنظيم بدأت مرحلة بناء جديدة للتنظيم -كما يقول أ. ماهر فرغلي الباحث في شئون التنظيمات المتطرفة -، اتسمت بالتحول من مرحلة التمكين إلى الانتشار والتمدد عبر ما أطلق عليه (الولايات) و"الخلافة السيبرانية"، والعودة من جديد إلى سياسة حرب العصابات وتنفيذ الكمائن والتفجيرات والاغتيالات، وذلك في محاولة لإيجاد تموضعات جديدة له وبناء شبكة إرهابية أكثر عنفًا وإرهابًا.
واستغرقت مرحلة التكوين الجديدة مدة من الوقت أعاد فيها "القرشي" هيكلة التنظيم من جديد وفقًا لرؤيته وأيديولوجيته، حيث استطاع إنهاء التفكك الأيدولوجي داخل التنظيم، والذي لم يستطع البغدادي نفسه القضاء عليه. ومع إحكام سيطرته على التنظيم ظهرت مقاطع مرئية متتالية خلال عام ٢٠٢٠م تظهر فيها البيعات المزعومة للقرشي، توازى معها نشاط إعلامي تدريجي بلغ أوج انتشاره في عام ٢٠٢١، حيث نشطت وكالاته الإعلامية وانتظمت إصداراتها، وارتفعت جودة مخرجاتها مقارنة بالفترة من عام ٢٠١٧م وحتى ٢٠٢٠م.
كما حرص التنظيم على استخدام خطاب إعلامي وإفتائي يحرض من خلاله أتباعه بالتواجد القوي على تيليجرام وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي، ويأمرهم بالدفاع عن دولتهم المزعومة، ويشرح لهم كيفية عمل قنوات وتغييرها، ويحثهم على اتباع قواعد أمنية معينة حتى لا تنكشف شخصياتهم للجهات الأمنية.
كما صاحب التطور الإعلامي مجموعة من العمليات القوية في أفغانستان وغرب إفريقيا وسوريا والعراق. لكن المفارقة أن معظم هذه العمليات لم تعد ذات طابع فردي مثل عمليات التنظيم بعد تحرير الموصل والرقة، بل أصبحت عملياته أشبه بتلك التي نفذها في أوج قوته وفي أثناء سيطرته المكانية، ففي يناير ٢٠٢٢م ووفقًا لسكاي نيوز شن التنظيم هجومًا صاروخيًّا على حافلة عسكرية شرق سوريا. كما شهدت العراق عدة عمليات إرهابية قوية منها استهداف مقرٍّ للجيش العراقي فجر ٢١ يناير ٢٠٢٢م في محافظة ديالى شمال شرق بغداد، والذي أسفر عن مقتل ١١ جنديًّا. لكن العملية الأهم التي قام بها داعش والتي تعتبر أهم عملياته منذ سقوطه في ٢٠١٩م فكانت الهجوم على "سجن غويران" الكبير في مدينة الحسكة الذي يوجد فيه الآلاف من عناصر التنظيم.
ولقد نتج عن هذه العمليات وغيرها متابعة إعلامية قوية للأحداث، وأسئلة فرضت نفسها على المجتمع الدولي من جديد مثل "هل انتهى تنظيم داعش أم لا؟"، و"ما أسباب نشاط هذا التنظيم وعودته إلى الواجهة من جديد؟"، و"هل كان هناك تسرع في إعلان هزيمة التنظيم؟".... وتمت استضافة العديد من الخبراء للإجابة على هذه الأسئلة.
وهذا يجعلنا نقول: إن تجلية المصطلحات مهمة للغاية في أية دراسة علمية وخصوصًا في مكافحة التطرف، ولذلك عندما يسأل أحد كيف تحدث عمليات إرهابية وتفجيرات انتحارية في سوريا أو في العراق الآن، بالرغم من إعلان "قوات سوريا الديمقراطية" القضاء على داعش في سوريا، وإعلان الحكومة العراقية القضاء على داعش في العراق؟
الجواب أنه تم القضاء بالفعل على الدولة المزعومة للتنظيم، وتمت استعادة المساحات الشاسعة التي كان يُسيطرُ عليها، وأصبحت دولة التنظيم دولة افتراضية لا وجود لها جغرافيًّا على أرض الواقع. لكن التنظيم ذاته موجود، ويتعامل مع الأحداث وفقًا لقدراته، ويتبع إستراتيجية "النكاية والانهاك" و"حرب الاستنزاف" التي أوصاهم بها "أبو بكر البغدادي" قبل مقتله، وصدرت عدة مقاطع مرئية خاصة بها. وهي إستراتيجية قديمة رسَّخ لها "أبو بكر ناجي" القاعدي في كتابه "إدارة التوحش" والذي قال: "إن الطريق الأكثر احتمالًا لهزيمة العدو الأقوى عسكريًّا هي استنزافه عسكريًّا واقتصاديًّا". وهي تهدف -كما يقول أ. "ماهر فرغلي"ـــ إلى استنزاف الأعداء وإرهاق قدراتهم البشرية والعسكرية والاقتصادية واللوجستية.
والسؤال الآن هو: لقد رأينا انهيار دولة داعش وتحولها إلى تنظيم مرة أخرى، فهل سنرى تحول هذا التنظيم إلى دولة؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة، والذي يتطلب من المجتمع الدولي إدراك خطورة وأهمية ما يحدث من تطورات للمشهد العام في سوريا والعراق.

وحدة رصد اللغة التركية

طباعة