"تغيير المسار " .. إستراتيجية جديدة للتنظيمات الإرهابية في إفريقيا

  • | الثلاثاء, 8 مارس, 2022
"تغيير المسار " .. إستراتيجية جديدة للتنظيمات الإرهابية  في إفريقيا

     مع دخول القارة الإفريقية تسعينيات القرن الماضي تم فتح الباب أمام عوامل ومؤثرات ثقافية غريبة على الثقافة الإفريقية، الأمر الذي استغلته التنظيمات المتطرفة ليتسللوا إلى داخل المجتمع الإسلامي في إفريقيا وتحت اسم: إحياء الدين والشرع، بدأوا في تشويش عقول المسلمين، وهنا اصطدموا مع المجتمع الصوفي السائد ومع المؤسسات المدنية، عندها بدأ الشقاق والانقسام الذي كان اللبنة الأولى لظهور تيار العنف والتشدد في سبيل نشر أفكار تلك التنظيمات وأهدافها، وكان ذلك تحت مسمى الدفاع عن الإسلام ونشر رايته. 
بقي الأمر داخل القارة الإفريقية في بدايته عبارة عن تنظيمات محلية تنسب نفسها للإسلام، تحت مظلة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ألقت العولمة الحديثة ظلالها على القارة الإفريقية، ومع تطور وسائل التواصل وفَّرت تنظيمات إرهابية دولية مثل: "القاعدة" و"داعش" الدعم الأيديولوجي واللوجيستي لتلك التنظيمات المحلية في سبيل تقديم الولاء لها وإعلان البيعة؛ مما جعل تلك التنظيمات تستفحل في القارة ناشرة العنف والإرهاب في ربوعها -طبقًا لمؤشر الإرهاب والإحصائيات التي يقوم بها مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، ‏تعد كل من حركة "الشباب " وتنظيم "بوكو حرام"  و"متمردو تحالف القوى الديمقراطية" ضمن المجموعات الإرهابية الأكثر دموية في إفريقيا – وبإعلان الولاء لمثل هذه الشبكات الإجرامية العالمية أصبحت تلك التنظيمات أكثر قدرة على البقاء والانتشار، مع استغلال الروابط الاجتماعية بينها وبين بعض السكان المحليين، والتهديد والقمع لكل مخالف. 
كما أن المناطق الحدودية وضعف المراقبة عليها وغياب إحكام القبضة الأمنية فيها، من العوامل التي استغلتها التنظيمات المتطرفة في الانتشار والبقاء، حيث إن الحدود في إفريقيا مناطق صحراوية وغابات وهضاب وجبال تلك الحدود مترامية الأطراف لا نجد فيها وحدات أمنية كافية، فطبقًا لما أوردته مجلة "السياسة والاقتصاد" الصادرة عن كلية السياسة والاقتصاد جامعة بني سويف في عددها الثامن، فإنه يمکن القول بأن فرد أمن واحد يراقب ويحمي مسافة من الحدود تمتد لنحو 128 کيلو متر. وعلى الجانب البشري تأتي الحدود الإفريقية لتقسم أکثر من 175 جماعة إثنية إفريقية يضطر أفرادها أن يتوزعوا على بلدين أو أکثر بفعل الحدود، وهذا الأمر من بين الأسباب التي أدت إلى سخط السكان المحليين للمناطق الحدودية على الحكومات بسبب التهميش والشعور بعدم المساواة.


من الدعوة الفكرية إلى ممارسة العنف
 ومن هذا المنطلق صارت تلك التنظيمات تتخلى عن الدعوة الفكرية القائمة على استقطاب العقول إلى ممارسة العنف لتطبيق أهدافهم، وبناء دولة تجمع أفرادها في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، ونستطيع أن نشير إلى أن ثمة مصادر رئيسة أدت إلى هذا العنف باسم الدين:
أولًا:
فكرة التخلص من الفاسدين والمخالفين في العقيدة، وجدير بالذكر أن فكرة التخلص من المغاير في المعتقد لا تقتصر على الفكر المتطرف لدى المنتسبين إلى الإسلام، بل نجدها في خطابات جيش الرب للمقاومة في أوغندا ‏استنادًا إلى فهم خاطئ للتقاليد المسيحية. فهم يحاولون بذلك الوصول إلى تحقيق العدالة المزعومة بتطهير المجتمعات من المفاسد والنقائص والشرور، ليكون مجتمعًا أقرب إلى القدسية، ولا حرج لديهم من الوصول إلى تلك الغاية بالعنف والتخلص من الآخر المغاير. 
ثانيًا:
أيضا تستند التنظيمات المتطرفة في القتل باسم الدين على مفهوم "الفرقة الناجية"، ولعل ذلك يسوّغ رفض التنظيمات الأخرى وعدم التسامح معها. فقد قامت "‏بوكو حرام" باغتيالات شخصيات إسلامية تابعة لطوائف مغايرة لها، وأحرقت عددًا من المساجد، زعمًا منها أنها هي فقط الفرقة الناجية وما سواها كافر وهذا ما أعلنه صراحة زعيمها السابق "أبوبكر شيكاو" في فيديو شهير يكفر فيه كل الطوائف والفرق الإسلامية ويعلن أن جماعته فقط هي الناجية.
 ثالثًا:
كما أن الاعتقاد لدرجة الهوس ‏بفكرة معينة وهو ما تتسم به التنظيمات المتطرفة كان سببًا في ترويجهم لفكرة القتل باسم الدين، فعلى سبيل المثال نجد أن فكرتي الخلافة وعدم موالاة الكفار اللتين تروّج لهما التنظيمات المتطرفة كان لهما دائمًا مكانة راسخة في الفكر السياسي والديني السائد لدى تلك التنظيمات في ‏إفريقيا منذ القرن التاسع عشر.‏
 لذا نجد أن كلًّا من "بوكو حرام" و"الشباب" حاولا بناء دولة مزعومة خاصة بكل منهما، بل إن منهما مَن أعلن قيام هذه الدولة المزعومة في مناطق السيطرة والنفوذ وذلك بتطبيق الحدود وأحكام الشريعة على الأقاليم التي سيطروا عليها من خلال فهمهم الخاطئ  للشريعة الإسلامية. 
إلا إن كل العوامل السابقة خفتت وتضاءلت أمام العامل الذي فرضته الظروف الراهنة، فالعنف من أجل إثبات الوجود والبقاء وضمان الانتشار والسيطرة صار هو الشغل الشاغل للتنظيمات الإرهابية، ففي منطقة حوض بحيرة تشاد- التي تضم الكاميرون وتشاد والنيجر ونيجيريا - نجد أن  القدرة على البقاء والسيطرة الاقتصادية كانت الهدف الأول للتنظيمات الإرهابية؛ إذ يعمل تنظيم داعش الإرهابي في غرب إفريقيا‎ الذي يتزعمه "أبو مصعب البرناوي"‎، وهو فصيل منشق من "‏بوكو حرام"، على كسب الدخل والتمويل من القرى والمجتمعات النائية في مقابل تقديم عدد من الخدمات والسلع العامة للمواطنين‎، وقد أنشأ تنظيم "داعش" من خلال احتلاله للعشرات من القرى في بحيرة تشاد هيكلًا يشبه الدولة في مناطق الحكم المحلي شمال شرق نيجيريا. وطبقًا لروايات الأهالي المحليين يتحكم تنظيم داعش الإرهابي في التجارة، ويفرض الضرائب، في سبيل تسهيل سبل المعيشة للمواطنين، إضافة إلى توفير بعض الخدمات الأمنية، والمراحيض العامة، والعيادات، ومياه الشرب من خلال حفر الآبار. ‎كل ذلك يؤدي إلى توفير بيئة حاضنة لتلك التنظيمات الإرهابية اجتماعيًّا وثقافيًّا، وكذلك اقتصاديًّا حيث مصادر التمويل للعمليات.
وعلى صعيد آخر نجد أن "بوكو حرام" تمكَّنت من استغلال الغضب والسخط الشعبي، وقدمت حلولًا وبدائل لهؤلاء الغاضبين الساخطين، وبالفعل نجحت بوكو حرام في استغلال الظلم والانقسامات الدينية والاجتماعية والسياسية، وأنشأت قاعدة تعاطف ودعم لها من البعض في شمال نيجيريا.
كذلك الأمر نجد حركة "الشباب" – في شرق إفريقيا وتحديدًا في دولة الصومال وعلى الحدود الكينية ومنها إلى دولة موزمبيق-  بعد الضربات الأمنية التي وجهت لها، وفقدان سيطرتها على كثيرٍ من الأراضي، وتواجد عناصر تنظيم داعش الإرهابي مؤخرًا منافسًا لها على الأراضي الصومالية، قد لجأت إلى النشاط الإجرامي لتمويل أنشطتها. فبسبب خسائرها وهزائمها وفقدانها العديد من المناطق والجهود الكبيرة والمكثفة التي أدت إلى تجفيف منابع تمويل الإرهاب تضاءل تمويل الحركة، ومن هنا بدأت مؤخرًا في تغيير مسارها إلى عمليات ابتزاز زعماء العشائر ورجال الأعمال- مثلما حدث في سوق "بكارو" - على الرغم من أن حركة "الشباب" منذ فترات طويلة عملت على جمع الجبايات والأموال بدعوى جمع زكاة الأراضي والمحاصيل والأموال و‏التي وفْق زعمها تتوافق مع الشرع! إلا إنها في الآونة الأخيرة أخذت في مطالبة التجار والبائعين بضرائب ثابتة وإتاوات دون مسوّغ شرعي. وفي حال رفض الالتزام بالدفع يتم ‏التهديد بالقتل وتدمير الممتلكات. ناهيك عن تجارة الفحم ولجوء الحركة إلى استيراد السيارات المستعملة وتجارة الهيروين. فـ"الغاية تبرر الوسيلة" هي الإستراتيجية الجديدة للتنظيمات المتطرفة، والفكر البرجماتي أصبح مستقبل الإرهاب للمحافظة على بقائه.


البراجماتية سبيل البقاء والانتشار
ومن هنا نستخلص أن هذا التطور في فكر التنظيمات المتطرفة من أجل المحافظة على البقاء أدى إلى تخليها عن أيديولوجياتها الثابتة التي نشأت على أساسها. فنحن الآن أمام تغير من نظام مبني على أيديولوجيات قائمة على فهم خاطئ للشريعة إلى نظام قائم على عددٍ من الأنشطة الإجرامية والأعمال المخالفة للشرع تمامًا من باب الغاية تبرر الوسيلة. الأمر الذي قد يبشر ببداية انحسار انتشار تلك التنظيمات نظرًا لفقدان الثقة من قبل الشباب، وتكسير القواعد التي ترسخت في عقول الناس عن هذه التنظيمات من كونها حريصة على تطبيق الشرع كما يزعمون، ناهيك عن التنافس والتناحر فيما بين تلك التنظيمات من أجل السيطرة والمحافظة على بقائها واستمرارها.
 نتيجة لما سبق، فإن استمرار هذا الفكر البراجماتي للتنظيمات الإرهابية، وهذا التحول الإستراتيجي ينال من الخطاب الاستقطابي لتلك التنظيمات وتبريرها للعنف ومخالفة الشرع في سبيل تحقيق الغايات، الأمر الذي يصب في مصلحة القوى الناعمة التي تحارب الإرهاب من خلال الدعوة وتصحيح الأفكار والمفاهيم. ومع قيام الحكومات والشعوب بمزيد من التخطيط الجيد وتطوير إستراتيجيات مكافحة الإرهاب، ومن هنا تتزايد فرص تواري التنظيمات الإرهابية شيئًا فشيئًا.
هذا، ويقوم مرصد الأزهر لمكافحة التطرف بدوره المنوط به من تتبع ورصد هذه التنظيمات الإرهابية المتطرفة في قارة إفريقيا، منذ نشأتها ومراحل تطورها مع تحليل العوامل والأسباب التي تؤدي إلى انتشارها وتمددها، وهذا ما نراه جليًّا في الأخبار والتقارير الصادرة عنه وفي العديد من الاحصائيات والإنفوجراف المتنوعة الخاصة بالعمليات الإرهابية في قارة إفريقيا. كما يتناول المرصد أهم القضايا التي من شأنها دحر الإرهاب والقضاء عليه، كقضية استغلال المرأة، وتجنيد الأطفال، ومشكلة المناطق الحدودية، إضافة إلى تفنيد الشبهات التي تروجها التنظيمات المتطرفة للتغرير بعقول الشباب مع الرد عليها ردًّا شرعيًّا يوافق صحيح الدين. 
كما يؤكد المرصد على ضرورة التركيز على تحليل الدوافع التي تقود الشخص للانضمام لمثل هذه التنظيمات المتطرفة؛ حتى نمنع المزيد من الناس من انتهاج المسار نفسه، ويظل هؤلاء الإرهابيون في انحسار وتفشل إستراتيجياتهم للانتشار.

وحدة الرصد باللغات الإفريقية

طباعة