التنظيمات الإرهابية والحروب بين الشماتة واستغلال الفرص!

  • | الثلاثاء, 12 أبريل, 2022
التنظيمات الإرهابية والحروب بين الشماتة واستغلال الفرص!

     لعل أسوأ ما يمكن أن تجُرّه الأزمات المسلحة على الدول هو تدخل قوى وتيارات خارجية في أراضيها، ونشاط الأطراف الخفية في هدمها وتحويلها ومقدراتها وثرواتها إلى سلعة للتكسب في وقت المحنة، وهي تجربة تكررت في كثير من البلدان التي نكبتها النزاعات العسكرية، حتى يخرج أبناء هذه الدول وحدهم خاسرين منكوبين، بينما تخرج أطراف شتى بمكاسب غير شرعية على حساب هذه الجماهير البائسة.
ولعل موقف التنظيمات المتطرفة من هذه النزاعات يُعد مثالًا لهذا الاستغلال؛ إذ يرتعون في خراب الدول، ثم يسرقون ثرواتها ويبيعون مقدراتها بأثمان زهيدة طمعًا في مكاسب زائلة، متجاهلين ما يحل بهذه المناطق، وأن إعادة إعمارها سيكون حتميًّا، لكنه باهظ التكلفة، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: هل الحروب الغربية تُعدُّ حسب زعم التنظيمات المتطرفة عقابًا إلهيًّا يصب في مصلحتهم وحدهم؟!
مع بداية الأزمة الروسية الأوكرانية وصف تنظيم داعش الإرهابي في مجلته الأسبوعية الأزمة بأنها "عقاب إلهي" لأوكرانيا، كما ذكر التنظيم أن الحرب التي تشهدها أوكرانيا ستكون لها عواقب وخيمة، وسوف تغير الكثير من قوانين السلام والحرب بين تلك الدول في الغرب. وأوضح التنظيم أن ما يحدث في أوكرانيا سوف يتمدد وينتشر في عواصم أوروبية أخرى، ولا يخفى ما في هذه التصريحات من شماتة ورغبة في رؤية المزيد من الدماء، حتى لو كانت دماء بريئة.
لكن الحقيقة أن هذا التنظيم المارق يجهل ما حلَّ بالعالم كله من خراب ودمار وخسائر اقتصادية وارتفاع جنوني في الأسعار جراء هذه الحرب، هذا على الرغم من أن رحى هذه الحرب تدور في منطقة بعيدة عن أوطاننا العربية والإسلامية، لكن تأثيراتها على المدى القريب والبعيد ستكون بلا شك قاسية على الكثير من الدول، وقد أثرت الحرب الدائرة تأثيرًا اقتصاديًّا مباشرًا على الدول الأوروبية، التي يعيش فيها كذلك ملايين المسلمين.
لكن التنظيم في الوقت ذاته، ومع شماتته المعلنة، انتقد زعيم الشيشان "رمضان قديروف"، لدعمه نظام الرئيس الروسي، كما وصف التنظيم الإرهابي الجنود الذين يدعمون روسيا بـــ "الأوغاد" والدول الأوروبية التي تدعم الأوكرانيين بــ "ميليشيات الكفر".
فكيف يمكن فهم ما يرمي إليه هذا التنظيم الإرهابي؟
فهو من جانب يدين المشاركين في الحرب، لكنه من جانب آخر يرحب بالحرب ذاتها! مع علمه بما تخلفه من خسائر مادية وبشرية في كل لحظة؛ فكيف يفرح إنسان لسيلان دماء النساء والأطفال والشيوخ؟! أليست الحرب دمارًا وإفسادًا في الأرض التي بسطها الله لخلقه؟
ولم يكن هذا موقف تنظيم داعش الإرهابي وحده؛ فوفقًا لصحيفة "إل فينانثييرو" المكسيكية، في 16 مارس 2022م، رحبَّت التنظيمات الإرهابية بشكل عام بالهجوم الروسي على أوكرانيا، في حين دعت تلك التنظيمات أتباعها إلى الابتعاد عن ما تسميه "الحرب الصليبية"، ومن ناحيته، عبر "أبو محمد المقدسي"، الإرهابي المنتمي لتنظيم القاعدة، من خلال حسابه على موقع "تويتر" عن فرحه باستمرار الحرب، وأنه سعيد بما يحدث في الغرب كما كانوا فرحين بتدمير الدول الإسلامية، ونشر "أبو الفتاح الفرغلي"، المنتمي لتنظيم القاعدة الإرهابي في سوريا عبر وسائل التواصل الاجتماعي رسالة يقول فيها: "اجعلوا الظالمين يبيدون بعضهم البعض".
وأشار "أيمن التميمي" الباحث بجامعة جورج واشنطن إلى أنه ليس هناك أيُّ تنظيم إرهابي يختار بين روسيا وأوكرانيا؛ فكلاهما دولتان كافرتان وفق حكمهم، ويحكمهما تمييز صارم وعنصرية واضحة بين المسلمين وغير المسلمين، كما ترفض جميع التنظيمات الإرهابية إرسال عناصرها الإرهابية ومقاتليها لمنع موت المسلمين من أجل "الكفار"، فهو أمر "غير مقبول" في منطقهم، إضافة إلى أن حالة الحرب في أوكرانيا تسمح لتنظيم داعش الإرهابي بجذب الانتباه الدولي والاستمرار في تنفيذ المزيد من العمليات الإرهابية، وفقًا لما أشار إليه "داميان فيريه"، مؤسس وكالة تحليل العمليات الإرهابية والفضاء الإلكتروني.
لكن ما لا شك فيه هو أن هذه التنظيمات لن تتردد في أي وقت من الرمي بأتباعها في هذه الدول؛ لجني ما يمكنهم تحصيله من ثروات وأموال، كما فعلوا بالعراق وسوريا وغيرهما من الدول، ولا شك أنهم الآن يبحثون عن وجهات تالية يتربحون منها.
إن مرصد الأزهر يؤكد على أن النفس البشرية السوية لا ترضى الخراب والدمار؛ لأنها خُلقت للإحسان والخير، وإن كانت هذه التنظيمات الضالة تظن غير ذلك، فأين رسالة الله لبني البشر بعمارة الأرض؟
لقد سعت الأصوات العاقلة إلى وقف هذه الحرب ووقف نزيف الدماء معها حفاظًا على السلام والعدل، لكن التنظيمات الإرهابية تأبى ذلك، وتتعطش لمزيد من الدماء، بدعوى الانتقام للدول الإسلامية، وتناست تلك التنظيمات الإرهابية أنها أول من جنى على الإسلام والمسلمين بجرائمهم النكراء وخروجهم على كل عرف ودين.

وحدة رصد اللغة الإسبانية

طباعة