من «تارانت» إلى «جندرون».. دور نظرية "الاستبدال العظيم" في عنف المتعصِّبين للعِرق الأبيض

  • | الأحد, 5 يونيو, 2022
من «تارانت» إلى «جندرون».. دور نظرية "الاستبدال العظيم" في عنف المتعصِّبين للعِرق الأبيض


في عام 2019م، شهدت مدينة (كرايستشرش) في نيوزلندا حادث إطلاق نار جماعي استهدف مسجدين وأسفر عن مقتل (51) شخصًا وإصابة (50) آخرين. وبدافع الكراهية نفّذ "برينتون تارانت" هذا الهجوم الذي وُصِف بـ (الأكثر دموية في تاريخ نيوزلندا) مستخدمًا شعارات مؤيدة للنازيين الجُدُد، وبثّ الجريمة بشكل مباشر عبر منصَّة الفيسبوك.
إضافة إلى ذلك، نشر (تارانت) بيانًا مُطوَّلًا بعنوان «الاستبدال العظيم» أكد خلاله مرارًا دوافعه العنصرية القائمة على كراهية الآخر وممارسة العنف ضدَّ المهاجرين، بدعوى أنهم يريدون سلب السكان الأصليين أصحاب البشرة البيضاء بلدانهم.
وقد تكرر مؤخرًا نفس المشهد؛ حيث أطلق «بايتون جندرون» من أصحاب البشرة البيضاء النار في متجر للخضراوات بمدينة (بوفالو) شمال ولاية نيويورك، ما أسفر عن مقتل (10) أشخاص أغلبهم من أصول أفريقية. ووفقًا للتقارير فقد استهدف (جندرون) المتجر لأن معظم روَّاده من أصحاب البشرة الداكنة. وتُحقِّق سلطات إنفاذ القانون في البلاد في هذا الحادث باعتباره يُمثِّل جريمة كراهية وتطرُّفًا عنيفًا ذا دوافع عنصرية.
يُذكر أن الفيلسوف الفرنسي «رينو ‏كامو» المعروف بعدائه للهجرة، كان أول من تحدث عن نظرية الاستبدال العظيم؛ فكان كثيرًا ما يردَّد فكرة الاستبدال أو الإبادة الجماعية لأصحاب البشرة البيضاء ‏في جميع خطاباته، إلى الحركات اليمينية المتطرفة في الغرب حتى وصل إلى شبكة واسعة النطاق ‏من حركات الاحتجاج مثل حركة «بيجيدا».
وقد أعدت وكالة أنباء (أسوشيتد برس) دراسة استقصائية، خلصت إلى إيمان أمريكي من كل ثلاثة بالغين برواية تحاكي نظرية الاستبدال العظيم. وتعزو الدراسة الأسباب إلى تشجيع بعض المتطرفين أو الصحفيين الذين يروِّجون لهذه النظرية على شاشات التلفاز.
لكن ووفق قراءاتنا تتحمل القيادات اليمينية والشعوبية جزءًا من المسؤولية عن مثل هذه الهجمات. فلا يمكن إنكار دور خطاباتهم التحريضية في تغذية الميول المتطرفة، والتحفيز على تنفيذ العديد من الأعمال العدائية ضدَّ أصحاب البشرة الداكنة والفئات المُهمَّشة. وتجد هذه الدعوات صداها بين المتعصبين لسيادة العِرق الأبيض.
وسائل التواصل الاجتماعي:
ارتفعت أعداد جماعات الكراهية في الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة (100%) على مدار العشرين عامًا الماضية. وتسيء التنظيمات الإرهابية بمختلف مرجعياتها وأيديولوجياتها استغلال الفضاء الإلكتروني، وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصات ترويجية للأفكار والأيديولوجيات المتطرفة، بسبب قلة التكلفة وسهولة التواصل وضمان السرية.
وتحت وطأة قيود الرقابة على المحتوى، استحدثت التنظيمات المتطرفة منصات إلكترونية بديلة تساعدها في الترويج والحشد والاستقطاب. وكان منفذ هجوم (بوفالو) قد نشر فيديو الجريمة على تطبيق مشهور للألعاب الإلكترونية، مستغلًّا سرية التطبيق، وتحفيز الآخرين على القيام بأعمال مشابهة.
ورغم الجهود لم تتمكن منصات التواصل الاجتماعي من تقييد انتشار هذا النوع من المقاطع بشكل كامل. على سبيل المثال أكدت شركة (يوتيوب) حذف ما لا يقل عن (400) نسخة مختلفة من فيديو الجريمة. وكذلك حظر تطبيق (فيسبوك) نشر نُسخ مختلفة للمقطع ذاته.
جهل معرفي:
اتهم بعض السياسيين والنشطاء، المنظومة التثقيفية بالمدارس فيما يتعلق بالعِرق، بإثارة الانشقاقات والاختلافات وترويج الأفكار المتطرفة بين الشباب. لكن في المقابل تجاهل هذه المنظومة يخلق أجيالًا لا تجيد التعامل مع الاختلافات، لاسيما العِرقية والإثنية.
وتُظهِر أبحاث أن الأطفال يصبحون على دراية أكبر بأمور العِرق وانعدام المساواة العِرقية في سنّ مبكِّرَة وربما يُصابون بالتحيز العِرقي في سِن 3 إلى 5 سنوات. ولفتت دراسات أخرى، إلى تأثير انخراط الأطفال في محادثات صريحة ومتكررة عن العِرق وعدم العنصرية، على انخفاض مستويات التحيز.
تقول "فيليس كاتز" طبيبة نفسية:" تجنُّب إجراء محادثات حول العِرق وخطورة انعدام المساواة يمكِّن الصور النمطية السائدة من أن تظل دون تغيير. ومن ثمَّ، يُعد القضاء على الجهل المعرفي وتثقيف الأشخاص منذ نعومة أظافرهم أحد حلول تفكيك الخطاب العدائي الذي يروِّج له المتعصِّبون للعرق الأبيض".
ماذا بعد؟
لطالما حذَّر مرصد الأزهر في عددٍ لا بأس به من التقارير والمقالات التي أعدَّها والدراسات التي أجراها من خطورة انتشار الأفكار المتطرفة التي تؤدي بالطبع إلى هدم المجتمعات وتقويضها وبثِّ الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، ولذلك يؤكد المرصد على ضرورة ما يلي:
• أن تتخذ سلطات إنفاذ القانون مزيدًا من الإجراءات الرامية إلى إحباط محاولات نشر الأفكار المتطرفة.
• أن تُصدر السلطات التشريعية قانونًا يقيِّد حيازة الأسلحة، ولا سيما بعد ارتفاع وتيرة حوادث إطلاق النار في الولايات المتحدة مؤخرًا والتقارير التي تفيد أن عدد الأسلحة يفوق عدد الأمريكيين أنفسهم.
• أن تتكاتف المؤسسات الدينية من أجل تفنيد الأفكار المتطرفة وتثقيف المواطنين بشؤون دينهم، مع التأكيد على قيم التعايش السلمي بين أبناء الوطن بغض النظر عن اختلاف دينهم أو عِرقهم أو لونهم.
• أن تكثِّف المؤسسات الحكومية التي تقدِّم خدمات شبابية فعالياتها الرامية إلى نشر ثقافة التنوُّع وقبول الآخر.
• أن تُدخِل المؤسسات التعليمية مناهج تهدف إلى تثقيف الطلاب في جميع المراحل التعليمية بشأن الأعراق، مع التأكيد على أن اختلاف الأعراق ميزة وليس عيبًا.
• أن يجري الأبوان حوارات بنَّاءة مع أولادهم عن ثقافة السلام حتى مع جيرانهم وزملائهم المختلفين معهم في اللون أو العرق أو الدين؛ لترسيخ فكرة تقبل الآخر دون تمييز وعنصرية.

وحدة الرصد باللغة الإنجليزية

طباعة