إعادة تأهيل المتطرفين.. المُحددات والآفاق

  • | الإثنين, 22 أغسطس, 2022
إعادة تأهيل المتطرفين.. المُحددات والآفاق

     انطلاقًا من إدراك المخاطر الكامنة للممارسات التي ينتهجها المتطرفون، تتكاثف الجهود لإعداد برامج تهدف لإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمعات بالطريقة التي تضمن انتشالهم من براثن الفكر المتطرف، والحول دون انخراطهم في الأنشطة الإرهابية، تلك الجهود تضمن عدم اصطدامهم بحاجز من الكراهية والعزلة الاجتماعية، وهو الأمر الذي قد يدفعهم إلى العودة للمجتمع المتشدد مرة أخرى.

وتهدف تلك البرامج إلى تأهيل المتطرفين من الناحية الفكرية، وإعدادهم ليكونوا أكثر إدراكًا للأفكار المغلوطة التي اعتنقوها، مما يمكنهم من الاختيار الصحيح ونبذ الفكر المتطرف والاندماج في المجتمع مواطنين صالحين.

 ولا ريب أن المرجعيات الفكرية للمتطرفين هشة، وهو الأمر الذي جعل لدى غالبيتهم ضبابية في المنهج وارتباك فكري، وهو ما يجعلهم فريسة سهلة للوصاية الفكرية التي يفرضها عليهم قادة التنظيمات ومنظروها، مما يمكن هؤلاء القادة من إحكام السيطرة الفكرية عليهم والاستحواذ على عقولهم، وهو ما يسهل مهمة تذويب معالم شخصياتهم وجعلهم أكثر انقيادًا لما يُملى عليهم.

وبناء عليه، تستطيع أن تُحدث برامج التأهيل تغييرًا ملموسًا إذا ما طبقت بأسلوب علمي، يعتمد على الواقعية في الطرح والموضوعية في التطبيق. ومن هنا يمكننا التأكيد على إمكانية تغيير الشخص المتطرف وإعداده لتقبل الفكر الوسطي، وذلك من خلال التأكيد على أن صاحب الفكر المُتطرف إنسان قابل للتغيير خاصة من ناحية أفكاره.

السجون حواضن للإرهاب والتطرف وأيضًا ميدان لتأهيل المتطرفين

وما ذكرناه، جعل الدول تضع برامج تأهيلية لمن قبض عليهم في جرائم متعلقة بالإرهاب، وذلك بمجرد القبض عليهم؛ رغبة في بدأ التأهيل من اللحظة الأولى، وإيمانًا بالوظيفة الإصلاحية للسجون. ويُعزى تزايد تركيز الحكومات على برامج إعادة التأهيل في السجون ضمن جهود مكافحة التطرف العنيف إلى ثلاثة عوامل: أولًا، إن السجون قد تصبح "ملاذًا آمنًا" يتيح للإرهابيين تنفيذ عملياتهم، بما في ذلك نشر التطرف بين أفراد جدد؛ وثانيًا، سيتم في نهاية المطاف إطلاق سراح بعض المتطرفين المسجونين مما يستلزم فك ارتباطهم بالتطرف؛ وثالثًا، قد تكون بيئة السجون مكانًا ملائمًا لإحداث التغيير الإيجابي؛ نظرًا لكون المتطرفين العنيفين معزولين عن شبكاتهم وتأثيراتهم القديمة([i]).

من جهة أخرى أثبتت العديد من التجارب التي يصعب حصرها أن السجون إن لم تُستغل في تأهيل المتطرفين قد تسهم في اعتناقهم مزيدًا من الأفكار المتشددة، بل وقد تُستخدم في تشكيل تنظيمات ووضع خطط لعمليات إرهابية يقوم السجناء بتنفيذها بعد إطلاق سراحهم. ولنا في السجون العراقية النموذج الواضح في هذا الأمر، حيث التقى معظم قيادات تنظيم داعش الإرهابي في السجون، وتعرفوا على بعضهم بعضًا فيها، ومن المعروف أن "عبد الله قرداش" زعيم داعش المقتول في مطلع فبراير الماضي التقى "أبو بكر البغدادي" في سجن "بوكا" العراقي، بل ذكر "عبد الباري عطوان" في لقاء تلفزيوني أن أكبر خدمة قُدمت لداعش هي وضع زعمائهم في السجون مع بعضهم بعضًا([ii]).

وذكر "بشار المويزري" سكرتير دولة الكويت لدى الأمم المتحدة أن "السجون والمؤسسات الإصلاحية تعد أحد أهم الحواضن التي تؤدي دورًا بارزًا في انتشار ظاهرة الإرهاب والتطرف العنيف بين المساجين، خصوصًا في تلك السجون التي يُودع فيها أشخاص متهمون أو محكوم عليهم في قضايا إرهاب.... وفي ظل هذه التحديات فإنه يجب أن تكون هناك مؤسسات إصلاحية لديها برامج تقوم على إعادة تأهيل هؤلاء السجناء ودمجهم في المجتمع أو تقليص الفرص المتاحة للإرهابيين لاجتذاب مجندين جدد، ولضمان عدم تكرار ظهور أشخاص يحملون الفكر المتطرف على غرار عدد من قادة وأفراد تنظيم داعش الإرهابى"([iii]).

 كما ذكر "أحمد بان" الباحث المتخصص في شئون التنظيمات الإرهابية، في مقال نشره بعنوان: "كيف تصبح السجون ميدانًا لإعادة تأهيل المتطرفين التائبين؟": إن جدران السجون، رغم أسوارها العالية وأبوابها المحكمة، قد سطرت في أروقتها أهمّ أدبيات العنف والتنظير له، وعبر نوافذها الضيقة خرجت فتاوى التكفير والإقصاء واستحلال المجتمع، بل وولدت أهم المؤامرات التي غادرت السجن سريعًا لتتحوّل من أفكار إلى أفعال..([iv]).

ومن هنا ندرك مدى المخاطر التي يمكن أن تسببها السجون في أماكن النزاع، والتي لا تسطيع دولها ولا يسمح اقتصادها بإعداد برامج تأهيل للمتطرفين فيها. وقد ذكر المرحوم "هشام الهاشمي" الباحث العراقي المتخصص في شئون التنظيمات المتطرفة أن السجين الواحد ينفق من 20 إلى 22 دولارًا يوميًّا، هذا بخلاف ما يتطلبه من معالجة نفسية وفكرية وإعادة تأهيل([v]). وهو ما يوجب على المجتمع الدولي استرداد مساجينه القابعين في السجون السورية والعراقية.

مسارات إعادة تأهيل المتطرفين

ذكرت دار الإفتاء المصرية في دراسة لها عام 2017م عن "تجارب الدول في تأهيل المتطرفين" أن إستراتيجيات إعادة التأهيل تعمل على مسارين. الأول: فك الارتباط الفكري بالتنظيمات المتطرفة؛ حيث يتعامل مع الأفراد الذين ينأون بأنفسهم عن الانضمام إلى التنظيمات المسلحة إلا أنهم يعتنقون أفكارها. والمسار الثاني: إعادة الإدماج في المجتمع، ويشمل الأفراد الذين قطعوا علاقتهم التنظيمية بالتنظيمات المتطرفة وتخلوا عن أفكارها. وأكدت الدراسة على أن نجاح إعادة التأهيل يتوقف بدرجة كبيرة على مراعاة الدوافع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي دفعتهم إلى الانضمام للتنظيمات المتطرفة([vi]).

وهذا أمر مهم للغاية، لأن أسباب التطرف تمثل إشكالية معقدة للغاية تتداخل فيها أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وإعلامية ودينية ... ولن نستطيع أن نسير في مسار تجفيف منابع الفكر المتطرف وتأهيل من اعتنقوه إلا بعد دراسة أسباب اعتناق الفرد لهذا الفكر، والدوافع التي دفعته إلى انتهاجه.

من جهة أخرى فإن فك الارتباط الفكري ليس بالأمر السهل بل يتطلب جهودًا كثيرة وتدشين برامج دينية وفكرية يمكن من خلالها تفكيك الفكر المتطرف وإظهار فساده في عقل المتطرف نفسه. كما تتطلب إعادة الإدماج في المجتمع تركيزًا قويًّا على الأبعاد النفسية والدينية والفكرية والاجتماعية التي تؤثر في الأفراد وتجعلهم فريسة سهلة للاستقطاب.

كما ينبغي أيضًا اتخاذ خطوات استباقية، ووضع برامج وقائية تحمي الشباب المعتدل من الوقوع في براثن التنظيمات المتطرفة، مثل البرامج التي يعدها مرصد الأزهر للشباب، والتي تستهدف صياغة خطاب مضاد للخطاب المتطرف، من خلال تنظيم دورات تدريبية وورش عمل شبابية هدفها توضيح القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية، مثل السلام والتعايش السلمي وتقبل الآخر في إطار من التسامح.... وغيرها من القيم التي يُعتبر ترسيخها في حد ذاته مكافحة للتطرف وخطوة على طريق تجفيف منابعه.

تجارب الدول في إعادة تأهيل المتطرفين ودمجهم في المجتمع

عند الحديث عن تأهيل المتطرفين وإعادة دمجهم في المجتمع تأتي التجربة المصرية في طليعة التجارب التي تناولت قضية التأهيل، ففي تسعينيات القرن الماضي أطلق بعض قيادات التنظيمات المتطرفة المسجونون مراجعاتٍ فكرية أعلنوا من خلالها تخليهم عن ممارسة العنف. ورحبت السلطات حينها بهذه المراجعات، وعقدت سلسلة ندوات ولقاءات مع آلاف السجناء؛ بهدف إثنائهم عن أفكارهم المتشددة وإعادة دمجهم في المجتمع. وساهمت هذه المراجعات الفكرية وما تلاها من حوارات فكرية داخل السجون في وقف هجمات المتشددين إلى حد كبير لنحو عشر سنوات(([vii].

وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي اتُخذت العديد من الخطوات لتطوير السجون، وصياغة إستراتيجية جديدة لها تليق بالجمهورية الجديدة. ففي أكتوبر من العام الماضي 2021م، تم تطوير مجمع "وادي النطرون" وتحديثه كي يصبح نموذجًا لتطبيق معايير حقوق الإنسان في التعامل مع النزلاء فيما يتعلق بتوفير جميع سبل الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية لهم، وتأهيلهم للاندماج مرة أخرى في المجتمع عقب انتهاء فترة العقوبة([viii]).

ومن أهم الخطوات التي اتخذتها مصر أيضًا في هذا السياق هو تغير اسم "قطاع السجون" إلى "الرعاية المجتمعية" ليعبر بصدق عما يحدث وراء الأسوار من جهود هدفها إعادة تأهيل النزلاء.

كما ضاعفت المؤسسات المصرية جهودها من أجل تجفيف منابع التطرف، ومنع استشراء فيروسه في عروق الشباب، فاهتمت مؤسسة الرئاسة بالشباب، وعقدت لهم المنتديات العالمية التي تحظى برعاية رئيس الجمهورية وحضوره. كما أنشأ الأزهر الشريف مرصده لمكافحة التطرف الذي يعكف على مدار الساعة لرصد الفكر الهدام وتفنيده، كذلك وزارة الأوقاف ودار الإفتاء بذلتا جهودًا مشكورة في هذا السبيل.

كما خاضت العديد من الدول تجارب تأهيلية للنزلاء في السجون، مثل المملكة العربية السعودية، التي أطلقت برنامجًا تأهيليًّا عام 2003م، وحققت من خلاله نتائج مشجعة، حيث تزايد عدد من تخلى عن الفكر المتطرف. ولقد اعتمد البرنامج السعودي على المدخل الأيديولوجي والإرشاد الديني بشكل أساسي، وفي الوقت ذاته، لم يهمل البعد السيكولوجي والاجتماعي، كما تفوق البرنامج في جانب مهم من الإصلاح وهو الرعاية اللاحقة التي تلي الإفراج([ix]).

كما دشنت "أندونيسيا" برنامجًا تأهيليًّا للسجناء اعتمدت فيه على من سبق لهم انتهاج الفكر المتطرف ثم تخلوا عنه. حيث يقوم هؤلاء بمحاولة إقناع النزلاء المتطرفين بالتخلي عن فكرهم، ويظهرون لهم فساده. وفي "سنغافورة" لجأت الدولة إلى المؤسسات الدينية والدعاة المستقلين في موضوع تأهيل المتطرفين، ونجحوا في ذلك بشكل كبير[x].

التأهيل النفسى:

يأتي التأهيل النفسي في طليعة البرامج التأهيلية المقدمة لدمج المتطرفين، وعليه يأخذ الأولويةَ في الممارسات العملية لتلك البرامج؛ وذلك بسبب أثر الدوافع النفسية في التطرف والعنف، والمسوِّغات والدلائل المهمَّة، التي أثْرت من قيمته، مستقاة من الميدان التأهيلي، أو من الواقع المشاهَد. وتتأتى أولوية التأهيل النفسي، بمعرفةِ الدوافع التي دفعت المتورِّطين إلى اعتناق التطرف، وأيضًا معرفة الخصائص النفسية التي يتصف بها المتطرفون لا سيما منتهجي السلوك العنيف منهم.

وقد حدد علماء النفس عددًا من التحولات الإيجابية التي حدثت في كثير من الحالات في أثناء إعادة التأهيل، نوجزها فيما يلي:

  • إعادة التقييم الذاتي، بما في ذلك قبول أنهم كانوا مخطئين فيما اعتقدوا وفعلوا.
  • إعادة تقييم البيئة المحيطة حيث يدركون أنهم كانوا مخطئين في افتراض أن أعمالهم كانت مدعومة من المجتمع الإسلامي.
  • الوعي بمسار التطرف: قبول مساره وفهمه وكيفية تعرضهم للتطرف.
  • التصحيح الأيديولوجي: إدراك أنهم كانوا يسيئون تفسير المفاهيم الرئيسة في عقيدتهم.
  • إعادة الهيكلة المعرفية: تطوير المهارات العقلية التي تساعدهم على تجنب مجرد قبول المعلومات التي تؤكد تحيزاتهم.
  • الالتزام الفردي: الالتزام بعدم الانتكاس في النشاط الإرهابي، من خلال اتخاذ القرارات وخطط ما بعد الإفراج لإظهار عزيمتهم([xi]).

 

 

ومن خلال ما سبق يمكن أن نوصي بما يلي:

  • السجون رغم إحكام قبضتها الأمنية، فإنها سطرت في أروقتها أهم أدبيات التطرف، كما روجت لأفكاره، ومن ثم أضحت حواضن للفكر المتطرف، ولكنها في الوقت ذاته يمكن استخدامها لمكافحة هذا الفكر عن طريق البرامج التأهيلية، وهو ما يجب أن ندعمه ونقوم بتطويره.
  • ساهمت التجربة المصرية في إعادة تأهيل المتطرفين في التسعينات بإخماد موجة عنف عاتية، قناعة من الدولة المصرية بأن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي للتصدي للعنف، وهو ما يجب أن يتم تعميمه وتكراره، واتخاذ خطوات استباقية لإغلاق الباب أمام الفكر الهدام، وإعادة تأهيل من اعتنقوه.
  • الاهتمام بتشريح عقلية المتطرف، والوقوف على أسباب تطرفه، وتدشين برامج تأهيلية له من شأنه تحويل المسار الفكري للمتطرف، وصرف اهتمامه إلى ما فيه صلاح أمته. 
  • ينبغي تبادل الخبرات بين الدول في مجال تدشين برامج التأهيل، والوقوف على المسارات اللازمة والخطوات التي يجب تنفذيها في أثناء تطبيق هذه المشروعات.
  • ينبغي تكاتف قطاعات المجتمع المختلفة وبلورة تعاونها ضمن أنساق فكرية وثقافية واجتماعية متجانسة تتضامن فيما بينها؛ لتوفر لجميع أفراد المجتمع فضاءات للتعارف والمناقشة والحوار، فيما يضمن ترابط الأفراد واضطلاعهم بمهام خدمة الأوطان والذود عن مقدساتها، مما يكون جبهة مناعية لهم ضد الأفكار المتطرفة.  
  • ينبغي أن تسهم مؤسسات المجتمع المدني في مهمة تطوير أساليب مواجهة التطرف وتنوعيها بالشكل الذي يمكن معه اجتثاثه من جذوره.

وحدة رصد اللغة التركية

 
طباعة