مأساة مسلمى الروهينجا

 

سلسلة علماء مسلمي الصين .. دابو شينغ(1874—1965)

سلسلة علماء مسلمي الصين .. دابو شينغ(1874—1965)

     لم تكن السنون تؤثر في ذكرى من كانت حياتهم لخدمة دينهم ومجتمعهم، فتظل ذكراهم حية في قلوب محبيهم، كما تشهد أعمالهم وعلمهم على هذا، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر"، وعلى خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم سار علماء الأمة على النهج، ومن أقصى البلاد البعيدة عن الحواضر الإسلامية، وفي أقصى شرق الأرض في الصين، نشأ المجتمع المسلم متعدد الأعراق داخل مجتمع متنوع يعيش في اندماج كبير، ومنه خرج العالم المسلم أحد أئمة الصين المشهورين الإمام دابو شينغ(1874—1965)Dá pǔ sheng ، والمعروف باسم "نور محمد".
وانطلاقًا من دور مرصد الأزهر لمكافحة التطرف في تعريف مسلمي العالم بإخوانهم، تستمر وحدة اللغة الصينية بمرصد الأزهر في نشر حلقة جديدة من "سلسلة علماء مسلمي الصين" ليستعرض التقرير أحد رموز الإسلام في الصين وصاحب بصمة واضحة في التعليم والدعوة وهو الإمام دابو شينغ.


حياته ونشأته
ولد الإمام دابو شينغ أو نور محمد كما يطلق عليه بين أسرته التي اختارت له اسمه العربي عام ١٨٧٤م بمدينة ليو خه Liuhe بمقاطعة جيانغسو، لأسرة مسلمة من قومية هوي أحد القوميات العشر المسلمة التي تعيش في الصين. منذُ صغره لم يعقه فقر عائلته عن طلب العلم، والسعي لدراسة العلوم الشرعية، فعند بلوغه السابعة درس الأبجدية الصينية، وهي أحد أصعب الأبجديات في العالم، ثم ذهب إلى المدرسة المسجدية (التعليم المسجدي) في العاشرة، ليتعلم العلوم الشرعية، وفي سن السابعة عشر تعلم اللغتين العربية والفارسية والتي كتب بهما أغلب الكتب الإسلامية آن ذاك.
وكأغلب شباب الصين في ذلك الوقت تأثر دابو شينغ بالظروف التي تمر بها بلاده، وبالرغم من ذلك لم يكن ليغير هدفه من أن يزيد تعليمه الشرعي، وطلبه للعلم، فذهب إلى بكين ليصبح فيما بعد إمام مسجد نيوجيه أحد أعرق المساجد في بكين.
ظل الإمام دابو شينغ يشعر بحاجة مسلمي الصين إلى المزيد من التعليم، فعاد إلى مسقط رأسه بمدينة ليو خه عام 1899م ليقوم بتأسيس مدرسة إسلامية وأطلق عليها "مدرسة قوانغي الابتدائية Guangyi "، وكانت فكرته حديثة فمن المعروف أن مسلمي الصين قد اعتمدوا لعقود طويلة على التعليم المسجدي والذي كان منتشرًا بين مسلمي الصين، قوبلت فكرته في البداية بالرفض بين المجتمع المسلم، لكن الإمام دابو شينغ كان مُصِرًّا على فكرته؛ لعلمه بحاجة المسلمين لهذه المدارس، إضافة إلى اطلاعه على أساليب الدراسة الحديثة (نسبيًّا) في بكين، فقد كتب في مذكراته في خمسينيات القرن الماضي: "لقد أسست مدرسة قوانغي الابتدائية في مدينة ليوهي، وكانت هذه أول احتكاك بالمجتمع المسلم. في ذلك الوقت، اعتاد أبناء شعب هوي على أن يكونوا محافظين، لذلك كان بطبيعة الحال أن أتحمل الكثير من النضال الصعب من أجل قبول المجتمع للأفكار الجديدة. كلما نظرت إلى الماضي، أرى كم كان من الصعب عليّ النضال في ذلك الوقت لإقناع أبناء قومية هوي".
لم يلبث الإمام دابو شينغ أن عاد إلى بكين عام 1905م، ليُعيَّن إمامًا لمسجد البقرة أو مسجد نيوجيه، لكن كانت الأحداث في الصين تدفع كل الصينيين إلى التحرك تجاه قضاياهم الوطنية، وفي ذلك الوقت عُيِّن الإمام دابو شينغ مبعوثًا تعليمي لقانسو، ثم أصبح مديرًا لمعهد قانسو التعليمي ومفتشًا إقليميًّا لمدة (٦) سنوات.
لكن حب الإمام دابو شينغ لمشاركة مجتمعه جعله يستقيل من منصبه عام ١٩١٨م، وفي ذلك الوقت كان اسم الإمام قد أصبح معروفًا لدى المجتمع المسلم وخاصة لدى قومية هِوي، وبدعم من مجموعة تجار من المسلمين قام بعدة زيارات إلى مدن مختلفة داخل الصين وخارجها لتفقد أحوال المسلمين، والقيام بالدور الدعوي، عززت هذه الرحلة فكرته إلى الخارج في تأسيس مدرسة شنغهاي الإسلامية للمعلمين، والتي يرجو منها إخراج وتدريب الأئمة وتكوين مجموعة من المعلمين الخبراء في التربية الإسلامية والذين يدرسون بطريقة أكاديمية، لذلك ركز المنهج على تعليم العديد من اللغات أهمها: الصينية والعربية، والفارسية والإنجليزية، ودورات في الرياضيات، والجغرافيا، والتاريخ، والتعليم، والعلوم السياسية، والفلسفة، والتربية البدنية.
كل ذلك كان تأهيلًا للطلاب للوصول بهم إلى مستوى يسمح بالسفر إلى الخارج لتلقي العلوم الدينية، وبالفعل تم إعداد عدد من الطلاب المسلمين الصينيين الذين استطاعوا أن يسافروا إلى القاهرة؛ للتعليم في الأزهر الشريف وذلك على مجموعتين.
ولم يختلف موقف الإمام دابو شينغ الوطنية عن بقية المسلمين الصينين فقد ظهر دوره التوعوي والذي دفعه ليسافر على نفقته الخاصة خارج الصين للدفاع عن حقوقها، وما لبث أن عاد إلى وطنه ليقوم بإحياء مدرسة شنغهاي للمعلمين، كما خصصت له السلطات أموالًا لمساعدته في إحياء دور المدرسة، وبعد أن بلغ عامه الـ 69 قرر العيش في قرية جبلية صغيرة في باوجي "baoji" وكرس نفسه للكتابة الدينية، وفي عام ١٩٤٥م عاد إلى نانجينغ Nanjing.

مناصبه
بعد إنشاء الصين الحديثة عام ١٩٤٩م بمدة وجيزة، تم دعوة الإمام دابو شينغ الذي كان يعيش في نانجينغ، للذهاب إلى بكين للمشاركة في الأعمال التحضيرية لإنشاء "الجمعية الإسلامية الصينية"، وبالرغم من بلوغه سن الـ 75 من عمره فإنه لم يتأخر عن تلبية واجبه الديني والوطني، كما استعانت به حكومة الصين ممثلًا لها في مؤتمر السلام بعاصمة فنلندا "هلنسكي"، ومن بعدها تولى رئاسة وفد الحجيج الصينيين إلى الأراضي المقدسة.
منذ عام 1954م ، شغل على التوالي منصب عضو في اللجنة الدائمة للجنة الوطنية الثانية للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، ونائبًا لمؤتمرات الشعب الأول والثاني والثالث لمقاطعة جيانغسو. وفي عام 1955م تم إنشاء المعهد الإسلامي الصيني، وعُيِّنَ عميدًا له.

وفاته
في 21 يونيو 1965م، توفي الإمام دابو شينغ في بكين عن عمر يناهز الـ 91 عامًا، بعد حياة حافلة بالدعوة وخدمة المجتمع الصيني. وأقامت المدينة مراسم تأبين كبيرة له، وأرسل رئيس مجلس الدولة تشو أنلاي إكليلًا من الزهور، وقدمت صحف رسمية كبرى مثل جريدة الشعب تقارير تعريف بحياته وانجازاته. ووفقًا لرغبة الإمام دابو شينغ، تم دفن جثمانه في مقبرة للمسلمين في بكين.

وحدة رصد اللغة الصينية

الموضوع السابق وسط تجاهل واضح لأنباء مقتل قائدها "القرشي" .. "داعش" تستميل العقول بالحديث عن الجنة جزاءً لتنفيذ أوامرها
الموضوع التالي شيخ الأزهر يهنئ الأمة الإسلامية بذكرى الإسراء والمعراج
طباعة
609

أخبار متعلقة