مأساة مسلمى الروهينجا

 

اللاجئون بين معاناة التهجير وازدواجية المعايير

اللاجئون بين معاناة التهجير وازدواجية المعايير

     أضحت قضية اللاجئين من القضايا المنتشرة في كثير من أرجاء العالم، وقد أخذت تتفاقم مع تزايد الصراعات والنزاعات المسلحة داخل القطر الواحد إما بسبب أنشطة التنظيمات الإرهابية والنزاعات المسلحة في بعض المناطق والأقاليم أو بسبب اندلاع الحروب والاضطهاد في مناطق أخرى.

وكان المعهود أن نرى نزوح أعداد كبيرة من اللاجئين من البلدان الأكثر فقرًا أو التي تعرضت لصراعات داخلية خصوصًا في بعض دول إفريقيا وآسيا، التي تنشب فيها صراعات وحروب أو تلك التي تمر بأوضاع اقتصادية مُتردية، إلى البلدان الغنية والأكثر استقرارًا، لكن وبسبب الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، التي اندلعت في أواخر فبراير ٢٠٢٢م، بدأت بعض البلدان الغربية في استقبال أعداد غفيرة من اللاجئين الأوكرانيين، وهي فئة جديدة من المهاجرين لم تكن الدول الغربية معتادة على استقبالها.

ولكن الغريب في الأمر أن سياسات تعامل الدول الأوروبية مع اللاجئين الأوكرانيين تباينت بصورة كبيرة، وكشفت عن الوجه الآخر للعالم الغربي من خلال تعامله بازدواجية واضحة في المعايير فيما يتعلق بهذا الملف، ازدواجية أظهرت تمييزًا مقيتًا يتعارض مع كل القيم الإنسانية النبيلة والتعاليم الدينية السمحة، والقوانين الدولية المنظمة لعلاقة الأفراد بالدول وتقنين أوضاعهم.

وفي هذا السياق وجد الآلاف من الطلاب العرب والأفارقة أنفسهم محاصرين جراء الحرب في أوكرانيا. وأصبحت عملية إعادتهم إلى أوطانهم مهمة صعبة، حيث إن بعضًا منهم لم يكن لبلاده تمثيل دبلوماسي هناك.

كما تجمع الآلاف على الحدود لدخول البلدان المجاورة لأوكرانيا هربًا من القصف الروسي، وانتشرت مقاطع فيديو تظهر سلطات الحدود الأوكرانية وهي تمنع غير البيض من العبور وتمارس العنصرية في أبشع صورها ضد أصحاب البشرة السوداء تاركين إياهم في العراء في درجات حرارة شديدة الانخفاض ولم يقدموا لهم حتى ما يسد رمقهم.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يتعرض اللاجئون فيها للعنف والاضطهاد والمضايقات المستمرة، فمنذ أسابيع قليلة، وتحديدًا في 21 فبراير ٢٠٢٢م، سلّط موقع الأمم المتحدة الصادر بالإسبانية، الضوء على بيان المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حول زيادة وتيرة العنف وانتهاكات حقوق الإنسان على الحدود الأوروبية. وفي هذا الشأن، أعربت المفوضية عن قلقها العميق إزاء تزايد حوادث العنف والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ضد اللاجئين والمهاجرين على الحدود الأوروبية المختلفة، حيث أدى ذلك إلى إحداث خسائر مأساوية في الأرواح. وأشارت المفوضية في بيانها إلى أنه ما زالت تقع حوادث عنف وسوء معاملة وطرد في نقاط دخول متعددة على الحدود البرية والبحرية، داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه، على الرغم من الدعوات المتكررة من قبل وكالات الأمم المتحدة، بما في ذلك المنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية، لوضع حد لتلك الممارسات.

ومن المثير للقلق ما ذكرته المفوضية في تقاريرها التي تشير إلى تكرار حالات الإعادة القسرية للمهاجرين على الحدود البرية والبحرية لليونان مع تركيا، حيث سجلت المفوضية ما يقرب من (540) حالة إعادة قسرية غير رسمية من اليونان منذ بداية عام 2020م، كما تم الإبلاغ عن حوادث مقلقة في وسط وجنوب شرق أوروبا على الحدود مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من وجود تقارير تفيد وجود العديد من الحوادث التي لا يتم الإبلاغ عنها لأسباب عديدة، فإن الدول الأوروبية فشلت في التحقيق في هذه الحوادث إلا في حالات قليلة.

    في المقابل، نجد أن الدول الغربية تعاملت مع ملف اللاجئين الأوكرانيين بطريقة مغايرة تمامًا، ففي السياق الإسباني مثلًا، أشارت صحيفة "إل باييس" الإسبانية، في 28 فبراير 2022م، إلى بدء الحكومة الإسبانية في التعبئة لمواجهة الوصول المتوقع للاجئين الأوكرانيين الذين اضطرتهم الحرب إلى الفرار للبحث علن ملاذ آمن لإنقاذ أنفسهم وذويهم من ويلات الحرب الدائرة بين القوات الروسية من جانب والأوكرانية من جانب آخر. وأعرب العديد من المدن والمقاطعات الإسبانية عن استعدادها لعملية الاستقبال والترحيب باللاجئين، مثل: أقاليم الباسك، وقطلونية، وأراجون، ومدن مثل: قرطبة، ومدريد، ومرسية، وغيرها.

وقد جاء هذا التحرك بناء على القرار الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي، والذي نص على مطالبة جميع الدول الأعضاء باستقبال اللاجئين الأوكرانيين، ولا سيما إسبانيا التي تُعد رابع دولة أوروبية من حيث أعداد المغتربين الأوكرانيين داخل أراضيها، كما طالب الاتحاد الأوروبي بضرورة تحديد الأولويات، وتيسير الإجراءات للاجئين، وتعزيز أنظمة الاستقبال والإيواء لهم.

    كما طالب الاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء بمنح تصاريح مؤقته لهم على أن تكون مدتها عامًا قابلة للتمديد لثلاث سنوات، حيث تضمن لهم العمل في البلد المضيف والحصول على التعليم، والاستفادة من الخدمات الصحية الحكومية والمساعدات المالية الاجتماعية. وشدد الاتحاد الأوروبي على ضرورة توفير السكن الملائم ‏لهم.

      ولا شك أن حالة الاستنفار تلك من جانب إسبانيا ودول الاتحاد الأوروبي تستحق الثناء على موقفها الإنساني في سرعة تلبية احتياجات اللاجئين الأوكرانيين والتضامن معهم ماديًّا ومعنويًّا إلا أن هذا الأمر يجلب في الوقت ذاته انتقادات لاذعة وواسعة لهم على خلفية التمييز الذي يطال اللاجئين الفارين من نزاعات وصراعات مشابهة لتلك التي في أوكرانيا، بل وربما أشد في مناطق أخرى من العالم مثل: سوريا والعراق وبلدان أخرى من شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، ولكن غالبًا ما يتم رفضهم ووصمهم بالإرهاب والتطرف. وهذا يؤكد أن ازدواجية المعايير باتت واضحة بما لا يدع مجالًا للشك في التعامل مع ملف اللجوء.

      وفي سياق آخر، تناقلت وسائل إعلام محلية وعالمية الأنباء حول تعرض بعض الصحفيين لانتقادات بسبب أوصاف ذكروها حول اللاجئين الأوكرانيين، إذ قال أحد المذيعين على تلفزيون قناة "الجزيرة الناطقة بالإنجليزية": "هؤلاء أشخاص من الطبقة الوسطى، أي إنهم كما هو واضح ليسوا بلاجئين يحاولون الهرب من مناطق في الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا، فهم يشبهون أي أسرة أوروبية تعيش في الجوار". بعد ذلك نشرت القناة اعتذارًا جاء فيه أن تلك التعليقات لم تكن مسؤولة.

     وعند اندلاع الأزمة السورية واضطرار نحو مليون شخص عبور الحدود إلى أوروبا في عام 2015م، بدت المبادرات حينها داعمة لهم ولاستقبالهم بشكل نسبي، ولكن مع مرور الوقت ظهرت بلدان تعادي فكرة استقبال اللاجئين من الأساس مثل: المجر، وبولندا مع وجود تشديدات في الإجراءات الأمنية والسعي إلى تحصين القارة الأوروبية.

وفي السياق ذاته نشر موقع "لا تايمز" الصادر بالإسبانية، في 28 فبراير 2022م مقالًا للصحفية "ريناتا بريتو" -وهي صحفية برازيلية تعمل في وكالة أسوشيتد برس الأمريكية- بعنوان "أوروبا ترحب باللاجئين الأوكرانيين؛ أما الأخرين فلا". وتناول المقال الحديث عن نزوح مئات الآلاف من اللاجئين الأوكرانيين بصحبة أطفالهم إلى البلدان المجاورة والترحيب بهم واستقبالهم بحفاوة من الدول الأوروبية مثل: بولندا، والمجر، وبلغاريا، ورومانيا.

 كما سلطت الكاتبة الضوء على اختلاف المعاملة بين اللاجئين الأوكرانيين وذويهم، وبين من جاءوا من بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا، خاصة اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى أوروبا في عام 2015م.

وأشارت الكاتبة أيضًا إلى أن رئيس الوزراء البلغاري "كيريل بيتكوف" علَّق على وصول الأوكرانيين إلى بلاده قائلًا: "هؤلاء ليسوا اللاجئين الذين اعتدنا عليهم.. هؤلاء مواطنون أوروبيون.. هؤلاء أشخاص أذكياء ومتعلمون.. هذه ليست موجة اللاجئين التي اعتدنا عليها والتي كانت تحمل في طياتها أشخاص لم نكن متأكدين من هويتهم، أشخاص ماضيهم غير واضح وربما كانوا إرهابيين." وأضاف "بيتكوف" أنه لا يوجد لدى أية دولة أوروبية تخوفات من الموجة الحالية من اللاجئين.

من جانبه أوضح الصحفي السوري "عقبة محمد"-وهو لاجىء سوري يعيش حاليًا في إسبانيا وأسس مع لاجئين سوريين آخرين أول مجلة ثنائية اللغة؛ باللغتين العربية والإسبانية- أن خطاب "بيتكوف" يعد مزيجًا من العنصرية وكراهية الإسلام، مؤكدًا على أن اللاجئ هو لاجئ سواء كان أوروبيًّا أو إفريقيًّا أو آسيويًّا.

وأوضح "عقبة" أن أوروبا لديها موقف مغاير ملحوظ بشأن الهجرة، مشيرًا إلى تغير لهجة بعض قادة الدول الأوروبية، الذين عبَّروا في أوقات سابقة عن رفضهم القاطع وعدائهم الواضح للاجئين؛ حيث صرح رئيس وزراء المجر "فيكتور أوربان"، في ديسمبر 2021م أنه لن يسمح بدخول أحد من هؤلاء اللاجئين عندما كان الحديث عن المهاجرين واللاجئين القادمين من الشرق الأوسط وأفريقيا، أما تصريحه الثاني الذي كان بعدها بثلاثة أشهر فقط في أول مارس 2022م، جاء مرحبًا باللاجئين القادمين من أوكرانيا.

بدورها، انتقدت المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين "شابيا مانتو، ازدواجية المعايير التي تنتهجها بعض الدول الغربية تجاه اللاجئين، واتضح ذلك في التمييز في التعامل بين اللاجئين الأوكرانيين وغيرهم. وأضافت أن استخدام عبارات "البيض والأوروبيين" للاجئين الأوكرانيين، هي تعبيرات مسيئة للاجئين السوريين والأفغان، وقد أثارت انتباه الكثيرين وتسببت في موجة انتقادات واسعة.

 وهناك ملمح آخر يمكن الإشارة إليه فيما يتعلق بتعامل الهيئات والاتحادات الرياضية مع الحرب الدائرة في أوكرانيا وازدواجية المعايير فيما يخص تصنيف العنف وتجاهل إدانة ممارسات الكيان الصهيوني الغاصب ضد الشعب الفلسطيني، ففي بيان مشترك في 2 مارس 2022م قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) معًا تعليق جميع المنتخبات الروسية، سواء كانت منتخبات وطنية أو أندية، عن المشاركة في كل من بطولات الفيفا والأوروبية، إلى حين إشعار آخر". ونتيجة لذلك، لن ينافس المنتخب الروسي في تصفيات كأس العالم ضد بولندا، في حين لم تعد الأندية الروسية قادرة على المنافسة في البطولات الأوروبية، وفي المقابل فالأمر متاح لكيانات أخرى تمارس العنف والقتل والإرهاب دون رادع أو محاسب.

وإذا ما نظرنا إلى الأحزاب اليمينية المتطرفة في إسبانيا، وعلى رأسها حزب "فوكس"، يتضح لنا جليًّا وجود ازدواجية في المعايير؛ حيث إن تلك الأحزاب تتاجر بمصائر الناس في سبيل تحقيق مكاسب شخصية ومصالح انتخابية حزبية، وفي هذا الصدد أشارت صحيفة ‏"إل دياريو" الإسبانية، في 2 مارس 2022م إلى تصريحات رئيس حزب "فوكس" اليميني المتطرف في إسبانيا، "سانتياجو أباسكال"، الذي استغل الأزمة الدائرة في أوكرانيا لمواصلة بثه للكراهية تجاه اللاجئين والمهاجرين المسلمين، حيث دافع "أباسكال" عن الأشخاص الذين يفرون من أوكرانيا، واصفًا إياهم بأنهم لاجئون بالفعل، وبالتالي يجب الترحيب بهم، وذلك خلال مداخلته، في الكونجرس، ردًّا على رئيس الحكومة "بيدرو سانشيث"، لبيان موقف إسبانيا من الصراع في أوكرانيا في الكونجرس في 1 مارس ٢٠٢٢م.

وأوضح "أباسكال" أن هناك فرقًا بين اللاجئين الأوكرانيين وغيرهم من الأفارقة، واصفًا موجات الهجرة بغزوات الشباب الذين كرسوا أنفسهم لعبور الحدود الأوروبية بهدف استعمارها. واستغل حزب "فوكس" اليميني المتطرف الحرب بين أوكرانيا وروسيا لتعميق خطاب الكراهية والعدائية ضد المهاجرين.

من جانبه وجه رئيس الحكومة الإسبانية "سانشيث" اللوم إلى "أباسكال" لممارسته التمييز بين اللاجئين، مصنفًا إياهم بلاجئين من الدرجة الأولى وآخرين من الدرجة الثانية، متهمًا إياه باستغلال الأحداث لنشر خطاب الكراهية لتنفيذ أجندته المعادية للأجانب. وأشار "سانشيث" إلى المادة (3) من اتفاقية جنيف، والتي تنص على أنه لا يمكن التمييز بين اللاجئين على أساس أصلهم وجنسيتهم.

بدوره يؤكد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف على أن قضية الهجرة واللجوء من القضايا الإنسانية التي تتعلق بأرواح ومصائر مئات الآلاف من البشر، وأن التعامل بحيادية وبإنسانية مع هذا الملف هو السبيل الأمثل لخلق مجتمعات متسامحة ومتعايشة بعيدًا عن التفرقة والكراهية، وأن التمييز والعنصرية ضد فئات اجتماعية تعاني من ظروف مشابهة من اللجوء والتهجير القسري، يشكلان أكبر تهديد على سلامة تلك المجتمعات واستقرارها.

ويؤكد المرصد على أن استقبال اللاجئين ومشاركتهم آلامهم أمر إنساني في المقام الأول ‏ويتطلب تضافر كل الجهود في مساعدتهم وحمايتهم من ويلات الحروب.

 كما يؤكد على خطورة ‏الفكر اليميني المتطرف الذي نرى منه وجهًا عنصريًّا جديدًا، متمثلًا في التمييز بين اللاجئين ‏أنفسهم وتقسيمهم وفق الأهواء، الأمر الذي يدلل على تخبط هذا التيار المتطرف، ويثبت عدم ‏صلاحية توجهاته فيما يخص التعامل مع ملف اللاجئين والقضايا الاجتماعية والإنسانية.

ويشير المرصد إلى أن قضية اللاجئين آخذة في التفاقم منذ عام 2015م، وعلى العالم أجمع أن يضع خطة واضحة ومعايير منصفة للجميع في كيفية التعامل مع هذا الملف، تفاديًا للمخاطر التي يمكن أن تنجم عن إهمال تلك القضية المهمة.

ويعاود المرصد تأكيده على أن قضية اللاجئين هي قضية إنسانية ولا تحتمل المتاجرة بها، مثلما تفعل بعض الأحزاب وتيارات اليمين المتطرف، لا سيما في القارة الأوروبية.

وينبه المرصد إلى أهمية الجانب التوعوي في التعريف بتلك القضية ومحاولة احتوائها مؤسسيًّا ومجتمعيًّا، بما يقطع الطريق على دعاة الفتنة والتطرف، ويرسخ لمفاهيم التسامح والتعايش ويرسي مبادئ المواطنة والعيش المشترك بشكل حقيقي وفاعل؛ لحفظ الأمن والاستقرار المجتمعي.

 

وحدة رصد اللغة الإسبانية

الموضوع السابق بمشاركة وعاظ وواعظات الأزهر ولمدة أسبوعين «البحوث الإسلامية» يطلق حملة توعية موسعة بعنوان: «إصلاح الذات قبل القربات»
الموضوع التالي اليوم.. انطلاق فعاليات الملتقى الفقهي الأول للأزهر العالمي للفتوى
طباعة
577

أخبار متعلقة