مأساة مسلمى الروهينجا

 

السيد شمس الدين عمر (1211- 1279م)
Sameh Eledwy

السيد شمس الدين عمر (1211- 1279م)

Sài diǎn chì•shàn sī ding

على مدار التاريخ الإسلامي عرف المسلمون علماء وأعلامًا في المجالات كافة، منهم من أصبح علمًا لبلاده بعد ذلك، ليذكره التاريخ مثالًا حيًّا عما كانت عليه الحضارة الإسلامية، ولم تكن الصين بعيدة عن هذه الأمثلة الحيَّة، عليهم فقد شَهِد التاريخ الإسلامي في الصين نموًّا ملحوظًا ثقافيًّا وحضاريًّا قام به مسلمو الصين والذين لم يكونوا أبدًا منفصلين عن واقعهم الذي يعيشون فيه، حيث كانت الصين في القرون الأولى للإسلام مسرحًا للتبادل الفكري والثقافي، وتأثرت بالعديد من الهجرات التي استفادت منها في بناء جزء مهم من حضارتها، ولقد استعان حكامها بالمسلمين في بناء حضارتهم وتشييدها، ومن بين هؤلاء العلماء الإمام شمس الدين عمر(1211-1279م).
حياته ونشأته
ولد السيد شمس الدين عمر (Sài diǎn chì•shàn sī ding) عام 1211م لأسرة تنتمي لنبلاء العرب، تعود إلى مدينة بخارى وهي إحدى بلاد ما وراء النهر (أوزباكستان حاليًا)، وتعتبر أحد أهم المراكز الثقافية والتجارية في وسط آسيا، ولم يكن السيد شمس الدين من أبناء القوميات الصينية المعروفة، بخلاف ما كان عليه أكثر الشخصيات الصينية الإسلامية البارزة في التاريخ الصيني لكنه استطاع في سنوات قليلة أن يكون جزءًا أساسيًّا من المجتمع الصيني حتى أصبح رمزًا من رموز المسلمين هناك.
وتتباين الآراء حول حول تاريخ وصول شمس الدين إلى الصين، فبينما بعض المصادر الصينية إلى أنَّ أجداده قد انتقلوا من بخارى إلى الصين في وقت ما خلال مدة حكم أسرة سُونغ الشمالية بسبب الاضطرابات هناك. وهناك من يشير إلى أن شمس الدين جاء إلى الصين مع الجحافل المغولية التي وسعت الفتوحات المغولية إلى غربي آسيا، وتاريخ أسرة يُوان، والتي أسسها المغول بعد وصولهم إلى الصين على يد الزعيم المغولي جنكيز خان، في الوقت الذي كانت تجتاح فيه جحافل المغول العالم، والتي استعانت بكثير من المسلمين في حكمهم وتأسيس حضارتهم في مناطق آسيا الوسطى - والتي عرفت بعد ذلك باسم جمهوريات الاتحاد السوفيتي من أوزبكستان، وتركمانستان، وكازاخستان، وطاجكستان، وقيرغيزستان، وغيرها من الدول-، وكانت مصدرًا للإشعاع الحضاري الإسلامي وطريق وصول الإسلام من الشرق إلى الصين.

أسرة يوان وعلاقتهم بالحضارة الإسلامية
يرتبط تاريخ السيد شمس الدين عمر بتاريخ أسرة يوان في الصين، حيثُ لعبت هذه الأسرة دورًا كبيرًا في الوجود الإسلامي الصيني، وظهور العديد من الشخصيات الإسلامية الصينية التي اندمجت داخل المجتمع الصيني، وكونت العديد من القوميات الصينية فيما بعد.
ترجع بداية حكم أسرة "يوان" إلى اجتياح قبائل التتار والمغول للصين وإسقاط حكامها، ووقوع الصين تحت الحكم المغولي، لكن بعد ضعف الدولة المغولية وانقسامها إلى ممالك صغيرة، لم تلبث الصين أن انفصلت عن تلك الإمبراطورية المغولية، وأصبحت أسرة يوان هي الأسرة الحاكمة للإمبراطورية الصينية.
وبسبب اختلاط المغول بالعرب والمسلمين في أعقاب الاجتياح المغولي الكبير الذي وصل إلى العراق والشام، تطورت العلاقات بشكل كبير بين المسلمين وحكام أسرة يوان، وأصبح الإسلام في الصين أمرًا قائمًا؛ مما سهَّل وجود المسلمين في أعلى المناصب داخل البلاط الإمبراطوري، كما تقلَّد المسلمون المراكز الرفيعة في الجيش الصيني وحكم المقاطعات، وذلك بعد اعتماد حكام يوان عليهم في إدارة البلاد؛ بسبب ما كانوا عليه من دراية كبيرة بالعلوم الدنيوية. ولقد سُجلت داخل سجلات إمبراطورية يوان الكثير من أسماء الشخصيات الإسلامية صاحبة الأثر الكبير، ومن بينهم السيد شمس الدين.

مناصبه وسياسته
وضع السيد شمس الدين عمر اسمه في سنوات قليلة إلى مصافّ عظماء الصين وليس فقط بين المسلمين فقد كانت مناصبه التي تولاها الدافع الأكبر للوجود الإسلامي وتقبل المجتمع الصيني للمسلمين بداخله، ويرجع إليه الفضل في ظهور العديد من النبغاء والعلماء المسلمين في الصين.
وساعده في ذلك أن مدة تواجده في الصين صادفت نهاية الحروب المغولية في الصين، وتأسيس أسرة يوان، فكانت فرصته العظيمة لإظهار قدرته في الإصلاح، وتذكر بعض المصادر التاريخية أن السيد شمس الدين بدأت حكمته عندما عينَّه الإمبراطور قوبيلاي خان (650-693) مشرفًا على الشؤون الدينية والعسكرية في دا دو Dàdū (بكين حاليا) عاصمة أسرة يوان.
وفي عام 1264م تولى حكم مدينتي شنسي Shǎnxī وسيتشوان sìchuān إضافة إلى توليه الشؤون المالية للدولة، كان لسياسته أثر كبير في الارتقاء بشؤون الدولة، وتدبير نفقات الجيش، فنال ثقة وامتياز الإمبراطور وخاصة بعد أن ارتفع الدخل، وازداد إنتاج الغلال، كما عُرف عنه اهتمامه بالبنية التحتية للدولة فأنشأ الجسور وشق الطرق واهتم بشؤون الزراعة.
وتبقى أهم إنجازاته عندما تولى حكم مدينة يونان الحدودية Yúnnán، وذلك عندما عيَّنه قوبلاي خان حاكمًا على هذه المنطقة الفقيرة التي سادتها الاضطرابات بسبب ثورة الأقليات القومية، وسوء الإداره لهذه المنطقة، إضافة إلى اضطراب الأمن، وعلى الرغم من كبر سنه فقد بلغ آنذاك الثالثة والستين من العمر، فإنه لم يُخيِّب ظن الإمبراطور فيه، وعمل على إصلاح هذه المنطقه الفقيرة، فقام باستصلاح أراضي واسعة جديدة، وإدخال محاصيل لم تكن معروفة من قبل في الإقليم، وتم إصلاح نظام الضرائب مما خفَّف كثيرًا عن كاهل المزارعين وطبق سياسات لصالح فقراء المزارعين، ونتيجة لعلاقات الإنتاج الجديدة التي أفرزتها سياسات شمس الدين المنحازة لفقراء الناس في الإقليم - ارتفعت معدلات الإنتاج وانتقلت قوميات كاملة من دائرة الفقر إلى حياة أفضل واستطاع أن ينهي الفوضى ويكسب رضاء الشعب ويحكم سيطرته الأمنية على الحدود في مدة لم تتجاوز الستة أعوام، كل هذه الإنجازات دفعت الإمبراطور إلى منحه تفويضًا كبيرًا لإدارة شؤون المقاطعة فغير تقسيمها الإداري إلى عدة محافظات ليسهل عليه إدارتها، وظل هذا النظام معمولًا به حتى قيام الجمهورية الصينية عام 1949م. ولم يكتفِ بإصلاح النظام الإداري فحسب، بل عمل على الاهتمام بالتعليم وإصلاح شؤون المجتمع وفرض قوانين مشددة على الآداب والأخلاق.
وفي علاقته مع باقي القوميات من الديانات الأخرى كان يتمتع بعلاقه رائعة بينه وبين أصحاب الديانات الأخرى، في منطقة هي في الأصل تضم تشكيلة متباينة من الأقليات والديانات والثقافات المختلفة، إلا إنه أظهر تفهمًا واحترامًا منقطع النظير لثقافات هذه الأقليات ونمط حياتها ودياناتها وموروثها الثقافي، فقد حرص شمس الدين على إظهار احترامه الكامل لتقاليد هذه القوميات، ولم يكترث شمس الدين بالنظام العنصري الاجتماعي الذي فرضه المغول على المجتمعات التي حكموها في الصين، فقام بتعيين الإداريين الأكفاء من مختلف القوميات بغض النظر عن ترتيبهم في النظام الاجتماعي المغولي ودينهم، فكان إلى جانب بنائه المساجد، بنى أيضًا معابد ومدارس لأتباع المعلم الفيلسوف كونفوشيوس، بل هو أول من بنى أول معبد كونفوشي في تاريخ يُوننان وقد أُلحقت به مدرسة لدراسة التعاليم الكونفوشية وعلوم أخرى كالطب والفلك وغيرها وكانت هذه المدرسة هي أول مدرسة في الإقليم تقبل التلاميذ من جميع القوميات والخلفيات الأسرية.
ونلاحظ أنَّه قد استفاد من نظام الأوقاف الخاص بالمساجد حيث اقترح شراء أراض لصالح المدرسة وقام بتأجيرها ليعود عائدها للصرف على المدرسة والمدرسين، وطبق برنامجًا إسلاميًّا صحيحًا قائمًا على فهم عميق لتعاليم الإسلام وتراثه العظيم القائم على احترام الآخر والحوار معه بالحُسنى وبسط قيمة العدل ومنح الناس حقوقهم الثقافية والاقتصادية.

دوره في نشر الإسلام
لم تكن هذه الإنجازات التي حققها في مناصبه بعيدة عن انتمائه الديني الذي ظهر في حرصه على بناء المساجد وتهذيب الأخلاق وإصلاح الأحوال الاجتماعية، ويُرجع الكثير من المؤرخين الفضل إليه في تكوين قومية هوي Huí المعروفة حاليًا في الصين بأنها أكبر القوميات المسلمة الموجودة في الصين، ولقد تميَّز أبناء تلك القومية بالاندماج مع أبناء الشعب الصيني من قومية "الهان" التي كان لها أغلبية بين أبناء الشعب الصيني، كما تميَّزوا عن باقي أبناء القوميات المسلمة بتحدثهم اللغة الصينية وهي لغة قومية الهان، واشتراكهم مع أبناء قومية الهان في الكثير من العادات والتقاليد، لكن لم تتبلور هذه القومية ويُطلق عليها قومية "هِوي" إلا في عهد أسرة "مينغ" التي أعقبت أسرة يوان. لقد أدَّى وصول عدد كبير من المسلمين من بلدان آسيا الوسطى إلى الصين واحتضان أسرة يوان لهم إلى اعتناق عدد من قادة أسرة يوان الإسلام، مما جعلهم يقلدوا المسلمين المناصب المرموقة في البلاط الإمبراطوري، ويُنشئوا العديد من الإدارات الخاصة للمسلمين الصينيين، مثل: مركز الإشراف على الشؤون الدينية، وديوان شؤون المسلمين، ودار محفوظات المسلمين.
كما أُنشأت العديد من المساجد في مختلف المدن نتيجة لهذا الازدياد الكبير في أعداد المسلمين، ولقد وصف العديد ممن زاروا الصين تلك المساجد، ومن هؤلاء الرحَّالة العربي (ابن بطوطة)، حيث وصف حياة المسلمين الصينيين قائلًا: "في كل مدينة من مدن الصين حيٌّ خاصٌّ بالمسلمين ينفردون فيه بمنازلهم، ولهم فيها مساجد لإقامة صلواتهم".

شخصيته ومكانته التاريخية
حظى السيد شمس الدين عمر بمكانة كبيرة تاريخيًّا ليس فقط في التاريخ الصيني بل في التاريخ الإسلامي، فالكثير من المؤرخين يرجعون الفضل في نشر الإسلام في الصين وخاصة في إقليم يونان إلى مجهود ومكانة وحكمة السيد شمس الدين عمر، كما كان حافظًا للقرآن الكريم، مجيدًا للعديد من اللغات منها: العربية والفارسية والصينية، وقد ظل أبناؤه مستمرين في المناصب السياسية والاجتماعية التي ورثوها عن أبيهم، وقد أنجب خمسة أبناء تم الاستعانة بهم في شؤون الدولة، أهمهم ناصر الدين الذي عُيِّن وزيرًا في أسرة يوان ثم حاكمًا، وتوفي عام 1292م وحقق فيها استقرارًا ونهضة مثلما فعل والده، كما اشتهر أحفاده في التاريخ الصيني، وكان منهم ماتشو (١٦٣٠م-١٧١٠م) والذي كان عالمًا وفقيهًا مشهورًا بين مسلمي الصين.
كما يمثل السيد شمس الدين عمر فخرًا لمسلمي الصين ومسلمي بلاد وسط آسيا، وقد تم إنتاج مسلسلٍ يسرد قصة حياته عام 2007م، وذلك لما قام به من إنجازات عظيمة لقومه وشعبه.

وفاته
بعد سنوات طويلة قادها في الإصلاح توفي السيد أجلُّ شمس الدين عمر عام 1279م عن عمر يناهز 68 عام بعد 6 سنوات حكم فيها مدينة يونان، وبعد وفاته لم تختلف الأساطير والحكايات، بل والأغاني التي ألفتها وكتبتها مختلف القوميات في يُونان بمختلف دياناتها وثقافاتها على عظمة هذا الحاكم المسلم وعدله وتواضعه، الأمر الذي يدلُّ على عمق العلاقة التي أسسها هذا الحاكم مع شعبه الذين دخلوا أفواجًا في رحاب الإسلام، لا خوفًا بل اقتداءً بحاكمهم وبعدله، وهم يعرفون أو لا يعرفون أنَّ هذا الرجل استمدَّ عدله وثقافته الواسعة واحترامه للآخر من عدل الإسلام النقي حين يتسلل بإنسانيته وفطرته السمحة إلى قلوب المسلمين، فلا يرون في الذين يختلفون عنهم في معاشهم ودينهم وثقافتهم وألوانهم سوى الأخوة الإنسانية بينهم، وأنهم جميعًا مواطنون يتمتعون بكامل الحقوق. وقد نال تكريمًا كبيرًا من قبل الإمبراطور قوبيلاي خان الذي قد أمر سلفه ومن جاءوا بعده أن يسيروا على خطاه وينتهجوا نهجه وسياسته في الحكم والإصلاح الإداري والاقتصادي.

الموضوع السابق أمين"البحوث الإسلامية" يشارك غدًا في فعاليات ملتقى "العمل الخيري الإسلامي وأثره شراكات مستدامة وحلول عملية"
الموضوع التالي العدد 1161
طباعة
1427

أخبار متعلقة