مأساة مسلمى الروهينجا

 

قراءة في إستراتيجية مكافحة الإرهاب في باكستان
Sameh Eledwy

قراءة في إستراتيجية مكافحة الإرهاب في باكستان

 

     يعد الإرهاب أحد أخطر التحديات العالمية الراهنة؛ إذ يشكل تهديدًا للمجتمعات الدولية واستقرار أنظمتها الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية؛ لما يسببه من ضرر للأبرياء حول العالم وهو ما حذا بالحكومات والجيوش وقوات إنفاذ القانون، إلى اتخاذ مجموعة من السياسات والإستراتيجيات التي تهدف إلى القضاء التام على جذور الإرهاب، والحيلولة دون تمويل التنظيمات الإرهابية بالمال والسلاح أو غيرها من وسائل الدعم اللوجيستي. وفي خضم هذه السياسات تراعي الحكومة تضافر جهود جميع المؤسسات التعليمية والثقافية وغيرها من الجهات المعنية؛ إذ لا تقتصر المواجهة على الشق العسكري والأمني فقط، وإنما يتطلب مكافحة الإرهاب جهودًا موازية للقضاء على الجهل، والفقر، والإحباطات التي يعاني منها الشباب، فضلًا عن نبذ التعصب والتطرف والتشدد الفكري، وتعزيز قيم الحوار والتآخي بين الديانات والثقافات المختلفة.

وتعاني باكستان مثل غيرها من دول العالم من وجود تنظيمات إرهابية وجماعات انفصالية تخلف أضرارًا بشرية ومادية، وترهق كاهل قواتها الأمنية، ومن هذه التنظيمات: 

  • طالبان باكستان، وتنتشر  في المناطق النائية على طول الحدود الأفغانية_الباكستانية.
  • جبهة تحرير البلوشستان، صُنفت منظمة إرهابية منذ عام  2019م، وغرضها الأساسي استقلال إقليم بلوشستان.
  • جند الله، منظمة إرهابية تعرف باسم "جيش العدل"، وهي إحدى الجماعات الانفصالية العرقية في إقليم بلوشستان.
  • عسكر جنجوي، المُصنف إرهابيًّا منذ العام 2013م، وينتشر بكثافة في إقليم البنجاب وبلوشستان والسند، ويمتد إلى عمق أفغانستان.
  • تنظيم داعش الإرهابي، وينتشر بشكل كبير داخل إقليمي "السند، وبلوشستان".

وقد تبنت الحكومة الباكستانية، عدة إجراءات ضمن إستراتيجيتها الوطنية لمكافحة الإرهاب، للتصدي لتلك التنظيمات الإرهابية التي تهدد استقرار البلاد، ومن هذه الإجراءات:

  • إضعاف مخطط الجماعات المتطرفة والهيكل التنظيمي للجماعات الإرهابية.
  • تنفيذ العديد من العمليات الأمنية التي أسفرت عن اعتقال الإرهابيين وقتل آخرين منهم.
  • العمل على تفكيك شبكة التمويل والدعم التي تعتمد عليها التنظيمات الإرهابية لتوفير المال والسلاح والعناصر لها.
  • تعزيز الرقابة على المواقع الإلكترونية للحيلولة دون تدفق الأفكار المتطرفة إلى الشباب واليافعين.

وكانت السلطات الباكستانية قد أطلقت إستراتيجيتها الوطنية لمكافحة الإرهاب في ديسمبر2014م، في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي شنته حركة "طالبان باكستان" على مدرسة يديرها الجيش في مدينة بيشاور عاصمة إقليم خيبر بختونخوا الحدودي، والتي راح ضحيته 141 شخصًا. وقد أدت العمليات العسكرية وشبه العسكرية المترتبة على هذه الخطة إلى اعتقال وقتل الآلاف من الإرهابيين المشتبه بهم في جميع أنحاء البلاد. ومن ضمن بنود الخطة مراقبة المدارس والجامعات وأنشطتها، ومراجعة خطابات التحريض، ووقف تداول المحتوى المتطرف، وكذلك منع وصول الجماعات المحظورة إلى منصات التواصل الاجتماعي.

وعن أنشطة "طالبان باكستان" فإن الحركة طورت خلال الأشهر الأخيرة روابطها مع المنظمات الانفصالية البلوشية، مما ينذر بإمكانية تنفيذ هجمات إرهابية مشتركة في الفترة المقبلة. هذا وتمثل هجمات الجماعات الانفصالية في بلوشستان وطالبان باكستان وداعش، الخطر الأكبر على الأمن القومي لباكستان.

تأتي هذه التطورات على الرغم من توقع الخبراء انخفاض عدد الهجمات الإرهابية، بعد نجاح الدولة في دك معاقل الإرهابيين والجماعات الانفصالية بجميع أنحاء باكستان، إلا أن ما حدث عكس ذلك، حيث شهدت العمليات الإرهابية تصاعدًا واضحًا فقد كثفت تلك التنظيمات من هجماتها ضد نقاط التفتيش والمراكز الأمنية، كما نفذت الجماعات الانفصالية عدة هجمات متفرقة بأنحاء البلاد.

وإجمالًا يمكننا القول: إن كثافة الهجمات الإرهابية وانتشارها يعود لعدة أسباب، نذكرها في النقاط التالية:

  • إلغاء "طالبان باكستان" اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع الحكومة الباكستانية في يونيو 2022، وذلك بعد الجمود الذي لحق بعملية دمج المناطق القبلية في خيبر بختونخوا، حيث أمرت الحركة عناصرها باستهداف قوات الأمن حيثما سنحت لهم الفرصة في جميع أنحاء البلاد، وقد جاء ذلك في بيانها الذي تضمن الآتي: "بينما تتواصل العمليات العسكرية ضد المجاهدين في مختلف المناطق.. يتوجب عليكم شن هجمات أينما كان ذلك ممكنًا في أنحاء البلاد".
  • غياب الثقة في المفاوضات المتكررة بين الطرفين، وربما يرجع ذلك إلى شعور الحركة بمماطلة السلطات الباكستانية.
  • تكثيف داعش لأنشطته الإرهابية عبر الحدود بعد انسحاب الولايات المتحدة ودول التحالف من أفغانستان.
  • إصرار الجماعات الانفصالية في بلوشستان على استهداف المراكز الأمنية، ونقاط التفتيش التابعة للجيش والشـرطة، بغرض تحقيق الاستقلال.
  • استغلال طالبان باكستان وبعض التنظيمات الإرهابية الحدود والأراضي الأفغانية كمنطلق لتنفيذ أعمالها الإرهابية.

وبهذا الشأن، أفاد تقرير صادر عن مركز البحوث والدراسات الأمنية (CRSS) بأن باكستان واجهت خلال عام 2022م ما يقرب من ( 376 ) هجومًا إرهابيًّا أسفر عن مقتل (533) شخصًا وإصابة (832) آخرين، أغلبهم من رجال الشرطة والجيش، وقد تنوعت الهجمات ما بين تفجيرات انتحارية وهجمات بالأسلحة وإطلاق نار ضد قوات الأمن، وسط توقعات بارتكاب المزيد من العمليات الإرهابية في باكستان خلال العام الجاري 2023م في حال استمرت الأوضاع كما هي.

ولم يكن الإعلام بمنأى عن التطورات الأمنية الأخيرة، فقد نفذت وسائل الإعلام الباكستانية عدة حملات توعوية لنشـر الوعي الأمني لدى الشباب وتثقيف فئات المجتمع بمخاطر التطرف والإرهاب، وذلك عبر صياغة خطاب إعلامي يحمي الشباب من الانسياق وراء الأفكار المتطرفة التي يروج لها الإرهابيون، وذلك بما يخدم توجهات الدولة وإستراتيجيتها الوطنية ضد الإرهاب، مُسخرة في تنفيذ ذلك برامجها التليفزيونية والتقارير المقروءة والمسموعة وصفحاتها على منصات التواصل الاجتماعي لرصد وتحليل الهجمات الإرهابية التي تنفذها هذه التنظيمات لبيان أهدافهم وجرائمهم أمام العامة.

ورغم جهود السلطات الباكستانية لدحر الإرهابيين ودك معاقلهم إلا أن إستراتيجية الدولة الوطنية ضد الإرهاب تواجه بعض العقبات، في مقدمتها الاعتقال المؤقت لرجال الدين غير البارزين ممن يروجون لخطاب الكراهية والتطرف، فضلًا عن استمرار تواجد عناصر التنظيمات الإرهابية على منصات التواصل الاجتماعي ما يجعل التأثير الفكري لكليهما مستمرًّا وله أثره في استقطاب الشباب واليافعين، خاصة أن الإستراتيجية لا تتضمن خطة واضحة لتفنيد الأطروحات المتطرفة، أو المساعدة على وقف تجنيد الشباب الباكستاني.

وختامًا نؤكد أن المواجهة العسكرية والأمنية أمر لا مفر منه مع العناصر الإرهابية التي تأبى الانصياع لأوامر السلطات وتهدد حياة الأبرياء إلا أن تلك المواجهة تحتاج إلى عدة أضلاع لدعمها، منها ضلع "الفكر" بما يمثله من تثقيف وتوعية بمخاطر التطرف وتفنيد الأفكار المتطرفة التي تروج لها التنظيمات الإرهابية وتتلاعب بنصوص الدين لخدمة أهدافها والإيحاء بأن هذه الأفكار نابعة من الدين وهو أمر يستدعي توضيحه وبيان خطأه على الدوام لفئات المجتمع كافة. كما أن الإعلام وعلماء الدين وكافة الهيئات المسؤولة في الدولة تلعب دورًا محوريًّا في هذه المواجهة، ومن هنا يتأتى للجميع أهمية تضافر الأضلاع كافة للعمل معًا ضد الإرهاب ودحر عناصره ووقف زحف فكره إلى العقول.

 

 

 

 

الموضوع السابق التقرير الشهري لمرصد الأزهر - فبراير2023
الموضوع التالي مدن صينية عَرفت الإسلام .. مقاطعة تشينغهاي مدينة شينينغ (西宁)
طباعة
875

أخبار متعلقة