مأساة مسلمى الروهينجا

 

نظرية "الاستبدال الكبير".. فزاعة اليمين المتطرف في الغرب
Sameh Eledwy
/ الأبواب: اليمين المتطرف

نظرية "الاستبدال الكبير".. فزاعة اليمين المتطرف في الغرب

 

شهدت القارة العجوز خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تصاعدًا ملحوظًا في العمليات الإرهابية التي نفذتها تنظيمات إرهابية تدعي زورًا انتمائها إلى الإسلام؛ وإضافة إلى ذلك زادت موجات الهجرة إلى أوروبا منذ عام ٢٠١٥م؛ بسبب الحروب والنزاعات، خصوصًا تلك القادمة من منطقتنا العربية. وقد أدى ذلك إلى تفاقم القلق والتوتر وازدياد خطاب الكراهية ضد المهاجرين عمومًا والمسلمين خصوصًا، وأخذت نظرية "الاستبدال الكبير" The Great Replacement تلقى رواجًا أكثر، خصوصًا بين فئة الشباب في أوروبا.

وتُشير نظرية "الاستبدال الكبير"، التي يؤمن بها اليمين المتطرف والقوميون في الغرب، ويعملون على الترويج لها مرارًا وتكرارًا، إلى نهاية أوروبا و"استبدال" سكانها عن طريق الهجرة "غير البيضاء" في فترة زمنية قصيرة لجيل أو جيلين، وذلك من خلال مؤامرة -كما يزعمون- لتغيير تركيبة السكان في الدول الغربية عن طريق الهجرة والإنجاب، بهدف استبدال السكان الأصليين بسكان من أصول وثقافات مختلفة، خصوصًا من الدول الإسلامية القريبة من القارة العجوز من منطقة شمال إفريقيا، ومن دول إفريقيا الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى، وبالتالي تغيير الهوية الثقافية، والديموغرافية لتلك الدول.

  • وقد أدى تدفق المهاجرين إلى أوروبا بشكل خاص إلى انتشار أفكار الفرنسي "رينو كامو" الذي طور هذه النظرية منذ عقد من الزمن تقريبًا، بداية من كتابه "أبجديات البراءة" 2010م، مرورًا بدراسة أخرى له بعنوان: "الاستبدال الكبير.. مقدمة إلى الاستبدال العالمي"، الذي قدم لها اليميني المتطرف "إريك زامور". وفي هاتيْن الدراستيْن يقدم طرحًا تشاؤميًّا حول مصير أوروبا، وأن هويتها الثقافية، والديموغرافية على المحك، وكيف أنها ستتغير لصالح المسلمين؛ بسبب موجات الهجرة التي ازدادت في الفترة الأخيرة، إضافة إلى معدلات الإنجاب المرتفعة بين المسلمين. وليس "رينو كامو" وحده من تبنى هذه النظرية، بل هناك عدد آخر من الكتاب الغربيين، منهم على سبيل المثال، الألماني "تيلو زاراتسين" مؤلف كتاب "ألمانيا تلغي نفسها" 2010م، وقد نشر "زاراتسين" دراسة أخرى، كانت مثار جدل في الأوساط الألمانية هاجم فيها الإسلام، بعنوان: "استيلاء عدواني: كيف يُعيق الإسلام التقدم ويهدد المجتمع" 2018م؛ وكذلك كتاب "الانتحار الفرنسي" 2014م، لـ"إريك زامور"، المعروف بعدائه للإسلام والمسلمين، وكتاب "الاستسلام" 2015م، للفرنسي "ميشال ويلبك". لقد استغل هؤلاء وغيرهم الكساد الاقتصادي الذي ضرب أوروبا، وأوعزوا إلى شعوبهم أن المهاجرين هم جزء من المشكلة، لأنهم أخذوا وظائفهم، ويستفيدون من أنظمة البطالة، والدعم في تلك الدول!

وتمثل هذه الدراسات، ومثيلاتها خطرًا شديدًا، ليس فقط على المهاجرين في الغرب، بل على النسيج الوطني كله في هذه المجتمعات، وتسهم بشكل كبير في ذيوع ظاهرة "رُهاب الإسلام" أو ما يعرف بـ "الإسلاموفوبيا" في المجتمعات الغربية. كما أنها تخلق حالة من الاحتقان الداخلي، والتوتر، وتغذي العنف، والكراهية، وتشحن المواطن الأوروبي بشكل مباشر، أو غير مباشر ضد المسلمين من خلال خطاب تحريضي مبني على ادعاءات زائفة لا أصل لها، لكنها سرعان ما تلقى رواجًا بين الشباب في تلك الشعوب، خصوصًا بعد تنامي حظوظ اليمين المتطرف السياسية، وتقدمه في بعض البلدان الأوروبية. ولعل ما يساعد على انتشار هذه النظرية في الغرب هو وجود آلة إعلامية ضخمة، لا تكل ولا تمل عن كيل الاتهامات للمسلمين، واعتبارهم غير متوائمين مع القيم الأوروبية، وأن ما يحدث هو غزو إسلامي للسيطرة على أوروبا، كما يردد ذلك كثيرًا زعيم حزب "فوكس" الإسباني اليميني المتطرف "سانتياجو أباسكال". كما تُشكل هذه الكتابات، وتلك التصريحات العقل الجمعي للشباب الأوروبي الذي تأخذه العصبية، والحماسة لارتكاب أعمال إرهابية ضد المسلمين، أو رموزهم الإسلامية.

ولعل أشهر عمل إرهابي ضد المسلمين بسبب هذه النظرية هو ذاك الذي وقع يوم الجمعة 15 مارس 2019م، حيث قام اليميني المتطرف "برينتون تارانت"، والمؤمن بنظرية "الاستبدال الكبير" وسيادة البيض وإضمار العداء للإسلام، بإطلاق النيران داخل مسجد النور، ومركز لينود الإسلامي في مدينة "كرايستشيرش" في نيوزلندا، مما نتج عنه وفاة (٥٠) شخصًا، إضافة إلى عدد مماثل، أو يزيد من الجرحى. وقد أصدر منفذ العملية "تارانت" بيانًا يوم هجومه الإرهابي يؤكد فيه على إيمانه بنظرية "الاستبدال الكبير". وكان هذا العمل الإرهابي مصدر إلهام لمتطرف آخر في منطقة "إل باسو" (تكساس- الولايات المتحدة الأمريكية)، حيث قام بإطلاق نار جماعي في صباح 3 أغسطس 2019م، في "متجر وال-مارت"، مما أدى لمقتل 22 شخصًا وإصابة (٢٤) آخرين. وتبين بعد القبض على منفذ العملية أنه شاب في مقتبل العمر يدعى "باتريك وود كروسيوس"، كان قد نشر هو الآخر بيانًا قوميًّا قبل إطلاق النار بعنوان "الحقيقة المزعجة"، عبر فيه عن أن إطلاق النار في مسجد "كرايستشيرش" كان مصدر إلهام له، وأشار إلى أن الدافع من وراء هجومه هو نظرية الإبادة الجماعية للبيض واستبدالهم بعرقيات أخرى، وحث في البيان على ضرورة التطهير العرقي لمن هم من أصول لاتينية في تكساس؛ لأنهم يشكلون تهديدًا وجوديًّا للبيض. كما وقع إطلاق نار آخر متعمد في أحد متاجر مدينة "بوفالو" الأمريكية في 14 مايو 2022م، استهدف فيه منفذ العملية مواطنين سود، حيث قتل منهم (١٠) أشخاص، وأصاب (٣) آخرين. وبعد القبض على منفذ الهجوم تبين أنه شاب أيضًا يبلغ من العمر 18 عامًا يدعى "بايتون جيندرون". وكان جيندرون نشر هو الآخر بيانًا يُعرِّف فيه عن نفسه بأنه من المؤمنين بتفوق الجنس الأبيض، وأنه قومي عرقي، واشتراكي قومي، يدعم نظرية «الاستبدال الكبير» التي يروج لها اليمين المتطرف.

لم تتوقف الأعمال الإرهابية ضد المسلمين، بل تزداد وتيرتها؛ بسبب تصريحات قيادات يمينية متطرفة، أو تصرفات لأشخاص يؤمنون بهذه النظرية، ويعتبرون أن الإسلام يمثل أكبر تهديد للغرب، فتحت مسمى حرية الرأي نُشرت رسوم تسيئ إلى نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، وحُرِق القرآن في مرات عديدة على يد المتطرف "راسموس بالودان" تحت حماية الشرطة السويدية، والتصريحات المريبة لـ"ماريا لوبان"، أو تلك التي لـ"إريك زامور" الذي يسعى لإلغاء الأسماء الإسلامية لأبناء المسلمين في فرنسا، والذي يقول في آخر تصريحاته في 16 مايو 2023م: "إن الجزائر كانت مسيحية، ثم غزاها الإسلام، وفرنسا ستصبح أرضًا إسلامية مثل الجزائر". كما سَخِر "خيرت فيلدرز"، عضو مجلس النواب الهولندي والسياسي اليميني المتطرف، على حسابه على تويتر في 23 مايو 2023م من تزايد أعداد المسلمين في هولندا، وأشار إلى أن رؤيته لهم وهم يؤدون الصلاة في الشوارع تمثل تجريدًا للهوية الهولندية. وليست هذه أول مرة يحرض فيها فيلدرز" ضد المسلمين، حيث اشتهر بنشر رسائل الكراهية ضدهم منذ سنوات، كما يسعى جاهدًا لطردهم من البلاد. ولا يقتصر الأمر على تصريحات تصدر عن قيادات في اليمين المتطرف، بل تخطى ذلك إلى مسؤولين في الحكومات، كما حدث مع "جيرالد دارمانان"، وزير داخلية فرنسا، الذي صرح خلال زيارة له يوم الجمعة الماضي 19 مايو 2023م إلى الولايات المتحدة، أن أبرز تهديد لبلاده وأوروبا هو "الإرهاب الإسلامي السني"، وطلب من الإدارة الأمريكية التعاون لمواجهة هذا التهديد.

لكن هل يمثل المهاجرون تهديدًا حقيقيًّا للشعوب الأوروبية؟! هل ثبت صدق هذه النظرية؟!! هل تلقى بالفعل رواجًا بين مختلف الفئات الأوروبية؟ يبرهن الواقع على أن هذه النظرية مبنية على افتراضات خاطئة، ومبالغ فيها، تتعلق بحجم الهجرة إلى الغرب، وتأثيرها على تركيبته الديموغرافية، وهويته الثقافية، وقيمه المجتمعية. لكن من الواضح أن أحزاب اليمين المتطرف بشكل عام تسعى لنشر هذه الأفكار المغلوطة، وتشجع على الخوف من المهاجرين، والأقليات، والتحامل عليهم من خلال ترويج شائعات تتعلق بـ"غزو أوروبا وأسلمتها"، أو استبدال البيض بعرقيات أخرى، وذلك بغرض كسب مزيد من أصوات الناخبين، وبالتالي تحقيق مكاسب سياسية أكبر. وما يدل على أن ادعاءاتهم ليست سوى محض افتراء هو أن أعداد المسلمين في الدول الأوروبية قليلة إلى حد ما بالنسبة للسكان الأصليين، أعداد لا يمكن لها أن تُحدث أي تغيير ديموغرافي، أو ثقافي. فوفقًا لتقديرات مؤسسة "بيو" الأمريكية للأبحاث السكانية Pew Research Center فإن عدد المسلمين في أوروبا يقدر بنحو 44 مليون نسمة في عام 2020م، يمثل نحو 4.6% من إجمالي السكان في القارة الأوروبية.

على العكس تمامًا، هناك العديد من الدراسات والأبحاث التي تشير إلى أن الهجرة تسهم في نمو الاقتصادات الغربية. فتشمل هذه الأبحاث مختلف الجوانب الاقتصادية للهجرة، مثل تأثيرها على النمو الاقتصادي، والتنمية الاجتماعية، والاستثمار، والتنافسية، والابتكار، والتكنولوجيا. ويمكن الإشارة إلى دراسات قامت بها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) أعوام 2014م و2019م و2022م، توصلت إلى أن الهجرة تسهم في نمو الاقتصادات، وتعزز الابتكار والتنافسية، وتساعد على مواجهة التحديات الديموغرافية والتنموية في المستقبل. كما أشارت إلى أن المهاجرين يسهمون في زيادة الإنتاجية، والنمو الاقتصادي، وأنهم يخلقون فرص عمل جديدة، ويعززون الابتكار والتنافسية، ويسهمون في دفع التنمية الاجتماعية والاقتصادية. وهناك دراسات للبنك الدولي في عامي 2016م، و2018م، تشير إلى أن المهاجرين يسهمون في تعزيز الاستثمار، والتجارة، ويعززون العلاقات الدولية والتعاون الدولي. وأشارت دراسة 2018م إلى مجموعة من البيانات يتضح منها مدى الإسهامات الإيجابية التي يقوم بها المهاجرون، على سبيل المثال، في مجال العلوم والآداب فأكثر من ثلث الفائزين بجائزة نوبل هم من المهاجرين. إضافة إلى أن شركات التكنولوجيا العالمية البارزة مثل: جوجل، ومايكروسوفت، تعتمد على موظفين، ومسؤولين تنفيذيين من المهاجرين. وكذا الحال في مجال الرياضة، حيث تعتمد الفرق الرياضية، والمنتخبات الأوروبية بشكل كبير على المهاجرين. والأمثلة الحية على ذلك كثيرة، لا يتسع المقام لسردها جميعًا.

وحدة رصد اللغة الإسبانية

الموضوع السابق شجرة الزيتون.. أيقونة الصمود الفلسطيني في وجه الإرهاب الصهيوني
الموضوع التالي إطلاق الدورة الثالثة لجائزة التميز الحكومي العربي
طباعة
752

أخبار متعلقة