مأساة مسلمى الروهينجا

 

خالد بن الوليد – التأريخ وقراءة التاريخ: نظرات في المنهج
Sameh Eledwy
/ الأبواب: قضــايا أخرى

خالد بن الوليد – التأريخ وقراءة التاريخ: نظرات في المنهج

     يطل علينا بين الحين والآخر بعض ممن تخصص في البحث والتفتيش- دون سواهما- في كل ما هو مثير وغريب وضعيف في تاريخ المسلمين وتراثهم، يطل علينا عارضاً بضاعته، تلك التي قتلتها الأيام تكراراً، والعلماء دراسةً واستذكاراً ما بين العرض والنقد والقبول والرفض. ويظن هؤلاء حين يعرضون تلك الآراء المثيرة أنهم وقعوا على صيد ثمين، لذا لا يكلون ولا يملون من تكرار الآراء والتوجهات ذاتها في كل مناسبة، بل دون مناسبة، مما يبعث على التساؤل عن الداعي لهذا التكرار المخل الممل لمسائل مستَهْلَكة، اللهم إلا إذا كان استغلال المنصات العلمية والإعلامية من أجل توجيه العامة وآحاد الناس إلى تبني وجهات نظر وتصورات سلبية مقصودة ومحددة سلفاً، وهو ما يطعن في حيادية تلك المنصات ويؤكد سوء استغلالها.

ونحاول هنا أن نتناول أهم الملحوظات المنهجية التي بدت لنا واضحة في منهج ذلك التيار:

  1. تناقض المنهج: لطالما عكف ذلك التيار على المبالغة في نقد الأحاديث والمرويات النبوية، ورأى أن كثيراً منها يُكوِّن صورة للنبي مختلفة عن صورة النبي في القرآن الكريم، ومن ثم فإن حجية السنة النبوية ومروياتها دائماً في محل تشكيك لدى هذا التيار، وفي ذلك يقول أحدهم مثلاً: "الدهشة من حقنا عندما نرى من يصطنع قداسة لأحاديث مزورة منسوبة إلى سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، متحججًا بأنها وردت في كتب الصحيح، بينما صحيحه هو صحيح السند والرواة، وليس صحيح القرآن، فيقدم صورة مغالطة تمامًا، ومناقضة كلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن تلك الصورة التي يقدمها القرآن الكريم"، وفي موضع آخر يقول: "ماذا نفعل مع أحاديث في ذات الكتب، تحول صورة النبي إلى أبعد ما يكون عن حقيقته، هل ساعتها نحن مطالبون بأن نصدق هذه الأحاديث حتى لو تناقضت تمامًا مع صفات نبينا القرآنية؟" ورغماً عن ذلك كله نجد هذا التيار لا يتوانى على الاعتماد على مرويات متباينة ومتعارضة في معالجة الأحداث، ثم يعمد إلى أضعفها وأكثرها غرابة، ليكوِّن منها صورة تاريخية ومعيارية عن أحداث مفصلية وشخصيات غيرت تاريخ المسلمين، إذ يقوم البعض-على سبيل المثال- بمقاربة تاريخ خالد بن الوليد وشخصيته، ذلك الصحابي الجليل الفارس المقدام، معتمداً بشكل كامل على مرويات وقصص تاريخية، على ما بها من ضعف وخلل وغرابة، وهو الرافض للمرويات ابتداءً، ليخلص منها إلى عرض صورة سلبية مشوهة للفارس خالد بن الوليد. وما من شك في أن هذا التناقض يضرب فكر هذا التيار من الأساس، إلا إذا كان المعيار لقبول الروايات عندهم أن تحتوي على كل ما هو مثير للدهشة والغرابة وباعث على القلاقل والإثارة.
  2. غياب العلمية: من الواضح أنه حين يقارب أبناء هذا التوجه القضايا والمرويات التي تصورها من وجهة نظرهم، فإنهم يأتونها بعقلية الصحفي الباحث عن الخبر اللافت الذي يحدث "فرقعة"،  وليس بعقلية الدارس المقيد بالمنهجية العلمية التي تستلزم البحث عن الدوافع والأسباب، والتعمق في السياقات والأحداث، ومناقشة المرويات والأشخاص، والنظر للأحداث بمنظار أزمنتها وأماكنها، والغوص في نفسيات الشخصيات ومكنوناتها من أجل استنطاقها. ولذا فإن موضوعاتهم يغيب فيها المضمون العلمي، وتحضر فيها المانشيتات من أمثلة: "خالد يقتل مالك ابن نويرة ويحصل على زوجته،  خالد مجرم حرب"، إلى غير ذلك من العناوين المثيرة الخداعة. ولو تحلى هؤلاء بأبسط قواعد المنهج العلمي، لعلموا أن الروايات تضطرب اضطرابًا شديدًا في الحديث عن تفاصيل مقتل مالك بن نويرة، وما صحب ذلك من أحداث، ما يجعل من المستحيل الخروج بنتيجة واضحة عن تفاصيل مقتل ملك بن نويرة، إذ تدور الأحداث في سياق حروب الردة حين رفضت تميم أو بعضها دفع الزكاة، فترى روايات أن خالد نزل بالبطحاء ولم يجد أحدًا يقاتله فأرسل السرايا وجاءته بمالك بن نويرة في نفر من بني يربوع، فحبسهم ثم أمر بقتله، وهنا يقول البعض إن السرايا وجدت بني يربوع يصلون وسمعت الأذان، وروايات أخرى تقول: لم نَرَ صلاة ولم نسمع بأذان، وروايات غيرها تقول: إن الأسرى قتلوا؛ لأن الليلة كانت باردة ونادى منادي خالد أن «دافئوا أسراكم»، ففهم الحراس أنه يريد القتل؛ لأنهم من بني كنانة والمدفأة بلهجتهم كناية عنه، وروايات غيرها تقول: إن مالكًا قُتِل بعد محادثة حامية جرت بينه وبين خالد، ثم تضطرب الروايات في نقل حديثهما، فقيل: إن مالكًا صرح بأنه لا يعطي الزكاة وإنما يقيم الصلاة، فقال خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معًا لا تقبل واحدة دون الأخرى؟ فقال مالك: قد كان صاحبك يقول ذلك -يقصد النبي محمد-، فاتخذ خالد قوله دليلاً على استبرائه من النبي، وقال له: أو ما تراه لك صاحبًا، ثم حمى الجدل بينهما حتى أمر بقتله، "ونسجت الخرافة بعد ذلك نسيجها، فزعموا أن خالد أمر برأسه فجعل مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدرًا فأكل منه، وأنَّ شعر مالك جعلت النار تعمل فيه إلى أن نضج اللحم ولم يفرغ الشعر!" إلى غير ذلك من الخرافات التي لا تثبت أمام البحث والنقد. وقد ناقش تلك المرويات عدد من الباحثين وبيّنوا ما بها من خلل وتعارض وضبابية، ما يجعل من غير الممكن تكوين صورة متكاملة منها عن الأحداث والشخصيات، وهو ما أكده على سبيل المثال الباحث الألماني كلاوس كلير (Klaus Klier) في كتابه المترجم إلى العربية تحت عنوان: "خالد وعمر بحث نقدي في مصادر التاريخ الإسلامي المبكر"، حتى إنه شكك في إسلام مالك ابن نويرة أصلاً، وأشار إلى أن تلك الروايات جاءت جميعًا في سياقات نقد خالد ومعارضته في حروب الردة التي أحدثت رجة كبيرة ولغطًا واسعًا في مجتمع المسلمين الأوائل واختلف حولها الكثير، ولم تأت الروايات في سياق معالجة شخصية مالك بن نويرة، ما يجعلها  موجهة من طرف المعارضين لخالد في غياب روايات الطرف الآخر. أما عن زواجه من زوجة مالك فالروايات تضطرب في ذلك اضطرابًا أشد من حادثة قتل مالك بن نويرة أيضًا، حتى إن ابن حجر العسقلاني قال: "وأمّا أنه تزوج بامرأة مالك بن نويرة فهذا لا يصح، لأن إسناده منقطع."

والسؤال الآن: إذا كان أي فرد أو كيان يترفّع عن رواية صحيحة الدرجة عند أهل الحديث لمجرد ظاهر التعارض مع القرآن أو منافاة ما يُظَن أنه قيمة إنسانية... أليس من الأولى الترفّع عن الخوض في ما لم يقبله العلماء أصحاب المنهجية العلمية منذ قرون؟ خصوصًا وأن عرض هذه الشبهات تستهدف شخص الصحابي خالد بن الوليد؟! أم أن الغاية هي "المانشيت" كما سلف بيانه؟

  1. طغيان الانتقائية المتطرفة: تسود الانتقائية المتطرفة في توجه أبناء ذلك المسلَك، ففي مناقشة قضية خالد بن الوليد تغيب القراءة المجردة لمشهد مساءلة الخليفة ومجموعة من الصحابة لخالد بن الوليد عن قتل مالك بن نويرة، فكانوا بمثابة هيئة قضائية (فلا أحد فوق القانون) مُكَلَّفَة (لا عصمة لأحد)، فخلصت إلى خطأ خالد في تكييف التعطيل الصريح من جانب مالك لأركان الإسلام، وتجرؤه على التبرؤ من النبي صلى الله عليه وسلم، وإثارته القلاقل الاجتماعية، وقيادته تمردًا على الدولة المركزية الناشئة، وحشده قبيلته ذات البأس والمال لقتال قوات الدولة، والإصرار على التمادي في تمرده ومخالفاته حتى بعد القبض عليه، فقال الخليفة أبوبكر الصديق مخاطبًا عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما، وكان عمر من أشد الرافضين لما قام به خالد): "هيهِ يَا عُمَرُ! تَأَوَّلَ فَأَخْطَأَ، فَارْفَعْ لِسَانَكَ عَنْ خَالِدٍ، فَإِنِّي لَا أَشِيمُ سَيْفًا سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْكَافِرِينَ". كل ذلك يثبت الشفافية الهائلة وإقرار مبدأ الخضوع للمساءلة والقرار السياسي، وهو ما تحلى به الصحابة رضوان الله عليهم، بمن فيهم خالد بن الوليد. إن مساءلة خالد في شأن رجل واحد تجعل من الصعب القبول بفكرة أن خالدًا يرتكب شناعات كبرى بعد ذلك، كما يدعي البعض، دون مساءلة مشابهة، وهو ما لم يحدث. كما أنه في القضية ذاتها يحضر جانب من مشهد عزل عمر لخالد، ويغيب مشهد تقبله القرار، إذ يُروى أنه قال حين أتاه الأمر: "نسمع ونطيع لِوُلاتنا، ونفخم ونحترم موالينا"، فانصياعه لقرار الخليفة وأوامره بهذا الشكل لهو دليل واضح على أنه لم يكن حريصًا على مجده وتاريخه الشخصي، وهو الفارس المغوار الذى هزم أعتى الإمبراطوريات في حينه، ووحد العرب في شبه الجزيرة العربية، وينفي عنه فكرة ولعه بالدنيا، ويؤكد أن همه صالح المسلمين ودولتهم الفتية، كما يؤكد أنه كان عسكريًا محترفًا متحليًا بالانضباط والفروسية، لأنه كان يسعه أن يتمرد على القرار والجيش كله يومها طوع أمره. كما تحضر روايات انتقاد عمر بن الخطاب لخالد وعزله له، وتغيب شهادة عمر في حقه، الذي قال حين عزله: "إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به، فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع،" وقال أيضا: "ما عتبت على خالد إلا في تقدمه وما كان يصنع في المال"، فالأمر كما ترى لا يعدو كونه أمرًا إداريًا سياسيًا -مشفوعًا بمسار قضائي للمساءلة- ناتجًا عن خلاف في الرؤية وتحديد الأولويات وتكييف الوقائع بين القائد السياسي (الخليفة) والقائد العسكري (خالد بن الوليد). كما تغيب مشاهد أخرى تحدث فيها عمر حديث حمد عن خالد، فيروى أنه حين علم بوفاة خالد بن الوليد قال: "يرحم الله أبا سليمان، لقد كنا نظن به أمورًا ما كانت"، بل أكثر من ذلك يُروى أنه لما حضرته الوفاة، أي عمر، قيل له: "لو عهدت يا أمير المؤمنين، قال: لو أدركت خالد بن الوليد ثم وليته فقدمت على ربي لقلتُ: سمعت عبدك وخليلك يقول: "خالد سيف من سيوف الله سَله الله على المشركين". ولك أن تعرف أن هذ الكلام جاء على لسان عمر بن الخطاب، الذي كان أشد المعارضين لخالد بن الوليد وقام بدور ممثل الادعاء -إن صح التعبير- في قضية قتل مالك بن نويرة وما رافق ذلك من أحداث. إن غياب هذه المشاهد وتلك الروايات أو حضورها حضورًا باهتًا على حساب الروايات الموجهة لانتقاد خالد لإبراز سلبياته، من شأنه عرض صورة ناقصة ضيقة سلبية يغيب عنها الإنصاف، أما حضورها فمن شأنه أن يعرض صورة أكثر اتساعًا وتنوعًا ومصداقيةً، لأنه يستحيل على عمر بن الخطاب أن يكون قد شهد جرائم وضلالات مقصودة لخالد بن الوليد-كما يزعم البعض- ثم يقر بعدها بالندم على ظنه به ويعلن رغبته في اختياره للخلافة من بعده، اللهم إلا إذا وجهنا اتهامات تنال من إخلاص عمر بن الخطاب، وحاشاه ذلك.
  2. استحضار التاريخ استحضارًا سلبيًا والتشكيك في النوايا: يمكن رصد تشابه فكري بين الجماعات المتطرفة وبين ممثلي ذلك التوجه، فكلاهما يعمل على الاستدعاء السلبي للأحداث والمرويات التاريخية، فالجماعات المتطرفة تعمل على استحضار التاريخ ليكون حاكمًا على الواقع ومحركًا له، فهي تريده بشخوصه وأحداثه وتحالفاته وتريد تطبيقه خارج الزمان والمكان، وعلى الجانب الآخر يستدعي هذا التوجه المرويات والأحداث والشخصيات التاريخية طبقًا لفهم الجماعات المتطرفة وتطبيقاتها، وذلك ليحاكمها بمعايير الزمن الحاضر ونظارته، ويسائلها بناءً على المنجزات الحضارية والإنسانية التي نعيشها الآن، لتصل إلى نتائج فاسدة، لأن قياسها فاسد، فالتاريخ يُنتقد ويُدرس ويفهم على أساس سياقه وبيئته ومعاييره، وهو ما تؤكده كل المناهج العلمية المنضبطة. كما أن كلا الفريقين يتشابهان في منهجية التشكيك، ففي حين أن الجماعات المتطرفة تشكك في إيمان الناس وعقائدهم؛ بل تكفرهم، نجد هؤلاء يشككون في صدق نوايا وحسن إسلام كثير من الصحابة، وعلى رأسهم خالد بن الوليد، ومع ذلك يهاجمون التيارات المتطرفة لأنها تنهض بدور "شرطي الله"!
  3. غياب الموضوعية: يتبنى ذلك التوجّه الحديثَ الدائم عن أسطرة التاريخ والوقائع التاريخية خدمة للمخيلة الإسلامية، كما ترى أن المرويات التاريخية خضعت للتحيزات القبلية والعصبية وحسابات النصر والهزيمة، ثم ما تلبث أن تستدل -على سبيل المثال- بتفاصيل معارك خالد التي تتحدث عن سقوط مائة األف في معركة واحدة (الفراض) وأسره سبعين ألفًا في معركة أخرى وقتله الأسرى في النهر (معركة أُلَيْس) على تكوين صورة مشوهة لخالد بن الوليد، وهي الروايات المضطربة التي لا تثبت أمام النقد العلمي، فهي لا تعدو أن كانت جزءًا من حروب نفسية ضد الإمبراطوريات الكبرى لبث الرعب والخوف في قلوب جنودها. فمثلاً: الحديث عن قتل الأسرى في معركة أُلَيْس، وأنهم بلغوا سبعين ألفا، وأنهم قُتلوا بين ليلة وضحاها حتى سال نهر الدم، فإلى جانب أنه من غير المعقول ولا الممكن بحال من الأحوال قتل سبعين ألف نفسٍ بين عشية وضحاها بأسلحة ذلك العصر، فلك أن تعلم أن راوي هذه الرواية هو سيف بن عمر التميمي، وهو متروك الحديث، وقد اتُهِم بالوضع، ولم يوثقه أحد من أهل الجرح والتعديل، ولا يُعرَف لهذه القصةِ سندٌ إلا من طريقه التي ذكرها الطبري في تاريخه. ومن المعروف أن الطبري يقول في مقدمة كتابه: "فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يَعْرِفْ له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا." وقد أكد المستشرق الألماني الكبير أوست مولر (August Müller) في كتابه المرجعي: "الإسلام"، في معرض حديثه عن معركة الفراض التي تزعم المرويات أنه سقط فيها مائة ألف من غير المسلمين على يد جيش خالد بن الوليد، أن هذه المرويات بها مبالغات شديدة لدرجة الأساطير، إذ لم تذكر المصادر التاريخية أعداد جيش خالد ولا جيش أعدائه في المعركة.

وترتيبًا على ذلك، نعود إلى التساؤل المشروع عن الأسلوب الانتقائي في استدعاء الوقائع وأدلتها من كتب التراث؛ فما أوهم ظاهرُه التجاوز كان محل اعتبار واستشهاد مهما ضعفت أدلته، والأوْلى طرحه بحكم الانتماء إلى هذا التاريخ وهذه الثقافة واستشعار الحمية الطبيعية في الدفاع عنها ونفي المثالب عنها.

  1.  غياب الرؤية: إن شخصية خالد بن الوليد ينبغي أن تكون -في المقام الأول- موضوعًا للتحليل العسكري والإستراتيجي، فخالد كان شخصية عسكرية قبل كل شيء، ويجب أن تُفهم شخصيته في هذا الاطار وبمعايير الإستراتيجيات العسكرية في تحقيق الانتصار والهزائم، ومن هذا المنطلق يمكن تقييم المعارك التي خاضها وخُططه فيها، إذ إنها من أهم المعارك في تاريخ المسلمين، فمن المعلوم أنه ليس أخطر على أمة وليدة من حروب أهلية كانت كفيلة بتدميرها ومحوها من صفحات التاريخ، علاوة على معاركه مع أعتى القوى العسكرية في العالم حينئذ (الفرس والروم) وتحقيقه انتصارات كبيرة في كل تلك الجبهات. أي باب التقييم الأجدى في هذا المقام هو العسكري التكتيكي والإستراتيجي من حيث كفاءة القيادة والخطط، وتدعيم الروح المعنوية، والالتفاف على المهالك، والقدرة على الوصول بالجيوش عديدًا وعُدة على الرغم من مهالك الصحاري والأودية وغير ذلك من الموانع الطبيعية، والتعامل مع أهالي البلدان المختلفين ثقافة ودينًا ولغة، وإيفاد الرسل واستقبالهم، والانصياع لأوامر القيادة العليا، وما إلى ذلك. ولسنا في ذلك بدعًا من الأمم والحضارات، فالأقوام جميعها، كبيرها وصغيرها، تحتفي بأبطالها وتخلدهم، وهي إلى جانب ذلك تحتفي بالعلم والمعرفة، لكنها لا تستبدل هذا بذلك أو ذلك بتلك، لأنه لا يمكن أن يُستغنى بأحدها عن الآخر.
  2. غياب الحيادية في العرض: فالعلمية تقتضي -عند الحديث عن أحداث إشكالية في التاريخ الإسلامي، كحروب الردة مثلاً، وما أنجزه خالد بن الوليد في مجرياتها- عرض وجهات النظر المختلفة إزاء تلك القضايا، وذلك باستضافة متخصصين في تخصصات مختلفة، لا باستضافة أشخاص معبرين عن فكرة وحيدة يحملون رأيًا واحدًا في قضايا اختلفت فيها آراء المسلمين وغيرهم منذ لحظة وقوعها.

 

وختامًا نقول: إن أحدًا لم يدَّع -بل لا يجوز لأحد أن يدعي- عصمة خالد بن الوليد أو غيره من الصحابة رضوان الله عليهم، فالخطأ منهم وارد الحدوث وممكن الوقوع، لكن ما نطلبه هو أن نعرف لهم فضلهم وحقهم على المسلمين، فقد حملوا أمانة هذا الدين في أصعب لحظاته وأهم مراحله، فلهم بذلك الفضل والسبق، وكانت لهم أعمالهم التي خلدتها الأيام بحروف من نور في سجلات الشرف والإخلاص والأمانة، فالواجب أن نعرف لهم قدرهم دون تهويل أو تهوين، وأن نلتزم الأدب والمنهجية العلمية حين نناقش أعمالهم أو ننتقدها. وفي هذا يقول الذهبي: "فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفِرة لما وقع بينهم، وجهاد محَّاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة".

الموضوع السابق وكيل الأزهر يعلن شروع المؤسسة في الرد على الشبهات التي تهدد ثوابت الفكر وتشوه التراث
الموضوع التالي الأمم المتحدة تعلق توزيع المواد الغذائية داخل رفح بسبب انعدام الأمن ونفاد المخزون
طباعة
59

أخبار متعلقة