مأساة مسلمى الروهينجا

 

الأخوة الإنسانية سبيل العالم للخلاص من أزماته: قراءة في كلمات الإمام الأكبر بمناسبة اليوم الدولي للأخوة الإنسانية
Sameh Eledwy
/ الأبواب: قضــايا أخرى

الأخوة الإنسانية سبيل العالم للخلاص من أزماته: قراءة في كلمات الإمام الأكبر بمناسبة اليوم الدولي للأخوة الإنسانية

     لا شك أن العالم في الوقت الراهن يمر بأزمات، وكوارث ربما لم تواجهها الإنسانية على مدار تاريخها الطويل، وربما لا نبالغ إن قلنا: إنها إن تُركت دون مواجهة وحلول، ربما تودي بالبشرية كلها، أو على الأقل تحيل الحياة على الأرض جحيمًا لا يطاق. 
يستلزم هذا من جميع الجهات، والأفراد بذل الطاقة، واستفراغ الوسع في تحليل تلك الأزمات، والمشكلات، ومحاولة الوصول إلى أسبابها الجذرية، والتوصل إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ بشأنها، وقد حاولت بعض المؤسسات الدينية بذل جهود في هذا المضمار، وجاء على رأس تلك المؤسسات الأزهر الشريف بالتعاون مع الفاتيكان؛ حيث وقّع الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، والبابا فرنسيس بابا الفاتيكان وثيقة وُصفت بالتاريخية؛ لتعزيز الأخوة الإنسانية في الرابع من فبراير عام 2019م. ونظرًا لأهمية الوثيقة فقد اعتمدت الأمم المتحدة يوم توقيعها يومًا دوليًّا للأخوة الإنسانية. 
وتكمن أهمية هذه الأيام الدولية في أنها تمثل "مناسبات لتثقيف الجمهور بشأن القضايا ذات الاهتمام، وحشد الإرادة السياسية، والموارد لمعالجة المشاكل العالمية، والاحتفال بالإنجازات الإنسانية، وتعزيزها". ولذلك حرص الإمام الأكبر على توجيه كلمة عامة في هذه المناسبة، لم يكتف فيها فضيلته بالتعريف بالمناسبة، وبيان أهميتها، بل إنه قدم تحليلًا لأسباب الأزمات، وبعض سبل العلاج. وفي وقفتنا هذه مع كلمة فضيلة الإمام نجد أنه ركز على جانبين في غاية الأهمية.
الجانب الأول هو أن هذه الوثيقة بما لها من عظيم الأهمية، وما لها من ثقل لكونها وُلدت من رحم الشعور بأزمات الإنسان المعاصر، ومعاناته لن يكون لها عظيم فائدة، أو أثر إلا أن تُوضع موضع التحليل، والدراسة، وتتبناها الجهات الفاعلة على جميع الأصعدة، السياسية، والاجتماعية، والدينية وغيرها. ويؤكد الإمام الأكبر أن هذا الأمر ليس باليسير، حيث يقول: "ولا يُخامِرُنا أدنى شكٍّ في أنَّ هذه الوثيقةَ تحتاجُ لتحقيقِها،وتنزيلِها على واقعِ الناسِ - إلى إرادةٍ صادقةٍ، وعزيمةٍ صلبةٍ، وإيمانٍ راسخٍ بأنَّ الناسَ جميعَهم إخوةٌ". وهكذا يركز فضيلة شيخ الأزهر على أهمية وضع الأفكار موضع التنفيذ، وأن هذا هو السبيل الوحيد لإحراز التقدم، والوصول إلى التغيير المنشود؛ ولذلك أكدّ فضيلته على التزامه بالعمل على أن تنعكس هذه الأفكار على واقع الناس، ومعيشتهم قائلًا: "وإنَّني لمُلتزِمٌ - إن شاء اللهُ - فيما تبقَّى لي من حياةٍ في هذه الدُّنيا - بمُواصلةِ العملِ مع أخي البابا فرنسيس، ومع إخوتي: علماءِ الأديانِ ورُموزِها، بل مع كلِّ مُحبِّي الخيرِ والسلام،ِ لأنْ نَجْعَلَ من مبادئِ الأخوَّةِ الإنسانيَّةِ، وأهدافِها واقعًا ملموسًا يعيشُه الكبيرُ، والصغيرُ في العالم أجمع".
والحق أن فضيلة الإمام الأكبر منذ أمد يعمل على نشر هذه الثقافة، ثقافة العمل المشترك بين أتباع الأديان على تحقيق ما يسعد الناس، كل الناس، في هذه الحياة، ويحيل حياتهم نعيمًا بدلًا من الشقاء، وقد جاءت هذه الوثيقة تتويجًا لدعوات متتالية كررها الإمام مرة بعد مرة، حيث دعا في عام 2017م إلى توحيد الجهود في هذا المضمار، حيت قال: "وفي اعتقادي: أنه آن الأوان لأن تتجاوب أجراس الكنائس في الغرب، ونداء المآذن في الشرق، لتقول: لا لهذا العبث باسم الأديان، ولا للعبث بالفقراء، والمساكين، والبؤساء، والنساء، والأطفال؛ هؤلاء الذين يدفعون من دمائهم، وأجسامهم، وأشلائهم فاتورة حرب ليس لهم فيها ناقة، ولا جمل، بعد أن تراخى القادرون على وقف هذه الحروب التي أكلت الأخضر، واليابس في عالمنا العربي." 
في هذا الجانب: حدد فضيلة الإمام ثلاث خطوات رئيسة تسهم في الاستفادة من وثيقة الأخوة الإنسانية وهي:
أولًا: وضع تلك الوثيقة موضع البحث، والتأمل، والنقد، في المدارس، والجامعات، والمنظمات التربوية، والسياسية: الإقليمية منها، والدولية.
ثانيًا: الاعتماد عليها كأداة من أدوات الدبلوماسية الحديثة في دوائر اتخاذ القرار.
ثالثًا: أن يتحمل ممثلو الأديان، ورموزها، وعلماؤها، ورجالها مسؤوليتهم الأخلاقية، والتاريخية في تعزيز السلم، والأخوة، والتعايش بين الناس.
أما الجانب الثاني الذي ركز عليه فضيلة الإمام فيتمثل في التأكيد على أن الأخوة الإنسانية هي السبيل لخلاص العالم من أزماته الحالية، وقبل أن نوضح كيف يكون ذلك، دعونا نوضح أسباب أزمة العالم المعاصر كما بينها الإمام الأكبر في كلمته في مؤتمر الأخوة الإنسانية الذي وُقعت فيه الوثيقة، حيث قال: "إن أوَّل أسباب أزمة العالَم المُعاصر اليوم إنما يعود إلى غياب الضمير الإنساني، وغياب الأخلاق الدِّينيَّة، وتَحكُّم النزعات، والشهوات الماديَّة، والإلحاديَّة، والفلسفات العقيمة البائسة التي  ألَّهت الإنسان، وسَخِرت من الله، ومن المؤمنين به.. واستهزأت بالقيم العليا المتسامية التي هي الضَّابط الأوحد لكبح جماح الإنسان، وترويض «الذئب» المستكن بين جوانحه". إن هذه الظروف الحرجة التي يصورها الإمام في تشريحه لأزمة الإنسان المعاصر هي التي أودت بالإنسان لأن يجعل الأصل في علاقته بأخيه الإنسان قائمة على الحرب، والكراهية؛ بحيث صار معها السلام استثناءً. 
وعلى هذا فلا سبيل إلى إصلاح هذا الحال إلا بإرساء مبدأ التعددية بين الناس، والإقرار باختلافهم، والاعتراف بل والإيمان أن طبيعة البشر كما خلقهم ربهم هي الاختلاف، ولو شاء سبحانه "لجعل الناس كلهم أمة واحدة". ويعني هذا أن نقطة البداية هي الإقرار بالأخوة بين الناس جميعًا، وهذه الأخوة الإنسانية هي نقطة الأساس التي يجب أن يلتقي عليها الفرقاء، لتكون المنطلق الذي يبنُون عليه صروح المحبة، والتعاون، والعيش المشترك.
 وقد جاء تأكيد فضيلة الإمام أن وثيقة الأخوة الإنسانية هي وسيلة لتخليص العالم من أزماته؛ لما تتضمنه من سبل علاج لأسباب الأزمة سابقة الذكر، وتتمثل هذه السبل في التذكير بضرورة العودة إلى رحاب الإيمان بالله، وتعاليم الأديان التي حملها الرسل، والأنبياء إلى البشرية جميعًا، والتي تدور حول معاني التسامح، والتعايش والسلام. فلا شك أن الأديان تلعب دورًا محوريًّا في تهذيب البشر، وإيقاظ ضمائرهم، وتحسين أخلاقهم، وهذا بدوره له أبلغ الأثر في القضاء على الكثير من الأزمات المعاصرة؛ حيث إنه يقوي لُحمة التعاون بين الناس، فيهبّون لنصرة المظلوم، ويأخذون على يد الظالم، ولا يبيت بينهم جائع، ولا يتركون مشردًا، أو لاجئًا يلاقي وحده مصيره المحتوم بالموت في العراء، أو الاستقطاب من قِبَل تنظيمات متطرفة، تستخدمه في تدمير الإنسانية والحضارة.
ومن بين سبل علاج الأزمات التي أكد عليها فضيلة الإمام الأكبر أيضًا التأكيد على أهمية الحوار بين الأديان، وانفتاح الثقافات، وتلاقحها، وذلك  في سياق إنساني يرسخ حق الاختلاف، ويمثل هذا الحوار، والانفتاح مفتاحًا سحريًّا؛ حيث إنه من غير الممكن أن يصل الناس لصيغة مشتركة للعيش بسلام دون وجود حوار حقيقي ينبني على حسن النوايا، وصدق التوجه نحو ما يسعد الناس، وييسر حياتهم. إن من يطالع أحوال العالم، والبشر يجد أن الأرض لا تضيق بهم، وسبل العيش وافرة؛ لكن انتشار الجشع، والطمع على مستوى الدول، والأفراد يحمل بعض الدول والأفراد على الاستئثار بخيرات الأرض ليحرم منها إخوانه في الإنسانية، ويحيل حياتهم جحيمًا. ما أولى أن يستمع العالم إلى صوت العقل المنادي بتحقيق الأخوة الإنسانية، وتفعيل مبادئها في عالم اليوم؛ من أجل إنقاذ البشرية من مصير محتوم. 

وحدة رصد اللغة الإنجليزية


 

الموضوع السابق قافلة الأزهر الطبية تختتم أعمالها بتقديم (٧٧٥٥) خدمة طبية مجانية لأهالي جنوب سيناء
الموضوع التالي إسبانيا والتحديات الأمنية المتجددة في مطلع 2023م (3)
طباعة
751

أخبار متعلقة