مأساة مسلمى الروهينجا

 

الـعـائـدون مــن داعــش

الـعـائـدون مــن داعــش

مرصد الأزهر باللغات الأجنبية

محتوى التقرير

تقديم
وسائل داعش لاستقطاب الشباب المسلم
أسباب انضمام الشباب الغربي إلى داعش
أسباب الانشقاق عن صفوف داعش والعودة إلى الوطن
نماذج لشهادات تم رصدها للعائدين من داعش
موقف الدول الأوروبية من العائدين من داعش
النتائج
التوصيات

 

تـقــديـــم

لا يقتصر الانضمام لتنظيم داعش على الشباب المسلم في دول المشرق العربي الإسلامي فحسب، بل إن هناك أعداداً كبيرة من شباب أوروبا وأمريكا يلتحقون بهذا التنظيم الإرهابي للقتال بين صفوفه أو تقديم الدعم الفني والإعلامي واللوجيستي، وقد تابع مرصد الأزهر باللغات الأجنبية ظاهرة انضمام هؤلاء الشباب -خاصة الغربي منهم- إلى داعش وأعدادهم وأسباب هجرتهم لهذا التنظيم، وكذلك عودة بعض منهم ومثولهم للمحاكمات في بلدانهم.

فيما يخص أعداد المقاتلين المنضمين لداعش تفيد أحدث التقارير الصادرة في شهر ديسمبر 2015 عن مركز "صوفان جروب" الأمريكي أن إجمالي عدد من سافروا إلى سوريا والعراق بنية الانضمام إلى داعش وغيرها من الجماعات المتطرفة[1] في نفس المنطقة يتراوح بين 27000 إلى 31000 مقاتل، وأن هؤلاء المقاتلين ينتمون إلى 86 دولة عبر العالم. وتكمن أهمية هذه الدراسة وخطورتها في أنها تبرز أنه بالرغم من الجهود الدولية المستمرة لاحتواء تنظيم داعش ووقف تدفق سفر المسلحين إلى سوريا، إلا أن عدد المقاتلين المنضمين إلى داعش قد تضاعف نحو ثلاث مرات خلال عام ونصف فقط، حيث كان عددهم في شهر يونيو من عام 2014 قد وصل إلى 12000 مقاتل من 81 دولة. ويدوفي ذلك دلالة واضحة على أن الجهود المبذولة لاحتواء تدفق المجندين الأجانب في صفوف الجماعات المتطرفة في سوريا والعراق تأثيرها محدود.

هذا وتحتل أوروبا الغربية المرتبة الثالثة بين أكثر المناطق الجغرافية طردا للمتطرفين المنضمين إلى داعش بتعداد وصل إلى 5000 مقاتل نهاية عام 2015م. بينما تأتي منطقة الشرق الأوسط والمغرب العربي في المرتبتين الأولى والثانية.

أما على مستوى الدول فتأتي تونس كأعلى دولة من حيث عدد المقاتلين المنضمين إلى داعش منها بتعداد وصل إلى 6000 مقاتل، ثم المملكة العربية السعودية (2500)، فروسيا (2400)، فتركيا (2100)، فالأردن (2000). وعلى مستوى أوروبا الغربية، تأتي فرنسا في المقدمة بتعداد 1700 مقاتل، ثم بريطانيا وألمانيا بتعداد 760 مقاتل لكل منهما. 

هذا وتظل تركيا بمثابة معبر لمعظم المهاجرين إلى داعش من أوروبا، عدا الشباب الإسباني الذي يمر في كثير من الأحيان عبر مضيق جبل طارق ومنه إلى شمال إفريقيا ثم إلى مناطق النزاع.

  وفي مقابل هذه الهجرة، نجد هجرة عكسية للعائدين من داعش إلى بلدانهم لأسباب مختلفة سنوضحها فيما بعد. وكما احتلت تونس المركز الأول في عدد المنضمين، نجدها تحتل كذلك المركز الأول في عدد العائدين، بنحو 600 شخص تقريبا، أي 10% من المنضمين. تليها أربع دول أوروبية، هي –على التوالي- تركيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. ومن الملاحظ -بصفة عامة- أن الدول الأوروبية تحتل مراكز متقدمة في أعداد العائدين من داعش، حيث يبلغ متوسط عدد العائدين إلى الدول الغربية الآن حوالي 20-30٪ من مجموع المنضمين، مما يدل على أن المهاجرين من أوروبا يصعب عليهم التكيف مع الأوضاع المعيشية القاسية داخل الأراضي التي يسيطر عليها داعش. غير أنه -على الجانب الآخر- فإن هذا الأمر يمثل تحديا كبيرا لأجهزة الأمن التي يتعين عليها تعقب هؤلاء واتخاذ قرار بشأنهم.

وفيما يلي تفصيل بأعداد العائدين من داعش، وفقا لإحصائية مركز صوفان جروب الصادرة في ديسمبر 2015، باستثناء دولة إسبانيا التي أضاف مرصد الأزهر عدد العائدين منها؛ نظرا لعدم رصد مركز صوفان لعدد العائدين منها.

هذا وقد قوبل أغلب هؤلاء -لدى عودتهم إلى بلدانهم- بالإدانات والمحاكمات والسجن بتهم الاشتراك في أعمال إرهابية والتخطيط لها، بينما وضع القُصَّر والأقل خطرا تحت المراقبة المشددة؛ خشية أن يؤدي سجنهم إلى تحولهم إلى مجرمين حقيقيين أو استقطابهم مجرمين آخرين.

ويتناول التقرير التالي معلومات عن هؤلاء العائدين إلى أوطانهم والأسباب التي دفعتهم للانضمام لهذا التنظيم  والأخرى التي دفعتهم للهروب منه، ويذكر التقرير إلى جانب ذلك طريقة تعامل الدول الغربية مع قضية العائدين من داعش ونتائجها.

 

وسائل داعش لاستقطاب الشباب المسلم

يستخدم داعش جُملةً من الوسائل التي يسعى من خلالها إلى استقطاب الشباب المسلم للانضمام إلى صفوفه. وينوِّع بين تلك الوسائل لتتماشى مع مختلف توجهات الشباب، وتتناسب مع ميولهم الجديدة في الإقبال على استخدام التقنيات الحديثة. وفيما يلي تفصيل لأهم تلك الوسائل:

استغلال وسائل التواصل الاجتماعي في الدعوة إلى نشر أفكاره والترويج لها بطريقة تجذب الشباب إلى دار إسلام افتراضية. فوفقا لدراسة أعدها معهد بروكينجز[2] فإن هناك أكثر من 46 ألف حساب لداعش على شبكة التواصل الاجتماعي تويتر وحدها. كما أن هناك العديد من الإحصائيات التي تؤكد أن شبكات التواصل الاجتماعي هي الساحة الفكرية المسؤولة عن تجنيد نحو 80% من عناصر الجماعات المتطرفة.
تصوير داعش لنفسها على أنها الجماعة الوحيدة التي تتبع الحق وأنها بمثابة المدينة الإسلامية الفاضلة التي تسعى لتكوين "خلافة إسلامية على منهاج النبوة" والتي يحلم أي مسلم بمجرد العيش تحت سلطتها، فالعدل –كما يدعون- يسود المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، وتطبق الحدود الشرعية، ويعيش الناس في رفاهية ورغد من العيش.  
رسم صورة رومانسية لفكرة العنف. فالعنف لعبة سهلة مثل "ألعاب الفيديو" التي لا تنتهي أبدا، حتى وإن مات البطل، فبإمكان اللاعب أن يبدأ اللعبة من جديد. لذا فإن الجماعة لا تنشر أبدا صورا لأشلاء قتلاهم، وإنما تنشر صورهم وهم مبتسمون. وكان من نتيجة ذلك أن انضم إلى داعش فتيات أوروبيات نشأن في ظل الحرية المدنية وحقوق الإنسان، حيث تعدهن الجماعة بالجنة وتدعوهن أن يصبحن زوجات لمجاهدين وأرامل للشهداء. فعلى سبيل المثال، صرحت إحدى رائدات المركز الإسلامي في ألاباما لمدة عشرين عاماً أنها سافرت إلي داعش لتتزوج من أحد المجاهدين هناك حيث تزوجت لفترة قصيرة قبل أن تترمل. وقالت في الحساب الخاص بها على (تويتر) بأن داعش هي المكان المناسب لها لتعيش فيه وأنها مستعدة للموت في سبيل الله.

جدير بالذكر أن جُلّ الفتيات المنضمات إلى داعش لسن سوى قاصرات ومراهقات، حيث تتراوح أعمارهن –في الغالب- ما بين 15 إلى 22 عاما، بمتوسط عمر 18 عاما. يأتين من جميع دول الغرب، خاصة أستراليا والنمسا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وهولندا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.. يأتين جميعهن بنية الزواج من المحارب "المجاهد" الذي يحلُمن به.

 

 

أسباب انضمام الشباب الغربي إلى داعش

تختلف الدوافع الخاصة بالشباب القادم من المنطقة الأوروبية والأمريكية عن الأسباب التي تدفع الشباب العربي المسلم للانضمام لتنظيم داعش الإرهابي، فالشباب الغربي لا ينطلق من معاناة اقتصادية ولا من أسباب مادية، بل تلعب كثير من الدوافع الاجتماعية والأسرية والنفسية والتربوية والدينية الدور الأكبر وراء هجرة هؤلاء الشباب إلى داعش، وفيما يلي سرد مفصّل لتلك الأسباب:

غياب الوعي بالمعرفة الصحيحة للإسلام، فمن الملاحظ من الأخبار والتقارير التي تم رصدها أن أغلب الشباب المنضم إلى داعش والذي يسافر إليها انطلاقا من أسباب دينية هم حديثو عهد بالإسلام، حيث يتم استقطابهم عن طريق استغلال فكرة إحياء إقامة الدولة الإسلامية، وما إلى ذلك من أفكار دينية جاذبة لهم، فتنظيم داعش الإرهابي يستغل حقائق تاريخية عن الخلافة الإسلامية لإثارة مشاعر هؤلاء الشباب حديثي العهد الإسلام، ويوحي لهم أن الجهاد غاية شرعية فى ذاته وليس وسيلة للدفاع عن النفس والأرض والعرض ومقومات الحياة حال الاعتداء عليها. كما أن هناك تأثيرا سلبيا لما يسمى بالتيار السلفي المتطرف المتواجد على الساحة الأوروبية، والذي يعمل على تغذية عقول الشباب المسلم في الغرب بالأفكار المتطرفة ومن ثم على تمويل مباشر أو غير مباشر لتنظيم داعش بموارد بشرية.
المعاناة الأسرية وعدم الشعور بالأمان، خاصة إذا كان الأبوان غير مسلمين. ومن ذلك ما تمّ رصده لأكثر من شاب ألماني انضم إلى داعش بعد تعرضه لمشاكل أسرية كبيرة أو لقصة حب فاشلة أو فقدان لحبيبة نتج عنه اضطرابات نفسية وميل للعنف والتطرف والانتقام من المجتمع ككل.
الإغراءات المادية التي يقدمها التنظيم الإرهابي، نذكر -على سبيل المثال- الخبر الذي نشرته صحيفة الباييس الإسبانية بتاريح 12 يوليو الماضي، والذي تحدث عن انضمام 14 أسرة تعيش في إسبانيا إلى تنظيم داعش، حيث أرجعت الصحيفة الإسبانية انضمامهم إلى  أسباب مادية، فالتنظيم الإرهابي يمنح كل أسرة تتكون من أربعة أشخاص مكافآت تصل إلى 20 ألف يورو. وفي السياق ذاته، أورد تقرير لخبراء بالأمم المتحدة نشر في بلجيكا أن كل جهادي ينضم إلى داعش يحصل على الأقل على 10 ألاف دولار، وأن من يقوم بعملية الاستقطاب يحصل من ألفين إلى عشرة ألاف دولار وفقا لأهمية الشخص الذي يتم استقطابه للعمليات الجهادية.

 

أسباب الانشقاق عن صفوف داعش والعودة إلى الوطن

يعتبر انشقاق الشباب عن داعش والعودة إلى أوطانهم من أقوى الدلائل - بجانب أعمالها الوحشية - على انحرافها وضلال منهجها. فكثير من الشباب يعود إلى وطنه بعدما تنجلى لهم حقيقة هذا التنظيم الذي غرّر بهم للمشاركة بين صفوفه للقيام بأعمال إرهابية إجرامية.

وتشير بعض التقارير إلى أن هناك ما يقرب من 20 ألف شخص قد انضموا إلى تنظيم داعش في العامين الماضيين وهم في غفلة عن الوجه الحقيقي لهذا التنظيم. بعد ذلك استيقظ الكثير منهم على مشاهد الرعب والوحشية التي يقترفها التنظيم حتى ضد المسلمين أنفسهم، مما دفع العديد منهم لمحاولة العودة إلى بلادهم، منهم من استطاع العودة ومنهم من لم يستطع. وقد دفع تزايد أعداد العائدين من داعش العديد من الباحثين إلى تعقب شهاداتهم للوقوف على الأسباب الحقيقية التي أدت بهم إلى الفرار من هذا التنظيم. ومن هنا قرر المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي بجامعة لندن الملكية إنشاء قاعدة بيانات تحتوي على الشهادات التي أدلى بها أولئك الذين فرّوا من داعش، حيث يرون أن هذه الشهادات تعتبر سلاحا قويا للقضاء على عمليات التجنيد التي تروج لها الآلة الإعلامية لهذا التنظيم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة أن تلك التصريحات والاعترافات مستقاة من أشخاص عايشوا التنظيم الإرهابي وعملوا بين صفوفه.

ووفقا لتقرير كان المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي بجامعة لندن الملكية قد أعدّه تحت عنوان "الضحايا والمجرمون: روايات المنشقين عن داعش"، فإن ظاهرة الانشقاق بدأت تتنامى منذ يناير 2014، حيث إن هناك ما لا يقل عن 58 شخصًا أعلنوا صراحة عن انشقاقهم عن هذه الجماعة الإرهابية، حيث يؤكد هؤلاء المنشقون أن الجماعة لم تكن على مستوى توقعاتهم السياسية والدينية والمادية، وأن أفعالها وتصرفاتها لم تكن متسقة مع دعاويها ومنهجيتها. وقد دفع هذا بعضهم إلى إعادة التفكير في التزامهم بالفكر الجهادي. أما الغالبية منهم فلا يزال انتقادهم لداعش يسير في إطار المفاهيم الجهادية.

 

وفيما يلي تفصيل لتلك الأسباب وفقا لروايات المنشقين الواردة في هذا التقرير:

السبب الأول: الاقتتال الداخلي

من بين أهم الانتقادات التي أوردها المنشقون كانت انخراط داعش في معارك ضد جماعات المعارضة السنّية. فبينما ترى قيادة تنظيم داعش أن الجيش السوري الحر وأحرار الشام وجبهة النصرة أعداءً وأنها خاضت معارك شرسة ضدهم، فإن بعضًا من صغار أتباع التنظيم أقل عدائية لهذه المجموعات. ويرى كثير من المنشقين أن القتال مع الجماعات السنّية الأخرى أمر خاطئ، وله أثر سلبي ولا يصح شرعًا. ويرى كثير منهم أن الاقتتال الداخلي فتنة.

والجزء الثاني في هذه الانتقاد هو اتهام داعش بأنها فشلت في مواجهة نظام الأسد. فمن منظور المنشقين، أن إسقاط نظام الأسد لم يكن ضمن أولويات داعش، وأن ما تم تقديمه من مساعدة للمجموعات السنّية التي يهاجمها الأسد كان ضعيفًا. بل يرى هؤلاء المنشقون أن اهتمام داعش كان منصبًا نحو الصدام مع جماعات المعارضة والتركيز على من تراهم الجماعة جواسيس أو خونة. وهذا النمط من الجهاد -كما يقول الكثيرون- لم يكن هو الذي أتوا من أجله إلى سوريا والعراق.

السبب الثاني: الوحشية ضد المسلمين السنّة

تتناول رواية منشق آخر وحشية داعش المتمثلة في عمليات القتل المروعة للمدنيين الأبرياء. وقد أفادت شهاداتهم أن العمليات العسكرية والتي لم تكن تأبه بالأضرار المصاحبة قد أودت بحياة العديد من النساء والأطفال. كما ذكروا أيضا القتل العشوائي للرهائن، والمعاملة السيئة الممنهجة لأهالي القرى، وإعدام القادة العسكريين لمقاتلين في التنظيم.

وفي هذا السياق، نود الإشارة إلى تلك الشهادات التي رصدها مرصد الأزهر نقلا عن مجلة "لو بوان" الفرنسية لبعض المتطرفين الفرنسيين الذين ذهبوا للقتال في سوريا وعايشوا مشاهد مرعبة خاصة في مدينة الرُّقة. حيث أفادوا بأنهم كانوا شهوداً وفي بعض الأحيان اضطروا للمشاركة في عمليات الإعدام. ويعلن معظم العائدين اشمئزازهم من المشاهد التي رأوها والتي كانت غاية في الوحشية مما دفعهم للتفكير في العودة. وقد ترتب على ذلك شعور بالإحباط سيطر على هؤلاء الشباب نتيجة التناقض بين ما كانوا يأملونه وما عايشوه على أرض الواقع.

 

السبب الثالث: فساد وسلوك غير إسلامي

يري المنشقون عن التنظيم أن الفساد بداخله ممنهج وله مظاهر عديدة، وأنه يرتبط -تحديدا- بقادة التنظبم وأمرائه الذين يعقدون صفقات بترولية وتجارية مع من يدعون أن قتالهم أهداف رئيسة للتنظيم. ليس هذا فحسب، فقد لاحظ بعض المنشقين أن هؤلاء القادة يتعاملون بعنصرية واستعلاء مع أعضاء التنظيم ويفضلون المقاتلين الغربيين على السوريين والعرب، حتى إن أحد المنشقين وصف قيادات التنظيم بـأنهم (ليسوا سوى عصابة من المرتزقة).

اعتبر بعض المقاتلين هذا السلوك ظلمًا وأنانيةً، فضلا عن تعارضه مع "مُثل الجماعة وأخلاقياتها"، بل مخالفته لتعاليم الإسلام. وهكذا لم يجد هؤلاء الشباب المجتمع الإسلامي المثالي الذي وعدهم التنظيم به. وبالرغم من أن العديد منهم كانوا على استعداد لتحمل مشاق الحرب، إلا أنهم لم يتحملوا الظلم وعدم المساواة والعنصرية التي اتسم بها سلوك قادة داعش فقرروا الانشقاق والهروب إلى وطنهم.

وفي هذا الإطار أثبتت دراسة كانت قد أعدتها مجلة دراسات السلام Journal of Peace Research حول بعض العائدين من داعش أن السبب الرئيس لانفصالهم عن التنظيم هو أنهم صدموا بمعرفة حقيقة قادة التنظيم.

 

السبب الرابع: مستوى المعيشة

أظهر عدد كبير من المنشقين عن الجماعة -خاصة ممن انضموا لأسباب مادية- استياءهم واعتراضهم على ظروف المعيشة القاسية ونوعية الحياة داخل التنظيم، حيث أدرك هؤلاء بُعيد انضمامهم للتنظيم الإرهابي أنهم لن يحصلوا على الرفاهية والسيارات التي وُعدوا بها. ويبدو أن المقاتلين الغربيين -على وجه الخصوص- قد واجهوا صعوبات معيشية عديدة، منها انقطاع الكهرباء ونقص السلع الأساسية، علما بأنه لم يعترف سوى عدد قليل منهم  بأن هذا هو سبب انشقاقهم.

وثمة مظهر آخر له صلة بهذا السبب وهو خبرة المنشقين بالقتال، والتي فشلت في كثير من الأحيان في تلبية ما توقعوه من تحقيق بطولات يتفاخرون بها. فأحد هؤلاء أشار إلى مهامه داخل الجماعة بأنها "مملة".

ومن ناحية أخرى، فإن مرصد الأزهر يرى أن حالات الانشقاق في صفوف داعش لا تقتصر فقط على العدد المذكور في هذا التقرير بل يتعدى ذلك بكثير، خاصة على مستوى الكفر بأفكار داعش. فكثير من المنضمين لداعش يرغبون في العودة إلى أوطانهم بعد أن خاب أملهم في التنظيم المتطرف، لكنهم لا يستطيعون فعل ذلك بسبب تخوفهم من أمرين رئيسين: أولهما، إقدام داعش على قتلهم بتهمة الخيانة إذا علمت برغبتهم في الانشقاق والعودة إلى أوطانهم. وهذا بالفعل ما حدث مع الملاكم التايلاندي الألماني فاديلت غاشي الذي انضم للتنظيم في أكتوبر 2014، وفي يونيو 2015 قرر التنظيم الإرهابي إعدامه، بعد علمهم رغبته الهروب وإعلانه عن ذلك لأحد السياسيين الألمان على الفيس بوك. أما الأمر الثاني الذي يتخوفون منه فهو التحقيق معهم حال عودتهم إلى أوطانهم وتعرضهم للسجن بتهمة الانضمام إلى جماعة إرهابية، وهو ما حدث بالفعل لجل أصدقائهم الذين قرروا العودة فوجدوا السلطات الأمنية في انتظارهم لإلقاء القبض عليهم واعتقالهم.

 

نماذج  لشهادات تم رصدها للعائدين من داعش

شهادة "نادية" الفرنسية: نادية فتاة فرنسية قاصرة تبلغ من العمر 16 عاما كانت تحلم بأن تصبح طبيبة، لكنها سافرت إلى سوريا للانضمام إلى داعش. وبعد عدة شهور من سفرها عدلت عن آرائها بسبب ما عايشته هناك. يقول أخوها: "في منتصف مارس غيرت أختي من طريقة حديثها، وقالت لنا بأن ما يحدث هناك مختلف كليا عما قيل لها وأنها تعيش في وسط من المنافقين المخادعين والوحشيين". ويضيف أخوها: "كررت على مسامعي في الهاتف وهي تبكي "يجب أن تأتي لتأخذني من هنا".  وبعد مرور عام من طلبها النجدة انقطعت أخبارها ولم يعد أحد يعرف عنها شيئا.
شهادة "مهدي نموش" الفرنسي: مهدي نموش هو شاب فرنسي قاصر، يبلغ من العمر 15 عاما. أقنعه أحد الأشخاص بضرورة السفر إلى سوريا لمساعدة إخوانه السوريين المظلومين والمضطهدين. التحق مهدي بالفريق المعارض لبشار الأسد دون أن يدرك حقيقته، لكنه صدم عندما وجد نفسه مطالبا بالذهاب إلى منطقة الصراع  ليقوم بأفعال لم يعتد القيام بها من قبل. وبعد أسبوع من وصوله إلى سوريا اتصل الشاب بأهله معلناً عن رغبته في العودة. حاول المحيطون به إثناءه عن رغبته، فاضطر للهرب منهم.
شهادة "أبو شعيب" السوري: يقول أبو شعيب السوري الذي يبلغ من العمر 25 عاما وكان ضمن مجموعة تؤمن بفكر داعش: "اكتشفنا أنها مثلها مثل أي جماعة أخرى جعلت لنفسها ولجماعتها الحق المطلق فى تبنى فكرة القتل واعتباره أصلا مضطردًا كفّرت على أساسه من خالفها".
شهادة أحد التونسيين: صرح أحد المنشقين التونسيين بما يلى: "إن لم تعمل مع داعش وتعلن البيعة لها، فأنت جاهل بالدين وبالتالي يتوجب قتلك حتى لو كنت غير مدرك لخطورة موقفك؛ لأن جهلك ليس مبررًا لالتماس العذر لك. هذا بالإضافة إلى أنه إذا أفتى أحد الشيوخ بجواز عدم معاقبة الجاهل، فإن مثل هذا الشيخ في أدبيات داعش يكون كافرًا ويتوجب قتله كذلك".
شهادة "أبو عبد الله" الذي كان يعمل حارساً شخصياً لقيادي بارزٍ في داعش يدعى صدّام جمال (تاجر مخدرات سابق): فضح مقاتل سابق في تنظيم داعش جانباً من الجرائم التي يرتكبها مقاتلو التنظيم بعد أن انشق عنهم وولى هارباً، ليتبين أن أحد قادة التنظيم ويدعى صدّام جمال كان تاجراً للمخدرات قبل أن ينضم إلى داعش ويتحول إلى قاطع لرؤوس الأطفال. وبحسب الشهادة المروعة التي نشرتها جريدة "ديلي تلغراف" البريطانية فإن أبا عبد الله الذي كان يعمل حارساً شخصياً للقيادي في داعش صدّام جمال فرّ هارباً وانشق عن التنظيم بعد أن تأكد بأن مقاتلي داعش يرتكبون جرائم لا علاقة لها بالدين. وبحسب الشهادة التي أدلى بها أبو عبد الله فإن صدّام تمكن من تحقيق ثروة مالية كبيرة بعد الثورة السورية من تجارة المخدرات، قبل أن ينضم الى داعش.

 

موقف الدول الأوروبية من العائدين من داعش

تتعامل الدول الأوروبية مع قضايا العائدين من داعش حتى الآن تعاملا أمنيا وقضائيا، فما أن يصل الشاب المنشق أو العائد إلى وطنه لأي سبب آخر حتى تبدأ ملاحقته أمنيا وقضائيا. فالجهات الأمنية تنظر إليهم على أنهم قنابل موقوتة من الممكن أن تنفجر في أي لحظة. ففي ألمانيا –على سبيل المثال- حكمت إحدى المحاكم في مدينة ميونخ على شاب يبلغ من العمر 27 عاما بالسجن 11 سنة بتهمة تلقي تدريبات قتالية في المخيمات الإرهابية بحلب. كما أدانت المحكمة الجنائية في جراتس فتاة تبلغ من العمر 20 عاماً بانتمائها للتنظيم الإرهابي داعش وحكمت عليها بالحبس لمدة عام، حيث كانت الفتاة التي كانت تعمل مساعدة طبيب أسنان في جراتس قد تعرفت على شخص ألماني وانضمت معه للتنظيم الإرهابي. كما تشير آخر الإحصائيات في إسبانيا إلى أن هناك أكثر من 170 محتجزاً في السجون الإسبانية بتهمة "الإرهاب الجهادي" وأن بعض هؤلاء عائدون من داعش.

ومع هذا، فإن مثل هذه الإجراءات الأمنية والقانونية التي تتخذ حاليا ضد العائدين من داعش لا تكفي حتى من وجهة نظر بعض السياسيين الأوروبيين، فهناك إجراءات أخرى يمكن اتخاذها للتعامل مع هذه الأزمة. نذكر هنا على سبيل المثال ما أشار إليه الوزير الفرنسي السابق فاليري بيكريس في تصريح له جاء فيه أن هؤلاء الجهاديين حدثت لهم انحرافات فكرية وأنه حال عودتهم لا يمكن التعامل معهم كمجرمين عاديين لأنه حال وضعهم في السجن يمكن أن يجتذبوا اليهم أناساً آخرين من المسجونين.

وأخشى ما تخشاه أوروبا في الوقت الراهن هو رجوع جماعي لنحو 5000 مقاتل أوروبي يحاربون في صفوف تنظيم داعش الإرهابي، خاصة بعد التدخل العنيف لروسيا في سوريا، علما بأن معظم العائدين حتى الآن هم الذين خاب أملهم في داعش، أما الإرهابيون الأشد تطرفا فلم يصلوا بعد. لذا بدأت تظهر بعض الأصوات في الدول الأوروبية والتي تطالب بضرورة التعاطي مع قضية العائدين من منظور آخر، بحيث يُنظر إليهم على أنهم مجموعة من الأشخاص -في الغالب- ليسوا سوى قُصّر ومراهقين غُرِّر بهم عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، وأن بعضهم ذهب إلى سوريا والعراق بنية تقديم المساعدات الإنسانية، لكنهم أجبروا على حمل السلاح وتم استغلالهم لتحقيق أغراض دنيئة، مما نتج عنه أن دُمروا جسديا ونفسيا بسبب ما شاهدوه من جرائم مروعة وانحرافات إنسانية. ومن ثم بدأت بعض الدول في إعداد مراكز للتأهيل النفسي للعائدين مما يمكنهم من إعادة الاندماج مرة أخرى في المجتمع. جدير بالذكر أن البعض ما زال يرى أن اهتمام الدول والأطباء النفسيين بالإرهابيين والمجرمين ما هو إلا ضرب من السذاجة ومضيعة للوقت. 

 

النتائج

هناك تزايد مضطرد في أعداد المنشقين عن داعش والعائدين لأوطانهم نتيجة خيبة أملهم في التنظيم الإرهابي بعد أن عاينوا سلوكه على أرض الواقع.
ما زالت المعالجة الأمنية والقانونية القضائية هي المسيطرة على الدول الأوروبية في تعاطيها مع قضية العائدين إلى أوطانهم.
لا يوجد تقريبا أي مراجعات فكرية وفقهية للعائدين بهدف تصحيح مسارهم الفكري وإقناعهم بحرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين.
في الوقت الذي تحاول فيه السلطات الأمنية في الدول الأوروبية أن تتعقب أمنيا كل من يشتبه في انتمائه إلى داعش ولو فكريا، تخشى تلك السلطات من تحول المسجونين والمعتقلين إلى نقاط استقطاب فكري للمسجونين الآخرين.
لا يوجد تناول كافٍ للأسباب الأسرية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية والدينية المترتب عليها انضمام الكثيرين إلى داعش.
بدأت الدول الأوروبية مؤخرا في النظر إلى العائدين من داعش على أنهم ليسوا بالضرورة إرهابيين وقتلة، فقد يكونوا مجرد ضحايا غرّر بهم التنظيم بدعوى مساعدة المحتاجين أو حتى تحقيق حلم الخلافة المزعومة، خاصة وأن اغلب هؤلاء من القُصّر والمراهقين. ومن ثم هناك ضرورة لإعادة تأهيلهم نفسيا من أجل إعادة دمجهم مرة أخرى في المجتمع، وذلك من خلال توجيه الاهتمام نحو مراكز التأهيل النفسي والطبي للعائدين، وهو ما بدأت بعض الدول في تنفيذه فعليا.

 

التوصيات

العمل على نشر شهادات العائدين من داعش إعلاميا بهدف تحذير الشباب من الوقوع في نفس مصيرهم.
تشكيل لجنة دينية من علماء الأزهر والمؤسسات الإسلامية الأخرى للمراجعات الفكرية والفقهية تكون مسؤولة عن محاورة هؤلاء الشباب وإثبات خطأ معتقداتهم وتصحيح مسارهم الفكري والديني والمفاهيم المغلوطة لديهم.
تحقيق تعاون دولي على مستوى المؤسسات الدينية المعتدلة لتحصين الشباب الغربي حديثي العهد بالإسلام ووقايتهم من استقطاب المنظمات الإرهابية المسلحة لهم.
إنشاء مركز دولي للوقاية من الانحرافات الدينية.
تخصيص مراكز نفسية وطبية لمعالجة الآثار النفسية والأسرية والاجتماعية التي يعاني منها العائدون من داعش.

 

 

يناير 2016

مرصد الأزهر باللغات الأجنبية


[1] تجدر الإشارة هنا إلى أنه وفقا لتقرير صادر عن مركز توني بلير للدراسات الدينية بتاريخ 21 ديسمبر 2015 فإن هناك 15 جماعة متطرفة بمجموع 65000 مقاتل مرشحة لخلافة داعش في حال هزيمته.

[2] معهد بروكينجز Brookings Institution هو مؤسسة فكرية أمريكية مقرها في واشنطن وتعد واحدة من أقدم مؤسسات الفكر والرأي.

الموضوع السابق "مجمع البحوث الإسلامية" ينعي شهداء القوات المسلحة الذين استشهدوا بعد سقوط طائرتهم أثناء التدريب
الموضوع التالي حكم خروج المرأة لتلبية متطلباتها الحياتية دون ‏محرم.. واستقلالها مالياً
طباعة
7291