مأساة مسلمى الروهينجا

 

الخـــــــــلافة
مدير بوابة الأزهر
/ الأبواب: الرئيسية, متابعات

الخـــــــــلافة


الخلافة في الإسلام لم تكن أبدا وسيلة لقهر النفوس ، ولا لجباية الأموال ، وإزهاق الأرواح ، ولا للتمدد على حساب الشعوب الآمنة ظلما وعدوانا ، وتفخيخ الطرق ، وإرغام الناس على ما لا يريدون ، بل كانت رحمة بالناس أجمعين .



خرج علينا في الآونة الأخيرة في المنطقة العربية جماعة مسلحة عرفت في الساحة الإعلامية بـ "داعش " وأطلقت على نفسها " تنظيم الدولة " وهو تنظيم هلامي بلا هوية يتخذ من العنف والإرهاب منهجا مدعين أن الله تعالى قد اصطفاهم لإقامة الخلافة الإسلامية !!! ، وأن الله قد وعدهم بالتمكين في الأرض ، وما وعدهم الله ، ولكن وعدهم الشيطان ، {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا } ؛ لأن الله عز وجل لا يقيم خلافة بالفناء ، ولا يمكن لأحد بالقتل والاستحلال ، قال تعالى {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } ، وهؤلاء نقضوا المعروف ، وأقروا المنكر وفعلوه ، ولذلك فإن سلوكهم المعلن الذي يفاخرون به لا صلة له بالإسلام من قريب أو بعيد ، بل إنهم أشبه ما يكونون بالتتار الذين دمروا تراث الإنسانية ، واستباحوا الحرمات ، ثم ادعوا أنهم جند الله ، وقد قال هولاكو في رسالته لسيف الدين قطز قائد مصر : إنا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غضبه، فأسلموا إلينا أمركم ، فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرفق لمن شكى قد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد ، وطهرنا الأرض من الفساد، وقتلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب، وعلينا الطلب، فأي أرض تأويكم وأي طريق تنجيكم .....
ألا ما أشبه الليلة بالبارحة ، وما أكثر ما يعيد التاريخ نفسه مع تجدد في الأدوات وتنوع في الأساليب .
إن الخلافة في الإسلام لم تكن أبدا وسيلة لقهر النفوس ، ولا لجباية الأموال ، وإزهاق الأرواح ، ولا للتمدد على حساب الشعوب الآمنة ظلما وعدوانا ، وتفخيخ الطرق ، وإرغام الناس على ما لا يريدون ، بل كانت رحمة بالناس أجمعين ؛ لأنها كانت تتخذ من منهاج النبوة سلوكا ، ذلك المنهاج القائم على الرحمة بنص القرآن الكريم قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }
ولهذا نعمت نعم في ظلالها الإنسان يوم أن كانت خلافة راشدة تقرُّ الحريات وتدعم الكرامة الإنسانية باعتبارها حقا أصيلا لا يقبل الإهدار ، ولا التنازل ؛ لأنه محفوظ بالوحي الإلهي في قوله تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ }
إن هذا التنظيم المعروف بـ " داعش " إنما يعلن عن نفسه بزعم إحياء دولة الخلافة تحت راية وهمية لا تقوم على أسس شرعية ، وإنما تقوم على أساليب همجية لا تمت للإسلام بصلة .
وقديما قالوا " تعرف الشجرة من ثمرتها " وما غرس ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ) سوى شجرة خبيثة فرقت الصف ، وغرست العداوة والبغضاء ودمرت البلاد والعباد ، وأهلكت الحرث والنسل ، أي خلافة هذه التي تؤدي إلى ترويع الناس ؟ !
، إن أصول الإسلام تدعو إلى السلم العام وحفظ الدماء والأموال والأعراض ، قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ }
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا » .
ولما جاء زيد بن سُعنه ــ الحبر اليهودي ــ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه دينا حتى أغلظ له في القول فهم به عمر رضي الله عنه وأراد أن ينال منه فقال رسول الله عليه وسلم وفِّه حقه وزده ثلاثين صاعا جزاء ما روعته ، فما كان منه إلا أن أسلم .
إن دعوى إقامة الخلافة على أيدي هؤلاء دعوى وهمية يحيطها الكذب من كل جانب ، وقد ثبت عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ــ رضي الله عنهما ــ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» صحيح مسلم (3/ 1336)
إنها ليست خلافة ، ولكنها حيلة للسيطرة على الشباب الذي يحيطه الفراغ فيقدمون لهم الإغراءات للاستعانة بهم في الاستيلاء على الأموال والثروات باسم الإسلام وباسم الخلافة وقد قال الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [آل عمران: 77].
ولتكريس هذه الدعوة الفاسدة ( دعوة إحياء الخلافة على أيدي هؤلاء ) حكموا على كل من يخالفهم بأنهم كفار مرتدون لأنهم لم يبايعوا الخليفة ويخضعوا لسلطانه ، وأن دماءهم وأموالهم حلال لهم وكل هذا ضرب من الهذيان ، وتمسك بخيوط أوهى من بيت العنكبوت ، فلا حجة لديهم من كتاب أو سنة أو منطق صحيح ، وإنما الهوى والسعي في مسالك الشيطان والعياذ بالله تعالى ؛ ذلك أن الخلافة رمز للسير على منهاج النبوة العادلة ، فمن خرج عن منهاج النبوة وسفك الدماء ، واستحل أموال الناس بغير حق ، واسترق الرجال ، وسبى النساء لا يحق أن يسمع له في دعواه ؛ لأن الدعوى التي لا توافق مقتضى الشرع والواقع دعوى باطلة لا تستند إلى أركان ، وقديما جهر المنافقون بالشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان ، لكن لما كانت شهادتهم مخالفة لمقتضى الإيمان نعتهم الله عز وجل بالكذب ، قال تعالى {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} .
فكذلك هؤلاء المجاهرون بادعاء إقامة دولة الإسلام ، لكن لما كان سلوكهم وجرائمهم تخالف ما يعلنون ، فكانوا كالمنافقين يخادعون الله والذين آمنوا فكشف الله عز وجل نفاقهم وكذبهم في قوله تعالى {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) } [البقرة: 9 - 16]
والتوصيف الفقهي الصحيح الذي ينطبق على السلوك الإجرامي الذي ينتهجه الدواعش ومن على شاكلتهم أنهم قطاع طرق محاربون لله ورسوله وقد قال الله تعالى {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [المائدة: 33] وبذلك سقطت دعواهم الخلافة ؛ لأنها لا تقوم على يد مجرمين محاربين فلا يستحقون شرف الحديث عنها .

الموضوع السابق الشرائع القديمة كانت تحكم عليه بالاستعباد.. الإسلام يعاقب من يرتكب جرما معينا بتحرير الرقاب!
الموضوع التالي رئيس الفيدرالية الإسلامية بكتالونيا بأسبانيا: الحقد الأوروبي الدفين للإسلام .. بات معلنا!
طباعة
3134