| 06 أكتوبر 2022 م

حكم خروج المرأة لتلبية متطلباتها الحياتية دون ‏محرم.. واستقلالها مالياً

  • | الخميس, 28 يناير, 2016
حكم خروج المرأة لتلبية متطلباتها الحياتية دون ‏محرم.. واستقلالها مالياً

استقلال ذمة المرأة ماليا واجتماعيا فى الإسلام ‏
ابتليت المرأة فى مختلف العصور بمن يحيف ‏على حقها ويمتهن كرامتها فيعتبرها من سقط ‏المتاع، ويظنها رجسا من عمل الشيطان، ومن ‏ينظر إليها كآلة صماء ويعتبر قيمتها بمقدار ما ‏تنتجه من مادة فقط، ولقد وقف الإسلام موقفا ‏معتدلا من المرأة فى شتى مناحى الحياة وفى هذه ‏السطور نتناول استقلال المرأة ماليا واجتماعيا ‏فى الإسلام.‏
استقلال الذمة المالية للمرأة فى الإسلام: ‏
الذمة لغة: تطلق على العهد، الحرمة، الضمان. ‏
والذمة فى الفقه الإسلامي: وصف شرعى يصير ‏به الإنسان أهلاً للإلزام والالتزام، أى صالحًا لأن ‏يكون له حقوق وعليه واجبات.‏
ومن الأصول المقررة شرعا: أن للمرأة فى ‏الإسلام الأهلية الكاملة، والذمة المالية المستقلة ‏التامة، ولها الحق المطلق فى إطار أحكام الشرع ‏فيما تكسبه من عملها الحلال، ولها ثروتها ‏الخاصة، كما لها حق التملّك، وحق التصّرف ‏فيما تملك، ولا سلطان للزوج على مالها، ولا ‏تحتاج لإذن الزوج فى التملك والتصرف بمالها
والأصل فى حقها فى التملك: قوله تعالى ‏‏{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ ‏آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} ‏‏[النساء: 6] وهذا ظاهر فى أن المرأة إذا ‏كانت يتيمة ثم صارت راشدة جاز لها ‏التصرّف فى مالها بعد اختبار حسن ‏التصرف فى المال.‏
كما أنها تستحق النفقة الكاملة المقررة ‏بالمعروف إذا كانت زوجة مهما كانت ميسورة ‏الحال، وتجب النفقة بحسب حال الزوج يسارا أو ‏إعسارا، وبما يتناسب مع الأعراف الصحيحة ‏والتقاليد الاجتماعية المقبولة شرعا، لقوله تعالى: ‏‏{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ‏فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} ‏الطلاق:7، ولا تسقط هذه النفقة إلا بالنشوز، وفقا ‏لما قرره الشرع والقانون.‏
وقد تواترت النصوص الشرعية على حق ‏المرأة فى تملّك المال على سبيل الاستقلال، منها ‏الإعلان عن حقها فى الميراث كمبدأ عام، مثلها ‏مثل الرجل تماما. قال تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ‏مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا ‏تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ‏نَصِيبًا مَفْرُوضًا} النساء: 7.‏
‏1-‏ ‏ قوله تعالى {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ‏فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ ‏هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4]. فأثبت الله تعالى ‏للمرأة حق تملك المهر فى نفس الوقت، ‏أجاز لها حرية التصرف فيما تملك دون ‏الرجوع إلى إذن أحد، وهذا دليل على أن ‏المرأة فى ظل الشريعة الإسلامية لها ‏حرية التصرف فى مالها تملكا وإنفاقا ‏وتبرعا، دون قيد ما دامت بلغت الرشد.‏
‏2-‏ قوله تعالى {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ ‏تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ‏مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237]. ‏أكدت هذه الآية الكريمة أحقية الزوجة فى ‏تملك نصف المهر فى حالة الطلاق قبل ‏الدخول، مع جواز عفوها عن بعض ما ‏استحقت من نصف المهر دون استئذان من ‏أحد، مما يدعم استقلال ذمتها المالية.‏
‏3-‏ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ‏‏«تَصَدَّقْنَ، يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، وَلَوْ مِنْ ‏حُلِيِّكُنَّ» صحيح مسلم (2/ 694) ففى هذا ‏الحديث إثبات الملكية للمرأة، وإثبات حرية ‏التصرف فى هذه الملكية دون الرجوع إلى ‏اسئذان أحد، وهذا يدل على أنها مخاطبة ‏شرعا بالعبادات المالية كالرجل تماما.‏
والنصوص فى هذا الشأن تفوق الحصر، ‏والشارع الحكيم عندما أثبت للمرأة حرية ‏التملك، وحرية التصرف لم يحرمها من ‏المشاركة فى تحمل أعباء الحياة الزوجية ‏والبذل فى سبيل رفاهية الأسرة؛ لكنه جعل ذلك ‏موكولا لإرادتها وطيب خاطرها، ففى ‏الصحيح أن زينب سألت النبى صلى الله عليه وسلم عن النفقة ‏على زوجها هل لها فيها أجر، فقال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: نعم ولك أجران، أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ ‏الصَّدَقَةِ.صحيح مسلم (2/ 694)‏
فضلا عن أن المرأة فى التشريع الإسلامى ‏مكفولة النفقة فى بيت أبيها قبل الزواج، وفى ‏بيت زوجها بعد الزواج، فالزوج ينفق عليها ولو ‏كانت ميسورة، ولا يحق له التصرف فى مالها ‏إلا إذا أقرضته قرضاً حسنا، يجب عليه رده لها، ‏وهذه ميزة أقرتها الشريعة الإسلامية، قلما توجد ‏فى نظام آخر.‏
‏=========================‏

‏.. وللحق فإن الواقع فى مصر يشهد أن هناك ‏من غير المسلمين من يلجأ لتحكيم الشريعة ‏الإسلامية رفعا للخلاف وتأسيسا على النص ‏الدستوري.‏

تحديد الهوية الدينية للدولة والنص عليها ‏بالدستور

يجدر بنا قبل الشروع فى بيان الموقف ‏الصحيح فى هذه القضية أن نقف على تحديد ‏معانى المصطلحات التالية: الهوية ـ الدين ــ ‏الدستور.‏
أولا: الهوية: هذه الكلمة نسبة غير قياسية للفظ ‏‏"هو هو"، والهوية بالمعنى الفلسفى تعنى حقيقة ‏الشيء من حيث تميزه عن غيره، فرداً كان أو ‏جماعة.‏
ثانيا: الدين، ومعناه العام فى عالم الناس: ما ‏يعتنقه الإنسان من أفكار ومعتقدات تحكم سلوكه ‏ويخضع لها. أمّا الدين فى المنظور الإسلامى ‏فهو الشريعة والمنهج الذى يحكم جميع جوانب ‏الحياة.‏
ثالثا: الدستور: وهو مجموعة القواعد العليا التى ‏تُحكم بها الدّولة، فهو أشبه بالعقد الاجتماعى بين ‏الحاكم والرّعية، تحدد فيه القواعد الكلية لنظام ‏الدولة، مثل اسم الدولة الرسمى و ديانتها ‏الرسمية، و نوع الحكم فيها، و طريقة تشكيل ‏الحكومة و البرلمان، و تحديد سلطات الدّولة و ‏حقوق المواطنين و واجباتهم و ما إلى ذلك.‏
وبعد تقرير هذه المصطلحات ننتقل إلى حكم ‏تحديد الهوية الدينية للدولة فى دستورها:‏
إن طبيعة نظم الحكم التى فرضها التقدم ‏الإنسانى اقتضت أن يكون لكل دولة دستور تحدد ‏فيه هوية الدولة التى تميزها بين الدول، والأطر ‏العامة لنظام الحكم الذى تتبناه هذه الدولة، ولأن ‏للدين دورا هاما فى إعلان هوية الدولة. فإن ‏قضية الدين فى الإسلام ليست قضية هامشية فى ‏حياة الفرد أو المجتمع، بل الدين فى الإسلام يمثل ‏المحور الرئيس الذى ترتكز عليه كل حياة ‏الإنسان، قال الله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ ‏مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: 138] فالصبغة هى ‏الهوية، والهوية عند المسلمين هى الإسلام، لأن ‏الإسلام يصبغ الإنسان بصبغة خاصة فى عقيدته ‏وفكره ومشاعره وتصوراته وآماله وأهدافه ‏وسلوكه وأعماله، قال القرطبى فى تفسيره للآية ‏السابقة: (فسمى الدين صبغة استعارة ومجازاً ‏حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين، كما ‏يظهر أثر الصبغ فى الثوب) تفسير القرطبى (2/ ‏‏144)، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى ‏وَمَحْيَاى وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الأنعام:162.‏
ولما كان الواقع تاريخيا وإحصائيا أن ‏الإسلام فى مصر هو الدين صاحب الأغلبية، ‏فإنه استقر عنوانا لهوية الدولة منذ القدم، إلا أن ‏بعض الناس يجادلون فى هوية مصر الإسلامية‏,‏ ‏ومن ثم يمتعضون من النص الدستوري‏:‏ دين ‏الدولة هو الإسلام‏، وكثير من هؤلاء المعترضين ‏يجهلون أن هذا النص ليس بدعة إسلامية وإنما ‏هو أمر معروف لدى العديد من الدول غير ‏الإسلامية ذات الأغلبية المسيحية, وعلى سبيل ‏المثال:‏
‏1 ــ فى المادة الثانية من دستور النرويج ‏نص على أن الانجيلية اللوثرية ستظل الدين ‏الرسمى للدولة ويلتزم السكان المعتنقون لها ‏بتنشئة أولادهم بموجبها.‏
‏2- وفى إنجلترا أقر البرلمان مختلف النظم ‏الأساسية التى تعد القانون الأعلى، والمصدر ‏النهائى للتشريع (أى الدستور القانوني), وجاء ‏فيه: إن كنيسة انجلترا هى الكنيسة المعترف بها, ‏وإن العاهل الانجليزى بحكم منصبه ــ هو الحاكم ‏الأعلى لكنيسة انجلترا. وهو متطلب مقرر فى ‏قانون التسوية لعام 1701م, بأن ينضم كنسيا ‏لمجتمع كنيسة إنجلترا وكجزء من مراسم ‏التتويج يطالب العاهل بأن يؤدى القسم بالحفاظ ‏على التسوية المبرمة مع كنيسة إنجلترا, وأن ‏يحفظها بدون خروقات, كما يحفظ العقيدة ‏والشعائر والنظام وطرق إدارتها وحكمها, وذلك ‏بموجب القانون الذى تم إقراره فى إنجلترا. وذلك ‏قبل التتويج بواسطة الاسقف الأعلى للكنيسة ‏رئيس أساقفة كانتربري.‏
‏3 - وفى إسبانيا الكاثوليكية ــ ينص الدستور ‏ــ فى المادة 16 ــ على أنه على السلطات العامة ‏أن تأخذ فى الاعتبار المعتقدات الدينية للمجتمع ‏الإسباني, والحفاظ على علاقات التعاون المناسبة ‏مع الكنيس.‏
‏4 - أما اليونان ــ الأرثوذكسية ــ فإن ‏الدستور يفصل فى ذلك كثيرا, وذلك عندما ينص ‏ــ فى المادة الثانية من القسم الثانى علي:‏
أ ــ أن الديانة السائدة فى اليونان هى ديانة كنيسة ‏المسيح الارثوذكسية الشرقية والكنيسة ‏الأرثوذكسية اليونانية, والتى تقرر. وتتخذ من ‏يسوع المسيح رأسا لها, كما تتحد مع كل كنيسة ‏تدين بنفس العقيدة بقدر التزامهم فى المقابل ‏ودون أى شك أو مماراة بالشرائع والتقاليد ‏الرسولية والمجامع المقدسة, وهى كنيسة مستقلة ‏يديرها المجمع المقدس للأساقفة العاملين ‏والمجمع المقدس الدائم المنبثق عنه, والمشكل ‏على النحو المحدد فى الإجراءات القانونية ‏الملتزمة بالإعلان البطريركى الصادر فى 29 ‏يونيو سنة 1850م, والقانون الخاص بالمجلس ‏الكنسى الصادر فى سبتمبر سنة.1928‏
ب ــ ولا يعتبر النظام الكنسى الموجود فى ‏مناطق معينة من اليونان مناقضا للأحكام الواردة ‏فى الفقرة السابقة.‏
ج ــ ويجب الحفاظ على نص الكتاب المقدس ‏دون تحريف.. وتحظر الترجمة الرسمية للنص ‏وللآية إلى لغة أخرى دون موافقة مسبقة من ‏الكنيسة المستقلة لليونان. ‏
لذلك فالنص على الهوية الدينية فى الدستور ‏المصري، أمر لا يدعو إلى القلق من بعض فئات ‏المجتمع. فإن الإسلام قد حمى الأقليات الدينية ‏حماية تامة قبل أن يعرف الناس القانون الدولى ‏أو منظمات حقوق الإنسان، وبدون رفع دعوى ‏لمجلس الأمن أو محكمة الجنايات الدولية قال ‏رسول الله صلىالله عليه وسلم : من قتل معاهدا لم يرح رائحة ‏الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما. ‏صحيح البخارى (3/ 1155)‏
ولما وقعت جريمة سرقة على عهد النبى ‏صلى الله عليه وسلم واتهم فيها يهودى ظلما وعدوانا نزلت عشر ‏آيات من القرآن الكريم لتبرئ ساحة اليهودي، بل ‏وتهدد المجتمع الذى تغيب فيه الحقيقة ويتهم فيه ‏برئ حتى ولو كان كافرا قال تعالى {إِنَّا أَنْزَلْنَا ‏إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ‏وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)} [النساء:من ‏‏105 ــ إلى 114]‏
وهذا سجلّ قرآنى لا يتبدل، مما يؤكد أن ‏الإسلام قد أنصف غير المسلمين على اختلاف ‏مللهم، بل وامتدحهم بنص القرآن الكريم، قال ‏تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِى هِى ‏أَحْسَنُ} العنكبوت:46، وقال أيضا: {وَلَتَجِدَنَّ ‏أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ‏ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا ‏يَسْتَكْبِرُونَ} المائدة: 82، وبهذا المنهج استقر فى ‏وعى المسلمين بمصر البر بغير المسلمين، ‏إعمالا لنصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة، ‏بل إن الإسلام لم يكتف بالنهى عن إيذاء غير ‏المسلمين وإنما فتح الباب لتنمية العلاقات ‏الاقتصادية والاجتماعية حيث أمر بالمودة وبذل ‏المعروف فقال تعالى {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ ‏يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ ‏تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} ‏‏[الممتحنة: 8]‏
ثم تدعيما لتواصل الرحم بين المسلمين وأهل ‏الكتاب، أحل الله عز وجل زواج المسلم بالكتابية ‏لإنشاء علاقة مصاهرة توطد العلاقات ‏الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين، قال ‏تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ ‏أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ‏وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ ‏الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الآية، المائدة:5.‏
وللحق فإن الواقع فى مصر يشهد أن هناك ‏من غير المسلمين من يلجأ لتحكيم الشريعة ‏الإسلامية رفعا للخلاف وتأسيسا على النص ‏الدستوري: أن الإسلام هو دين الدولة وأن ‏الشريعة الإسلامية هى المصدر الأساسى ‏للتشريع.‏
فهذا النص يخدم غير المسلمين كما يخدم ‏المسلمين، لذلك كان عنوان الهوية الإسلامية ‏لمصر ثابتا لا ينازع.‏
أما استدعاء البعض لفترات الصراع فى ‏التاريخ بين المسلمين وغيرهم، فإن هذا الصراع ‏كانت له ظروفه التاريخية وأحداثه إنما هى بنت ‏بيئتها وسياقها التاريخي، والإسلام لا يُحكم عليه ‏إلا من خلال نصوصه القائمة على السلم العام ‏والوفاء بالعهود والأمان، عملا بنصوص القرآن ‏الكريم، قال تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِى ‏السِّلْمِ كَافَّةً} البقرة:208، وقال تعالى: {وَإِنْ ‏جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ‏السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} الأنفال:61.، وقال تعالى: ‏‏{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ ‏بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ ‏يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} النحل:91، وقال تعالى: ‏‏{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} الإسراء: ‏‏34.‏
‏=====================‏
‏.. قرر الفقهاء أنه فى حالة الضرورة يباح للمرأة ‏أن تسافر بلا محرم وكذلك لا مانع شرعًا من ‏خروج المرأة من بيتها لمتطلباتها الحياتية بغير ‏محرم
خروج المرأة لتلبية متطلباتها الحياتية دون ‏محرم
‏ ‏
من الأصول المقررة أن شريعة الإسلام لم ‏تفرض على المرأة أن تكون أسيرة فى البيت ‏وكذلك لم تقيد حريتها أو تحرم المجتمع من ‏عطائها، فللمرأة أن تخرج لتحصيل المصالح ‏الدينية والدنيوية ما لم يترتب على خروجها ‏مفسدة راجحة.‏
واجتنابًا للمفاسد ونتائجها، فإنه يتعين على المرأة ‏المسلمة عند إرادة السفر الطويل فى حالة ‏الاختيار أن تتخذ محرمًا، يرعاها فى ‏خصوصياتها ويجب عنها ما تكره، ويساعدها فى ‏تلبية احتياجاتها، غير متحرجة منه، لما له من ‏خصوصية الاطلاع منها لما ليس لغيره.‏
فتشريع سفر المحرم مع المرأة هو نوع تكريم لم ‏تلتفت إليه التشريعات الوضعية، ولم تعبأ به، ‏وليس ناشئًا عن إهانة الإسلام للمرأة، أو ابتغاء ‏كبت إرادتهن، ولكن لحمايتهن من الافتتان.‏
ومن هذا المنطلق جاء الحديث النبوى الشريف " ‏لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ‏مِنْهَا " رواه مسلم.‏
كما قرر الفقهاء أنه فى حالة الضرورة يباح ‏للمرأة أن تسافر بلا محرم، وكذلك لا مانع شرعًا ‏من خروج المرأة من بيتها لمتطلباتها الحياتية ‏بغير محرم، دل على ذلك الكتاب والسنة ‏والمعقول.‏
أما الكتاب: فقوله - تعالى – " وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ ‏مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ ‏دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا ‏نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ‏‏"(القصص:22).‏
ووجه الدلالة من الآية الكريمة: أن هذا الرجل ‏الصالح شُعيبًا، قد أذن لابنتيه أن تسقيا الأغنام ‏خارج البيت من ماء مدين؛ لأن شُعيبًا فى حالة ‏عجز عن القيام بمهمة السقي، فهو إذًا فى حالة ‏ضرورة أباحت له أن يأذن لابنتيه بالقيام بهذا ‏العمل، وإن كان هذا شرع موسى – عليه السلام ‏‏-؛ فإنه شرع لنا ما لم يأت ما ينسخه.‏
أما السنة: فعن أم المؤمنين عائشة- رضى الله ‏عنهما- قالت: قال رسول الله – صلى الله عليه ‏وسلم " قَدْ أَذِنَ اللَّهُ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَائِجِكُنَّ" ‏‏(رواه البخارى ).‏
ووجه الدلالة من الحديث: قد أفاد الحديث أن ‏للمرأة الخروج من بيتها من أجل حاجتها، وأنها ‏لا تُمنع من ذلك عند اقتضاء المصلحة، فهذا مما ‏أذن فيه الشرع.وعن عبد الله بن عمر – رضى ‏الله عنهما – عن النبى – صلى الله عليه وسلم – " إِذَا اسْتَأْذَنَتِ ‏امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَمْنَعْهَا".‏
ووجه الدلالة من الحديث: يفيد الحديث عدم منع ‏المرأة من الخروج لقضاء مصالحها، إذا ‏استأذنت زوجها, أو من تكون تحت ولايته ‏الشرعية.‏
أما المعقول: فإن عدم جواز خروج النساء ‏لحاجتهن فيه مشقة عليهن، وقد يلحق المرأة ‏الضرر عند فوات المصلحة لذلك جاءت ‏النصوص الدالة على رفع المشقة عنها وإزالة ‏الضرر قال تعالى " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ ‏مِنْ حَرَجٍ" (الحج: 78).وقوله " {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ ‏الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}
‏ (البقرة:185)، وقوله صلى الله عليه وسلم "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" ‏‏(موطأ مالك ).مما أنتج القاعدة الفقهية: (الضرر ‏يزال) ونظيرتها (إذا ضاق الأمر اتسع) يضاف ‏إلى ما سبق أن النساء المسلمات كن يخرجن فى ‏قضاء حوائجهن فى كل عصر ومصر من غير ‏نكير عليهن، فدل ذلك على المشروعية.‏
وقد نص الفقهاء على أن للمرأة المتزوجة ‏الخروج من بيتها لحاجة كما أنهم اعتبروا ‏خروجها بدون إذن زوجها لا يعد نشوزًا ما دام ‏الزوج لا يكفيها، وما دامت الحاجة تستدعى ‏خروجها. ‏
يقول ابن حجر الهيتمي- رحمه الله - فى الفتاوى ‏الكبرى عندما سُئل - رحمه الله- هل للمرأة أن ‏تخرج من بيت زوجها للاستفتاء- طلب الفتوى - ‏والتكسب ونحو ذلك أم لا ؟ فأجاب بقوله: ‏‎}‎لَهَا ‏الْخُرُوجُ بِغَيْرِ إذْنٍ لِلضَّرُورَةِ كَخَوْفِ هَدْمٍ وَعَدُوّ ‏وَحَرِيقٍ وَغَرَقٍ وَلِلْحَاجَةِ لِلتَّكَسُّبِ بِالنَّفَقَةِ إذَا لَمْ ‏يَكْفِهَا الزَّوْجُ وَلِلْحَاجَةِ الشَّرْعِيَّةِ كَالاسْتِفْتَاءِ وَنَحْوِهِ ‏إلا أَنْ يُفْتِيهَا الزَّوْجُ أَوْ يَسْأَل لَهَا‎{‎‏. الفتاوى الفقهية ‏الكبرى لابن حجر الهيتمي، ج4 صــ 205.‏
مما سبق يتضح أن الشرع قد أذن للنساء أن ‏يخرجن لحوائجهن؛ لكن كل هذا لا يكون إلا وفق ‏ضوابط الشرع من حيث المحرم للسفر، والأمن ‏فى الطريق فى الحضر، وكذا أن تخرج بحجابها ‏الساتر لجميع بدنها وأن لا تكون متبرجة أو ‏متزينة أو متعطرة؛ لقوله – تعالى -: (وَلا تَبَرَّجْنَ ‏تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ
‏ الأُولَى‎ ‎‏) (الأحزاب: 33)‏
‏ ‏



طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2022 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg