| 05 أكتوبر 2022 م

رئيس التحرير.. يكتب: الفاروق عمر ..وبائع الملوخية !

  • | السبت, 9 يناير, 2016
رئيس التحرير.. يكتب: الفاروق عمر ..وبائع الملوخية !
" كان يحمل على رأسه حملا ثقيلا من " الملوخية" ويطوف حواري القاهرة وهو يصيح بأعلى صوته : " خضرة ياملوخية" ..وقد طاف طويلا هذا اليوم .. طاف بكل حواري العباسية وانتهى منها إلى الحسينية ثم عرج على الظاهر ثم عاد إلى السكاكيني ...و ..
ولم يبع شيئا ..
إن القاهرة التي تغرق كل يوم في "حلة ملوخية " تقف اليوم على الشاطيء وترفض النزول إلى البحر .. بحر الملوخية ! والشمس ترتفع .. وبدأت تلسع وجهه وقفاه ..ثم ارتفعت أكثر وصبت جحيمها كله فوق نافوخه ..وهو لايزال يسير .. ويصرخ بكل مابقي في حنجرته : خضرة ياملوخية !..وأطلت امرأة من الدور الخامس وصاحت : يابتاع الملوخية ..ورفع رأسه كأنه يرفعها إلى الله ..وعادت المرأة تصيح في غنج : يابتاع الملوخية ..اطلع ! وقاس الأدوار الخمسة بعينيه ..ثم تنهد من أعماقه وبدأ يصعد الدرجات التي لاتنتهي .. ربما اشترت منه عشرة أرطال .. إن مكسبه فيها قرشان صاغ ، سيشتري بهما أربعة أرغفه من العيش تسد رمقه ورمق العيال ..ويكفيه هذا في يومه ! وحط حمله الثقيل أمام المرأة ، وسألته وهي تمسك بحزمه ملوخية وتلوي شفتيها تأففا ..سألته بكام ؟ فقال في استسلام : سبعة ملاليم !
قالت : أربعة بس !
قال: ياستي ..دي مسعرة
قالت : باقولك أربعة ملاليم .. عاجبك ولامش عاجبك ؟
قال: مايخلصكيش ياست ..عليّ اليمين دا أنا كسبان فيها مليمين !
قالت : بلاش ..يفتح الله !
..وأغلقت الباب في وجهه..
وأطل برأسه إلى أسفل الدرجات التي لاتنتهي .. والتفت إلى حمله الثقيل ليرفعه ..ولكنه عاد يطل إلى أسفل السلم ..لماذا لايلقي بنفسه إلى الأرض .. ويموت ..وقرر فعلا الانتحار .. ولكنه عاد وتوقف ، ثم مد يده ونقر على الباب ؛ فأطلت عليه السيدة مرة أخرى وهي تقول : ماكان من الأول ! ولم يجبها .. رفع الميزان الحديدي الذي يحمله ، وهوى به فوق رأسها .. وسقطت السيدة في بركة دماء..
ووقف في هدوء ينتظر بوليس النجدة ."
تلكم كانت قصة قصيرة أبدعها إحسان عبد القدوس ، وصدرت عام 1959 مع مجموعة قصصية أخرى تحت عنوان " منتهى الحب" ..إحسان عنون قصته القصيرة تلك بـ " جريمة" !
.. لكن أهي جريمة يتحملها القاتل وحده ، أم أن " القتيلة" ارتكبت هي الأخرى جريمة في حق القاتل الذي تصدي للظلم الاجتماعي فكان الاغتيال أو الانتقام ؟
الإجابة تحملها هذه الواقعة الحقيقية : " حدث أن سرق عبيدا لعبد الرحمن بن حاطب.. ناقة ، وذبحوها وأكلوها ، فأمر الفاروق عمر بقطع أيديهم ، ثم أوقف حد القطع ، وقال لابن حاطب : لولا أني أظنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى لو وجدوا ماحرم الله لأكلوه لقطعتهم ، ولكن والله إذ تركتهم لأغرمنك غرامة توجعك ، ثم سأل صاحب الناقة عن ثمنها : فقال كنت أرفض بيعها بـ "400" درهم ، فأمر حاطب أن يعطيه 800 درهم .
عمر فهم أن قطع يد السارق عقوبة رادعة لمن يرتكب هذه الجريمة من غير حاجة تلجئه إلى مال الغير وحين تبين له أن هؤلاء الغلمان اضطروا للسرقة لما نالهم من جوع وحرمان أبعد عنهم الحد .
الظلم الاجتماعي هو الذي يصم باللصوصية والقتل أقواما كان من الممكن ألا يصموا بها قط ويبريء من اللصوصية والقتل أقواما كان ينبغي ألا تنفك عنهم أبدا .

عطر الكلام:
أفتى ابن حزم وغيره من العلماء ؛ بأنه إذا مات رجل جوعا في بلد اعتبر أهله قتلة ، وأخذت منهم دية القتيل .

سالم الحافي

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2022 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg