| 25 يونيو 2024 م

من حديث الإمام الأكبر: فوضى الفتاوى.. وتهديد الاستقرار المجتمعي

  • | الأحد, 5 فبراير, 2017
من حديث الإمام الأكبر: فوضى الفتاوى.. وتهديد الاستقرار المجتمعي

تعاني مجتمعاتنا اليوم من التِّيهِ جراء ما يمكن أن نسميه بـ "الفقهِ العَبَثيِّ" – إن صحَّت هذه التسميةُ-  ذلكم الفِقْه الذي يطرُقُ أسماعَ الناس ليلًا ونهارًا، ويُطاردُهم حيثما كانوا، ليردَّهم لا إلى يُسرٍ في الشريعةِ ورحمة في القرآنِ والسُّنَّةِ؛ وإنَّما إلى أخلاطٍ من الآراءِ المُتشدِّدةِ التي قيلت في مناسباتٍ خاصَّةٍ، وتحت ضغط ظروفٍ طارئةٍ، ليس بينها وبين واقعِ الناسِ الآنَ صِلةٌ ولا نَسَبٌ ، أو تلك الفتاوى المتسيبة التي تحلل الحرام وتحرم الحلال دون تأصيل أو تنظير علمي .

وقد وَجَدَ هذا الفقهُ العبثيُّ كتائبَ موازيةً من أشباه المُفتينَ؛ نَجَحوا – للأسفِ الشديدِ!- في أن يتغلَّبوا على كثيرٍ من دُورِ الإفتاءِ في عالَمِنا العربيِّ، وأكادُ أقولُ: على كلِّ مَجامِعِ الفقهِ والتشريعِ، وأوَّلُها مَجمَعُ البحوثِ الإسلاميةِ هنا في الأزهرِ...ولم يكن هذا النجاحُ أو هذه الغَلبةُ بسببٍ من عقلانيَّةِ هذا الفقهِ أو يُسرِه، أو قُدرتِه على جعلِ الحياةِ أيسرَ ممَّا هي عليه ، وإنَّما بلغَ هذا النجاحُ ما بلغَ بالقدرةِ على الانتشار والنزولِ إلى الناسِ ودُخولِ البيوتِ في القُرى والكُفُورِ، عِلاوةً على اعتلاءِ بعض المنابرِ، والتحدُّثِ إلى الناسِ بما يُريدون، في الوقتِ الذي ظلَّت فيه فتاوى دُورِ الإفتاءِ، وفتاوى المَجامِعِ ولجانِ البحوثِ الفقهيةِ، فتاوى فرديَّةً راكدة، مقصورةً على المُستفتي، أو حبيسةَ مُجلَّداتٍ عِلميَّةٍ لا يفيد منها ملايين الجماهير مِن المسلمين، أو رَهْنَ مؤتمراتٍ يُحدِّثُ فيها بعضُنا بعضًا، ونتواصَى في نهاياتِها بما شاءت لنا أحلامُنا من آمالٍ وأمانٍ لا تَجِدُ من المُختصِّين مَن يرعاها أو يتابعُها أو يسعى إلى تنزيلِها على واقعِ الناس.

ففي مقابل الفتاوى المتشدِّدةِ التي تقوم على القتل والذبحِ وأكلِ أموال الناس بالباطل والإفساد في الأرض، نجد من أولئك أيضا من يطالعوننا بشكل يوميٍّ أو شِبه يوميٍّ على شاشات الفضائيات ويغزون البيوت والعقول بفتاوى وتأويلاتٍ خاطئةٍ بعيدةٍ كل البعدِ عن الإسلام وتعاليمه السمحة التي ما جاءت إلا لإسعاد البشريَّة وتنظيم الحياة الإنسانيةِ بما يحفظ كرامة الإنسان ، مهما اختلفَ جنسُه أو لونُه أو عرقُه أو معتقدُه، ويؤكد حقَّه في حياة آمنةٍ وكريمةٍ .

إن الفتاوى المتشددةَ التي تجعل من المستحبِّ فرضًا إلى جوار الفتاوى المتسيِّبة التي تُبيح الحرامَ، انتشرت ليستْ بسبب ما تتضمنه مِن تراكمٍ علميٍّ أو تنظيرٍ أو تأصيلٍ، وإنما لأن وراءها من يحركها وينفق عليها من المتشددين والمتسيبين، كما أن وراءها قنواتٍ تدعمهم، وهي في الوقت ذاته مسألة ارتزاقٍ، فهناك مَن يسمحُ له ضميرُه بتخريب الشريعةِ الإسلاميةِ ما دام يسترزقُ من وراءِ ذلك.

إنَّنا في الأزهرِ الشَّريفِ لسنا مسئولين عن ما يبثُه هؤلاء وأولئك من فتاوى وآراء مغلوطةٍ ومسمومةٍ، كما أنَّنا لسنا مسئولين أيضًا عن كلام أيٍّ شخصٍ يكون أزهريًّا أو يلبس زِيَّ الأزهر خارج دائرة مجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء؛ إذ لا يصح أنْ يكون الأزهر سلعةً تُعرض كي تجذبَ مشاهدين أو إعلانات، وإذا كان يحدثُ هذا فهو شيءٌ محزنٌ ومؤلمٌ، ويدلُّ على أنه لا يوجد هناك أي انضباطٍ لا على مستوى الكلمة ولا على مستوى المسئولية عن هُموم هذا الوطنِ .

إنَّ الأزهرَ الشَّريفَ، في سبيل الحدِّ من فوضى الفتاوى التي أصبحت تهدِّد وَحدةَ المجتمع وأمنَه واستقرَاره المجتمعي، قد شرع في إنشاء أكاديميةٍ لتدريب الأئمة والوعاظ بحيث يتم تأهيل الأئمةِ والوعَّاظ والمُفتين من خلال دورات مكثفةٍ في الشريعة والفتوى تقوم على التدريب الجَادِّ، فأي مهندسٍ لو أرسلته إلى مصنعٍ وتقديره ممتاز في الهندسة، ولم يتم تدريبهُ عمليًّا فكثيرٌ من مناحي عمله سوف تَخفى عليه ويجهلُها، وهكذا العِلم.

كما أنَّ الأزهرَ الشَّريفَ يستعدُّ خلال الأيام القليلة المقبلة إلى إطلاق مركز الأزهر العالميِّ للرَّصدِ والفَتوى الإلكترونية، الذي يحوي عدَّة لغاتٍ، والذي مِن شأنه أيضًا أنْ يُسهم في القضاء على فوضى الفتاوى في الفضاء الإلكتروني، وذلك من خلال تطويع الوسائلِ التُّكنولوجية الحديثة لمحاصرة فتاوى القتل والتكفيرِ واستباحةِ الدِّماء المعصُومةِ.

كما أنَّنا قد طرَحنا على هيئة كبار العُلماءِ عددًا من القضايا الفقهيةِ التي تحتاجُ إلى رأيٍ شرعيٍّ يرفع ما نشأ من خلاف حولها؛ لتيسير أمور الناس في دُنياهم وبما يحفظ عليهم أمورَ دينِهم وَفْقَ اجتهاد جماعيٍّ صادرٍ عن أهل الاختصاص ...

وفي هذا المقام.َ، فإنَّني أدعو شبابَ الوعظ إلى الإكثار من القراءة المتأنِّيةِ والواعيةِ لكتبِ التُّراثِ والإلمامِ الواسعِ بمختلفِ الآراء الفقهيَّة التي تشغلُ حياةَ الناس وتَلمسُ همومَهم بالدَّرجة الأُولى خاصةً تلك القضايا المستجدةَ والمثَارةَ على السَّاحة .

كما أدعو الشُّعوبَ العربيَّةَ والإسلاميَّةَ إلى أنْ تكون على قدرٍ من الوعي الذي يساعدها على لفْظِ مثلِ هذه العناصرِ ذات العقول الخَرِبة التي تسعى لتشويهِ صورةِ الإسلامِ وهو منهم بَراءٌ.

                                                                                                                   .. واللهُ وليُّ التَّوفيق

فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد الطيب 

     شيخ الأزهر الشريف

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
3.7

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg