| 22 يونيو 2024 م

فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب يكتب: العيش المشترك.. مطلب دينى ووطنى وإنسانى

  • | الخميس, 9 مارس, 2017
فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب يكتب: العيش المشترك.. مطلب دينى ووطنى وإنسانى

-ما يَحتاجه عالَمُنا المُعاصِر - الآن- للخروج من أزماته الخانقة هو إرساء مبدأ التعَدُّديَّة بينَ النَّاس واختلافُهم، وهى طبيعة قرَّرها القُرآن الكَريم.

ـ لا مكانَ فى فلسفة الإسلام الاجتماعيَّةِ لِعَلاقات الصِّراع والهيمنةِ الاقتصاديَّةِ والثَّقافيةِ والعسكريَّةِ بين الأمم والشُّعوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يمرُّ عالمنا اليوم بظروفٍ حرجةٍ وأزمة أخلاقية تعيشها الإنسانية جمعاء، حتى أصبحت معانى المحبة والسلام استثناء من القاعدة التى تحكم مجتمعاتنا اليوم، وتقوم على الأنانية والكراهية والصراع، فنحن لا نكاد نجد وطنًا واحدًا إلا ويشتاق إلى سلامٍ دائمٍ وعيشٍ لا عنف فيه ولا إرهاب.

لقد جاءت الأديان السماوية رسالة سلام إلى البشر، بل أزعم أنها رسالة سلام إلى الحيوان والنبات والطبيعة بأسرها، لكن من دواعى الحزن الشديد أن باتت أصابع الاتهام كلها تتوجه إلى الأديان رامية إياها بتهمة صنع هذا الإرهاب اللعين.

وعلينا أنْ نعلم أنَّ الإسلام – كدين- لا يبيح للمسلمين أن يشهروا السلاح، إلَّا فى حالة واحدة هى دفع العدوان عن النفس والأرض والوطن، ولم يحدث قط أن قاتل المسلمون غيرهم لإجبارهم على الدخول فى دين الإسلام، بل إن الإسلام لا ينظر لغير المسلمين من المسيحيين واليهود من منظور العداء والتوتر والصراع، بل من منظور المودة والأخوة الإنسانية.

وهناك آيات صريحة فى القرآن تنص على أن علاقة المسلمين بغيرهم من المسالمين لهم أيًّا كانت أديانهم أو مذاهبهم هى علاقة البر والإنصاف، ويكفى أنْ نذكِّر هنا بأن الإسلام هو الحلقة الأخيرة فى سلسلة دين إلهى واحد اسمه الإسلام بدءًا من آدم ومرورًا بإبراهيم وموسى وعيسى وانتهاءً بمحمد عليهم جميعًا أفصل الصلاة والسلام.

ثم إنَّ الإسلام يقرر أنَّ أصل الدِّين واحد فى جميع هذه الرسالات، ومن هنا يذكر القرآن التوراة والإنجيل بعبارات غاية فى الاحترام والاعتراف. يصف الله تعالى – فى القرآن الكريم-كل من التوراة والإنجيل بأنهما "هدى ونور" كما يصف القرآن بأنَّه الكتاب المصدق لما سبقه من الكتابين المقدسين: التوراة والإنجيل.

إن الإسلام وإن كانت تربطه بالأديان السماوية كلها علاقة عضوية إلَّا أنه يختص المسيحيين بمنزلة شديدة الخصوصية، فهم – فيما يقرر القرآن- أقرب الناس قاطبة للمسلمين، والعلاقة بين أهل الدينين علاقة مودة وإخاء وتراحم ، وكثير من رجال الدين المسيحى وعلمائه يعلنون سعادتهم بما يقرؤونه فى القرآن وفى الحديث النبوى عن المسيحية والمسيحيين بصورة عامة، وبعيسى ومريم –عليهما السلام– بشكل خاص.

وفى اعتقادى أن ما فى الإسلام والمسيحية من رسائل الأخوة الدينية كفيلٌ بأن يقيم جسور تفاهم دائم وتقارب متواصل بين المسلمين والمسيحيين فى الشرق والغرب لو أنهم نظروا إلى الدينين نظرة علمية موضوعية بعيدة عن طغيان المادة، وأطماع السياسات، واختطاف الأديان والمتاجرة بقدسيتها فى سوق المصالح والأغراض ولو على حساب المبادئ الخلقية والإنسانية.

ما يَحتاجه عالَمُنا المُعاصِر -الآن- للخروج من أزماته الخانقة هو إرساء مبدأ التعَدُّديَّة بينَ النَّاس واختلافُهم، وهى طبيعة قرَّرها القُرآن الكَريم، ورتَّب عليها قَانُونَ العَلاقَة الدَّوليَّة فى الإسلام، وذلك من خلال «التَّعَارُف» الذى يَسْتَلزم بالضَّرورَة مبدأ الحوار مع من نتفق ومن نختلف معه، ومن هنا كان من الصعب على المسلم أن يتصوَّر صَبَّ النَّاس والأُمَم والشعوب فى دين واحد أو ثقافة واحدة، لأن مشيئة الله قضت أن يخلق الناس مختلفين حتى فى بصمات أصابعهم، يقول القرآن: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ"، والمؤمن بالقرآن لا يرتاب فى أنه ليس فى إمكان قوَّة ولا حضارة أن تُبدِّل مَشِيئة الله فى اختلاف النَّاس، وينظُر إلى النَّظَريَّات الَّتى تحلم بجمع الناس على دين واحد أو ثقافة مركزية واحدة نظرته إلى  أحلام اليقظة أو العبث الذى يُداعِب أحلام الطفولة.

ولهذا كان من الطبيعى والمنطقى أن ينفتح الإسلام على الأديان انفتاحًا لافتًا للنظر، ويمدُّ معهم من جسور العيش المُشْتَرك والسَّلام المُتبادَل، ما يصل إلى إقرار زواج المُسْلِم من مَسِيحيَّة أو يَهُوديَّة تبقى على دينها مع زوجها المُسْلِم، ولا يجوز لزوجها المسلم أن يحول بينها وبين الذِّهاب إلى كنيستها أو مَعْبَدها، أو يمنعها من مُمَارسة شعائرها فى بيت زوجها المسلم.

إنَّ عَلاقةَ النَّاس والشعوبِ بعضها ببعضٍ هى عَلاقةُ التَّعارف والتَّعاونِ والتَّآخى وتبادلِ المصالح والمنافع مِن أجل حياة الإنسانِ وإعمارِ الأرض، ولا مكانَ فى فلسفة الإسلام الاجتماعيَّةِ لِعَلاقات الصِّراع والهيمنةِ الاقتصاديَّةِ والثَّقافيةِ والعسكريَّةِ بين الأمم والشُّعوب؛ لأنَّ منطقَ القرآن يقومُ على تقرير حقيقةٍ ملموسةٍ مُشاهدَة، هى أنَّ الله خلقَ الناسَ مختلفينَ فى عقائدِهم وأديَانِهم وألوانِهم ولغاتِهم حتَّى فى بصماتِ أصابعِهم، وأنَّ من المستحيل أن يُحشَدَ الناسُ فى عقيدةٍ واحدةٍ أو دينٍ واحدٍ أو ثقافةٍ واحدةٍ، وأنَّ أيَّةَ محاولةٍ من هذا القبيلِ محكومٌ عليها بالفشل الذَّريع؛ لأنها تسبحُ ضدَّ إرادة الله تعالى ومشيئته فى خَلقِه.

ومن هذا المنطلق الدينى والوطنى بل والإنسانى فإننا نتصدى لدعاوى العنف والتطرف والإرهاب وكشف محاولاتها الخبيثة لبث الفرقة والتشرذم بين أبناء الوطن الواحد، فهدفنا الأساسى هو العمل على ترسيخ مبادئ المواطنة والحوار والتعايش المشترك.

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
5.0

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg