| 21 مايو 2024 م

الدكتور سالم الكتبى يكتب: الأزهر وثقافة السلام والتعايش

  • | الجمعة, 5 مايو, 2017
الدكتور سالم الكتبى يكتب: الأزهر وثقافة السلام والتعايش

بدعوة كريمة من فضيلة الإمام الأكبر د.أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين، سعدتُ بالمشاركة فى المؤتمر العالمى للسلام، الذى يعقده الأزهر الشريف، تحت رعاية فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى، وبحضور البابا فرنسيس بابا الفاتيكان، وقداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ونخبة من رجال الدين الإسلامى والمسيحى، والساسة والأكاديميين والمثقفين، وهو مؤتمر من المؤتمرات الاستثنائية فى توقيتها وموضوعها، بل والجهة المنظمة لها.

لم يكن الأزهر الشريف يدرى وهو يخطط لتنظيم هذا المؤتمر العالمى منذ نحو عام مضى أنه سيُعقد فى توقيت يشهد هجومًا وانتقاداتٍ غير مبررة وخالية من المنطقية والموضوعية ضد هذا الصرح الإسلامى العريق.

توقيت انعقاد المؤتمر كان مخططًا له منذ زيارة شيخ الأزهر إلى الفاتيكان فى مايو من العام الماضى، حيث اتفق فضيلته وبابا الفاتيكان على عقد مؤتمر عالمى للسلام بحضور البابا فى القاهرة، ولكن جاءت الاعتداءات الإرهابية الآثمة على كنيستى طنطا والإسكندرية لتُضاعف أهمية المؤتمر وتضفى عليه مزيدًا من الأهمية والضرورة القصوى.

استفحل الإرهاب، وازدادت الحاجة إلى التعايش، ولكن هذه الأخطار والتحديات غابت ولم يتبقَّ لأصحاب الهوى سوى تصفية الحسابات مع الأزهر الشريف فى هذا التوقيت تحديدًا، ولم يكن هؤلاء يدرون أن الأزهر وشيخه الوقور مشغولون بترتيب هذا المؤتمر العالمى، واعتقدوا أن التوقيت مُوَاتٍ لطعن الأزهر طعنة قاتلة، وخاب ظنهم، فالأزهر باقٍ بشيوخه، ورمزيته الدينية والتاريخية، والتفاف المصريين، بل والمسلمين جميعًا حوله.

لقد فطن الأزهر إلى ما يحيق بمصر من أخطار منذ عام 2011، وتصدى للكثير من التحديات وحاول وضع أسس للمواطنة الحقيقية عبر وثيقة الأزهر فى عام 2013، وهى وثيقة تاريخية ولم ينتبه الكثير من الباحثين لأهميتها، لأنها المرة الأولى التى يشارك فيها الأزهر كمؤسسة، وليس كأفراد ورموز وشيوخ، فى التأسيس لفكرة المواطنة، وأن يضع يده فى يد المثقفين لبدء حوار مجتمعى فعال، بعد أن اتُّهم، وما زال، بالعداء للثقافة والترويج للإرهاب والتشدد والتطرف!!

لا أدرى كيف يُتهم الأزهر وشيخه بدعم الإرهاب وقد خرجت من رحم هذا الصرح العريق وثيقة تقول فى ديباجتها «باسم الأزهر الشريف، المؤسسة العلمية الوطنية العريقة، وبمشاركة طائفة من هيئة كبار العلماء وممثلى الكنائس المصرية»، الأزهر يقدم نفسه فى ديباجة الوثيقة بأنه «مؤسسة علمية وطنية عريقة»، ولم يَدَّعِ أنه ممثل حصرى للإسلام، وربما حرص على تفادى ذلك، كونه من الأمور المستقرة فى الوعى الجمعى، لذا كانت هناك حاجة لتأكيد ما هو أهم فى تلك اللحظة الحساسة تاريخيًّا، وهى فكرة «المواطنة» جنبًا إلى جنب مع فكرة «العلم».

هذه الوثيقة أدانت العنف بوضوح لا لبس فيه، وحرمت القتل وأكدت على المواطنة، وخاطبت المواطنين المصريين بدون تفرقة بين مسلم ومسيحى، ومع ذلك نجد من يخرج على الناس عبر الإعلام ليعلن أن الأزهر يروج للتطرف والتشدد!! وقد فصلت هذه الوثيقة بشكل واضح أيضًا بين الدين والدولة، ولم تتحدث باسم الدين بل تحدثت عن الدولة، وتحدثت عن التقدم والعلم والعدالة ودخول عصر المعرفة، والتشديد على أهمية الحوار، فهل بعد ذلك نثق أن هناك من قرأ هذه الوثيقة التاريخية مِن بين مَن هاجموا الأزهر؟!

المهم أن موضوع المؤتمر هو السلام، وهو ما نبحث عنه جميعًا فى منطقة تنام وتصحو على أخبار القتل والذبح وسفك الدماء والقتل والتفجيرات وغير ذلك من الجرائم التى باتت «المُنتَج» الأكثر شيوعًا فى «صادرات» المنطقة العربية إلى العالم!!

السلام بحاجة إلى ثقافة، فثقافة السلام أهم وأقوى وأكثر استدامة من السلام بحد ذاته، فالسلام يمكن أن يتحقق بقرارات واتفاقات وتفاهمات بين الدول، أو بقوانين ووثائق وتشريعات داخل الدول وبين أبناء الوطن الواحد فى حال انزلقوا إلى فخ الصراع والاحتراب لا قدر الله، ولكن الأهم والأكثر استدامة هو غرس ثقافة السلام، وهذا هو الاختبار الحقيقى لجدية النوايا والرغبة الحقيقية فى السلام.

ثقافة السلام تعنى التعايش وتحتاج إلى «روزنامة قِيَم» مثل: التسامح والاعتدال وقبول الآخر والوسطية والانفتاح، وهذه فى مجملها أمور بحاجة إلى دور قوى للدولة، لا للمؤسسات الدينية فقط، ومن الظلم أن نلقى بمسئوليتها على مؤسسة دينية، فتكريس منظومة القيم مسئولية الدول، وتبدأ من المناهج الدراسية واستراتيجيات الإعلام والسياسة والعمل المجتمعى والأهلى، ومن هنا تأتى أهمية نقاشات هذا المؤتمر الحيوى للبحث فى استحقاقات السلام ومتطلباته.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg