| 22 يونيو 2024 م

الدكتور سالم الكتبى يكتب "انتبه": الأزهر ورحلة استعادة المكانة

  • | الجمعة, 12 مايو, 2017
الدكتور سالم الكتبى يكتب "انتبه": الأزهر ورحلة استعادة المكانة

فى يوم تاريخى ليس لمصر ولا الأزهر فقط، بل للعالم العربى والإسلامى بأكمله، عُقد المؤتمر العالمى للسلام، فى الأزهر الشريف، بحضور البابا فرنسيس، والبابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.

على مدى يومى 27 و28 أبريل الماضى تابع العالم الصورة الحقيقية لمصر السلام والحضارة، التى تعيد تجديد شبابها وتستعيد رونقها وتأثيرها الحضارى والثقافى تدريجيًّا.

وفى هذا المؤتمر العالمى، استعاد الأزهر الشريف مكانته ودوره العالمى الرائد فى التقريب بين الأديان والثقافات والحضارات، وفى قيادة العالم الإسلامى، كما أثبت شيخه الوقور، فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، أنه رجل استثنائى، وأن ما بذله من جهود طيلة الأعوام الماضية، سواء من خلال مكانته الرفيعة فى الأزهر الشريف، أو عبر موقعه كرئيسٍ لمجلس حكماء المسلمين، فى التقريب بين الأديان ونشر الاعتدال والتسامح والمنهج الوسطى، وفى تكريس مبدأ المواطنة فى مصر وخارجها، أثبت أن مابذله من جهود يعكس قناعة حقيقية بقِيَمٍ ومبادئَ مُتجذّرةٍ فى وعى فضيلته.

فى كلمته التاريخية خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، أكد فضيلة الإمام الأكبر على نقاط مهمة تمثل فى مجملها إضاءات مشرقة تؤطر العلاقة بين الإسلام والعالم خلال السنوات المقبلة، وأولى هذه النقاط: أن فضيلته قد عبر عن عمق قضية السلام، أنها لن تتحقق بالكلمات العابرة، بل بمزيد من الجهد والعمل الجاد، حيث أكد أن «السلام العالمى، رغم كل ماقيل فيه يبدو وكأنه بحاجة إلى المزيد من المتابعة والتحليل والبحث»، فلم يلجأ فضيلته، وهو رجل العلم والبحث طيلة حياته، إلى الكلمات البروتوكولية أو المجاملات المعتادة فى مثل هذه الظروف، بل كان صريحًا واضحًا ومباشرًا، حين اعتبر أن مفهوم السلام العالمى «من أعقد الألغاز وأشدها استعصاء على أى عقل يتقيد بشىء من قواعد المنطق وبدهيات الفكر» ولم يكتف فضيلته بالإشارة إلى حجم الالتباسات والتعقيدات التى تحيط بالسلام على مستوى النظرية والتطبيق، بل مضى فى تحليل الأسباب حيث اعتمد على منطق فلسفى تاريخى يشهد على عمق العلم وبلاغة المنطق، ولم يجد فضيلته غضاضة فى أن يستهل كلمته فى الحديث عن السلام من رؤية غربية محضة لقضية السلام، ورؤية الفلاسفة والمفكرين الغربيين لها، ليؤكد للجميع سعة أفقه ومقدرته على بناء جسور حوار مع الثقافات والحضارات الأخرى.

ربط فضيلة الإمام الأكبر من دون مواربة بين الإسلام والخير، مؤكدًا أن الإسلام يعانى التشويه والظلم مثلما عانت المسيحية واليهودية، وذلك فى صياغة لغوية بليغة أعادت الحضور لدقائق إلى زمن الخطابه العظيم فى التاريخ العربى والإسلامى، ولقد وقفت مليًّا عند قوله: «أقرر بداية أنَّ كُلَّ ما يُقال عن الإسلام فى شأن السلام يُقال مثله تمامًا عن المَسِيحِيَّة واليَهُودِيَّة، لا أقُول ذلك مُجاملَةً لحضَراتِكُم، وإنْ كانت مجاملتكُم مِمَّا يُحْمَدُ فى هذا المَقام»، ثم واصل فضيلته التأكيد على نهج التقريب بين الأديان، مشددًا على أن الإسلام دين مكمل للأديان السماوية جميعها وليس منفصلًا عنها، «إنَّمَا هو حَلقةٌ أخيرةٌ فى سِلسلَةِ الدِّينِ الإلهى الواحد الذى بدأ بآدمَ وانتهى بنبىِّ الإسلام، وأن هذه الرِّسالات من أولِها إلى آخرِها تتطابَق فى مُحتَواهَا ومضمونها ولا تختلِف إلَّا فى بابِ التَّشريعات العمليَّة المُتغيِّرة، فلكلِّ رسالةٍ شَريعةٌ عَمَلِيَّةٌ تُناسبُ زمانَها ومكانها والمؤمنين بها».

استعاد فضيلة الإمام الأكبر فى كلمته جزءًا ضئيلًا من عمله كأستاذ بارع فى العقيدة الإسلامية، وأكد تكامل الرسالات وتواصل الأديان وتوحد أهدافها وغاياتها النبيلة؛ وحين شرح فضيلة الإمام فى كلمته الجامعة رؤيته للاعتدال والتسامح، أقنعنا كما لم يقنعنا أحد قبله من المجادلين فى هذه القضية الحيوية، فقد انسابت الأفكار وَفق منهجية مترابطة مثيرة لأشد الإعجاب والتقدير، حيث انطلق فضيلته من الاختلاف كسنة من سنن الله فى كونه، ترتب عليها تلقائيًّا فكرة حرية العقيدة، واعتبر أن حرية الاعتقاد والاختلاف فى الدين، وجهان لعملة واحدة، وأن حرية الاعتقاد تستلزم بالضرورة نفى الإكراه فى الدين، فكيف لدين يبيح حرية الاعتقاد أن يُكره الآخرين على اتباعه!! وهذه هى الحجة والمنطق التى يجب أن نتحدث بها كمسلمين مع الآخر وليس عبر الضجيج والصراخ!!

تناول فضيلته فى الكلمة التاريخية أيضًا قضايا شائكة وحساسة مثل: قضية قتال غير المسلمين، موضحًا أبعادها وركائزها على مستويى الفقه والممارسة التاريخية، ثم تناول العَلاقة المزعومة بين الإسلام والإرهاب، حيث أكد على ضرورة الفصل بين الإسلام كدين والمسلمين كبشر بعضهم يخطئ وبعضهم يصيب، والقلة منهم تمارس الإرهاب والتطرف، طارحًا سؤالًا منطقيًّا بالغ الأهمية هو: «وإذا قيل: لا تحاكموا الأديان بجرائم بعض المؤمنين بها، فلماذا لا يقال ذلك على الإسلام؟ ولماذا الإصرار على بقائه أسيرًا فى سجن "الإسلاموفوبيا" ظلمًا وبهتانًا وزورًا»؟

ودعا فضيلة شيخ الأزهر فى ختام كلمته التاريخية إلى تبرئة الأديان كافة من تهمة الإرهاب، وربط بصراحة كاشفة تُحسب له بين الإرهاب والسياسات الدولية الجائرة، التى تعتمد التسلط والهيمنة والكيل بمكيالين.

الكلمة فى مجملها بالنسبة لى، كباحث سياسى، كانت بمنزلة محاكمة تاريخية للنظام العالمى وقواعده الظالمة، التى تلعب دورًا بارزًا فى تأجيج الصراعات وتفرز الإرهاب وغيره من الظواهر التى تقض مضاجع الأمن والاستقرار العالمى.

لقد نجح الأزهر الشريف من خلال هذا المؤتمر أن يستعيد قدرًا كبيرًا من تأثيره ومكانته، ويجب أن ننوه هنا أن هناك بيئة عالمية مواتية لتحقيق تقارب تاريخى بين الأديان، بالنظر إلى ما أبداه فضيلة الأزهر، والبابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، من مواقف تاريخية تكشف عن وعى حضارى هائل، وتسامح دينى عميق.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg