| 17 يونيو 2024 م

رجائى عطية.. يكتب: دور ومنهاج الأزهر بين الحقيقة والافتراء!

  • | الجمعة, 12 مايو, 2017
رجائى عطية.. يكتب: دور ومنهاج الأزهر بين الحقيقة والافتراء!

لم يتخل الأزهر الشريف قط عن واجبه فى الاجتهاد والتجديد بعامة، وعن واجبه فى تجديد الخطاب الدينى بخاصة، وهو واجب ينهض به الأزهر من واقع مسئوليته، ولم يتوان قط عن القيام بهذه المهمة، سواء فيما يدرسه بباحته وفى جامعته ومعاهده، وفى مجلاته ومطبوعاته، أو فيما يصدر عن مشيخته ومجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء، فضلاً عن دار الافتاء، وما يؤديه علماؤه كل فى مجاله فى كل سانحة تتيح هذا البيان وتتيح وصوله إلى الناس.

ومن المؤكد أن كثيرين ممن يتهجمون على الأزهر بغير حق، لا يحيطون علماً بهذه الجهود المتواصلة التى لا تتوقف قط، وربما كان لبعضهم العذر فى الحجب الإعلامى الذى داخلت بعض أركانه وزواياه أغراض ملبوسة، تحجب جهود الأزهر وتشوش عليها، وتستقبل بالأحضان هجمات جهولة مغرضة، تفتقد الصدق والإخلاص، مثلما تفتقد العلم والدراية.

مجمع البحوث الإسلامية وبعض جهـوده

وقد حدا هذا الواقع الإعلامى، بأمانة مجمع البحوث الإسلامية إلى إصدار مجلد ضخم فى نحو ستمائة صفحة، يتضمن كدفعة أولى قرارات وتوصيات المجمع منذ إنشائه عام 1383 هـ / 1964م، حتى عام 1437 هـ / 2015 م، والتى بلغت فى تلك الفترة (568) قراراً وتوصية، تصدت بالإيضاح والبيان لتصويب كثير من المفاهيم أو العادات المغلوطة وردها إلى الصواب الذى يتفق مع صحيح الإسلام.

وإذ لا يتسع المجال للتعريف بكل هذا العمل الضخم الذى استغرق سنوات ومئات من الصفحات، فلا بأس من الإشارة لبعض القضايا المهمة التى تناولتها القرارات والتوصيات بالبيان.

من هذه التوصيات، تمثيلاً لا حصراً، دراسة ومناقشة مشروع قانون الأحوال الشخصية فى يونيو 1985 واقتراح تعديل وتبديل بعض مواده، وأخرى عما يجب أن يتوفر لمن يتصدى للافتاء من أهلية للترجيح بين الأدلة، فإن فاته ذلك وجب عليه الالتزام برأى الجمهور المتفق عليه إعمالاً للقواعد الأصولية.

وإصداره بياناً شاملاً فى أغسطس 1995 بشأن المؤتمر الدولى الرابع المعنى بالمرأة والمنعقد فى بكين فى سبتمبر من ذلك العام، والتصدى لما جاء ببرامجه من ابتداع أنماط شاذة للحياة تتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية، واتخاذ التحريف سبيلاً لنشر وتعميم إباحة العلاقات الجنسية بغير ضوابط، وإباحة علاقات المثليين بل وزواج بعضهم ببعض، فيتزوج الذكور بالذكور، والإناث بالإناث، وبلا تحريم أو نهى عن الزنى واللواط والسحاق وما يفضى إليه ذلك من فجور، والحط من الدين واعتباره عقبة فى سبيل هذه الحرية، إلى آخر ما شاع وعرف عن هذه الميول الشاذة التى كان مطلوباً أن توافق عليها الحكومة وأن تقتحم مجتمعاتنا، فكرر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف رفضه لهذه البدع، وتمسكه بما كان قد فصله بمناسبة مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية، ودعوته الدول والشعوب إلى رفض هذه الدعوات التى تخالف الشريعة الإسلامية وسائر الأديان السماوية، وتتناقض مع قيمها الاجتماعية والثقافية الراسخة، وتؤدى إلى تقويض نظام الأسرة، وإطلاق الحريات الجنسية على خلاف ما تأمر به جميع الأديان.

ومن المسائل التى تصدى لها وقدم لها الحلول «حمل المغتصبة»، وقيامه بشجب العدوان الحاصل فى أبريل 1999 على مواطنى «إقليم كوسوفو»، واعتداء الصرب على الأطفال الصغار، وعلى أعراض النساء، وعلى المستضعفين، وتجريدهم من ممتلكاتهم وإحراق مساكنهم، وهدم بيوتهم.

وتصديه فى مايو 1999 لظاهرة الزواج العرفى والتحذير من مغبة ضياع حقوق الإناث فيه، وتحذير الفتيات من الوقوع فى وهدة زواج لا يضمن لهن حقوقهن، ودعوته السلطة التشريعية لسن قانون يعاقب على عدم توثيق الزواج، وما يؤدى إليه من ضياع الحقوق.

وتصديه فى مارس 2001 رعايةً لحقوق الإنسان للنهى عن الضرب والتعذيب لحمل المتهم على الاعتراف، وعدم إقرار ما يسفر عنه.

لا مصادرة فى الأزهر.. وإنما إيضاح وهدايةودعـوة للصـواب

اعتاد البعض أن ينسب بغير حق إلى الأزهر الشريف ومؤسساته، مصادرة الكتب والمؤلفات، وهذه تهمة باطلة، مسرفة فى البطلان، فلا الأزهر ومؤسساته يفعلان ذلك، ولا القانون يسمح به، وكل ما يمكن أن ينهض به الأزهر، أن يجيب بالإيضاح على ما يتلقاه من أسئلة، وأن يبين مواضع الصواب والخطأ إن كان.

ومن العجب العجاب أن يُنْسَبَ إلى الأزهر مقاضاة الدكتور نصر حامد أبوزيد، وهذه فرية جهولة، لأن الذين قاضوه نفرٌ من زملائه والمحتكين به، ولم يكن للأزهر أى دور فى مقاضاته!.

ومن المفتريات الجهولة على الأزهر، اتهامه بمصادرة كتاب «أبى آدم» للدكتـور عبدالصبور شاهين، وهو ممن قاضوا الدكتور نصر حامد أبوزيد، ثم دارت الأيام دورتها، فإذا بمن زاملوه فى تكفير الدكتور نصر، يكفرونه هو على هذا الكتاب، ولكن البعض يعن له أن يزج بالأزهر فيما لا علاقة له به، فلا الأزهر كفرَّ الدكتور عبدالصبور شاهين، بل من المعروف أن الأزهر يجافى تماماً منطق التكفير، ولا الأزهر صادر كتابه «أبى آدم».

بل إن للأزهر موقفاً غاية فى الحكمة والرشد والهداية فى هذه القضية، لم يكفر فيه الدكتور عبدالصبور شاهين، ولا صادر كتابه، وإنما دعاه إلى مناقشة حرة مفتوحة فى رحاب الأزهر الذى ينتمى إليه الدكتور شاهين، قوامها المناظرة الموضوعية وبيان الرأى والحجة، وبالحكمة والموعظة الحسنة.

ودعونى أنقل إليكم ما جرى من حوار بين الأزهر وأحد علمائه حول هذا الكتاب، من واقع المسجل بمجلد «قرارات وتوصيات» مجمع البحوث الإسلامية.

الأزهر والدكتور عبدالصبور شاهين

كان كتاب الدكتور عبدالصبور شاهين «أبى آدم: قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة»، قد أثار ضجة كبرى كَفَّره فيها من زاملوه بالأمس ضد الدكتور نصر حامد أبوزيد، فعقد مجمع البحوث الإسلامية جلسة طارئة فى 20/5/1999 للنظر فى مذكرة لجنة العقيدة والفلسفة بشأن هذا الكتاب، والتى عرضت لتقريرين: أحدهما: لفضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور/ عوض الله حجازى، والثانى: لفضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور/ عبدالمعطى بيومى. وموجز فكرة الكتاب، حل التناقض الظاهرى من واقع القراءة القرآنية المتأملة بين عمر البشرية طبقاً للكشوف العلمية والبالغ ملايين السنين، وبين ما ورد فى الكتب السماوية عن قصة بداية الخلق بآدم وحواء، والتى ترجعها رواية التوراة إلى نحو سبعة آلاف سنة، وتقوم فكرته على ملاحظة استعمال القرآن المجيد لكلمة «بشر» وحالات ودلالات ومعانى استخدام هذه الكلمة، ثم عرض استعمال القرآن لكلمة «الإنسان».. لينتهى المؤلف باجتهاد يعرضه إلى أن «البشر» لفظ عام لكل مخلوق على الأرض يمشى منتصب القامة على قدمين، بينما «الإنسان» لفظ خاص بكل من كان من البشر مكلفاً بمعرفة الله وعبادته.. فكل إنسان بشر، وليس كل بشر إنساناً. وإنه لأمرٍ ما نرى القرآن لا يخاطب البشر وإنما يخاطب الإنسان.

ونرى أن مجمع البحوث لم يسارع إلى رأىٍ فيما سئل عنه، وإنما شكل لجنة مناقشة لا للحكم أو المصادرة ولكن للمعرفة، مكونة من ثمانية من كبار علمائه فى شتى التخصصات، وأوكل إلى الدكتور عبدالصبور مرزوق الاتصال بالدكتور عبدالصبور شاهين، لتحديد الزمان والمكان للقائه مع اللجنة، على أن يعرض حاصل الحوار والمناقشة على المستشار محمد بدر المنياوى عضو المجمع، لصياغته فى ضوء المناقشات وما عساه يبدى فيها.

اجتماع ورأى مجمع البحوث الإسلامية

فى جلسة عقدت بمشيخة الأزهر يوم الأربعاء 30 يونيو 1999، وبعد تدارس المجمع لكتاب «أبى آدم: قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة»، تمت دعوة الدكتور عبدالصبور شاهين مؤلف الكتاب للحوار مع لجنة من المجمع برئاسة فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر وحضور كل من:

1ـ فضيلة الأستاذ الشيخ / سامى محمد متولى الشعراوى أمين عام المجمع.

2ـ فضيلة الأستاذ الدكتور/ أحمد كمال أبوالمجد.

3ـ فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبدالصبور مرزوق.

4ـ فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبدالعاطى محمد بيومى.

5ـ فضيلة الأستاذ الدكتور/ محمد رأفت عثمان.

6ـ فضيلة الأستاذ الدكتور/ مصطفى الشكعة.

وبعد حوار ومناقشة علمية موضوعية، استغرقت نحو ساعتين مساء يوم 19/7/1999 أوضح المجمع رأيه فيما أستأذن القارئ الكريم فى أن أنقله إليه بنصه:

«إن الموضوع الذى درسه المؤلف فى كتابه، موضوع يتعلق بخلق الإنسان من بداية هذا الخلق، وعلاقة الإنسان بما سبقه من مخلوقات، وهو موضوع يضرب فى الماضى إلى جذور بعيدة ؛ حيث لم ير أحد بدء هذا الخلق، ولذا يقول الله تعالى: «مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً»  (الكهف 51).

ولذلك لم يكن هنالك من مصدر سوى ما جاء به الوحى وصفاً لهذه البداية.

وقد ركز الوحى على بعض التفاصيل فى خلق آدم، مثل: كونه من تراب، وأنه بشر، وأنه فيه من روح الله، وأن الله علمه الأسماء كلها، وأسجد له الملائكة، إلى سائر التفاصيل التى ظهرت فى الوحى، على أنها ضرورة يكمل بها التصور الإيمانى لبدء خلق آدم.

ولكن بقى العقل متطلعاً إلى بعض التفاصيل الأخرى، التى قد لا تشكل ضرورة، ولا ركنا من أركان ذلك التصور، الذى أراده الله لعباده فى هذه المسألة، مثل ما كان قبل آدم من مخلوقات، وهل سبقته أوادم أخرى، مشتبهة معه، أو مختلفة؟ وهل كانت هذه المخلوقات مكلفة، تعلم الأسماء، أم أن آدم أول من كلف وعلم الأسماء كلها؟، إلى آخر هذه التفاصيل، التى لا تشكل أركاناً أساسية فى التصور العقدى.

ولذلك كثرت الاجتهادات والمحاولات والآراء حول هذه التفاصيل وغيرها، وكان محور المعلومات التى حصلتها الإنسانية عن هذه الموضوعات النظرة الإسرائيلية، والنظرة العلمية، ثم المعلومات التى جاء بها القرآن والسنة، وكان بعض المفسرين والمحدثين قديماً يفهم النصوص الإسلامية فى ضوء النظرة الإسرائيلية، وبعض المفسرين والمحدثين حديثاً يفهم هذه النصوص نفسها فى ضوء النظرة العلمية، مما جعل الباحث يحاول هو الآخر أن يُدْلِىَ بدلوه، وهو يهدف كما يقول: إلى انتزاع العقل المسلم، من براثن النقول الإسرائيلية المحشوة بالخرافات، المنافية لكل ما هو عقل وعلم ونور.

ويصف المؤلف محاولته تلك بأنها: «محاولة لفهم النصوص التى جاءت فى القرآن الكريم، وهى قطعية تروى وقائع قصة الخلق، وأيضاً للتوفيق بين التصوير القرآنى والاتجاه العلمى فى تصوير الحياة البشرية على هذه الأرض، ولا حرج علينا كما يقول ما دمنا ندَّعى قداسة النصوص المنزلة، وما دُمنا لا نخالف معلوما من الدين بالضرورة، وما دمنا نقدم رؤيةً عقلية تحترم المنطق، وتستنطق اللغة من جديد، وتدعم إيمان المؤمنين بما ينطوى عليه كتاب الله من أسرار قد تكون خفيت عن بصائر ذوى التمييز».

فهو كما نرى ينطلق من رعاية قداسة النصوص المنزلة، ولم يغبْ عن ذهنه أن نصوص القرآن والسنة، قطعية الثبوت وأنه لا يخالف كما قال معلوماً من الدين بالضرورة ؛ ولذلك حدَّد منهجه فى ثلاث ركائز، وهى:

جل اعتماده على القرآن واستنطاقه آياته.

الاستعانة بالحديث النبوى مما يساعد على جلاء المعنى القرآنىّ.

الالتزام دائماً بإقرار المبادئ الأساسية، التى تقوم عليها القصة، وهىّ: الأرضية، الترابية، البشرية، الربانية.

يقول بالنص (ص 12):

«لقد كان جُلُّ اعتمادنا فى عرض قصة الخليقة، على استنطاق آيات القرآن، باعتبارها المصدر الأول والأوثق، الذى ينبغى اعتماده فى هذا المجال، واستعنا بقليل من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما ساعدنا على جلاء المعنى القرآنى، وكان التزامنا دائماً، بإقرار جملة من المبادئ الأساسية، التى تقوم عليها القصة، وهى:

الأرضية:

فحياة آدم وموته وما وقع بينهما، كل ذلك من وقائع الأرض وأحداثها، تسليماً بحقيقة قرَّرها القرآن فى هذا الصَّدد فى آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: «وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأرْضِ نَبَاتاً» (نوح 17)، وقوله: «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى» (طه 55).

الترابية:

فقد خلق الله الخلق من التراب الأرضى وعناصره المعروفة، لا فرق فى ذلك بين مؤمنٍ وكافرٍ، ورجلٍ وامرأةٍ، وهو ما قررته آيات كثيرة من مثل قوله تعالى: «فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ» (الحج 5)، وقوله: «أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ» (الكهف 37)، وقوله: «إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ» (آل عمران 59).

البشرية:

وهى حقيقة بدأ بها وجود الإنسان، كما تقرر فى خطاب الله سبحانه للملائكة، قـال: «إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّى خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ « (ص 71)، وقد كان البشر فى نظرنا نقطة البدء، فى وجود الإنسان الذى خلق من سلالة من طين.

الربانية:

بما ميز الله به الإنسان من النفخ فيه من روحه، قال تعالى: «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى» (ص 72).

وبما طلب منه أن يحقق الربانية، بإخلاص العبودية لوجهه سبحانه، قال تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ» (الذاريات 56)، وقال: «وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ» (آل عمران 79). وهذا هو ما يلخص حقيقة الإنسان وتعريفه بالاعتبار الوجودى والعلوى، فهو: «مخلوق أرضىّ ترابىّ بشرىّ ربانىّ»، أما كونه حيواناً ناطقاً، فذلك هو التعريف الذى وضعه المناطقة، باعتباره ضمن حركة الحياة، متميزاً عن غيره من المتحركات الأرضية. فهو يسلم إذن بأركان القصة كما وردت فى القرآن والسنة، منْ أنَّ آدم مخلوق من الأرض ومن التراب، وأنه بشر، وأنه ربانىّ نُفخ فيه من روح الله.

ثم يقول: «فإذا كان الذين فكروا فى هذا القصة متفقين على هذه المبادئ الأساسية، فإن اختلافهم لن يعدو أحياناً بعض التفاصيل التى لا يضر مثلها فى تصور الإطار العام للقصة، وإن كانت هناك تفاصيل أخرى، لم يتطرق إلى مناقشتها السابقون، تفرد هذا العمل بمناقشتها، واستخراج نتائج حاسمة منها، أرجو أن يرضاها القارئ الذى يتتبع خيوطها».

ولعل الفكرة المحورية التى دارت عليها هذه التفاصيل الثانوية، التى أشار إليها فى كتابه، هى أن خلق البشر بدأ من طين، وهذه بداية المشروع الخلقى كما قال منذ قال الله سبحانه للملائكة: «إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّى خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» (ص 71، 72)، أى: إن البشر الأول لم يكن مسوى، بدليل قوله تعالى: «فَإِذَا سَوَّيْتُهُ «، وقوله سبحانه: «الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ» (السجدة 7 9).

ويستدل المؤلف بأداة العطف (ثم) الداخلة على «سوَّاه» فى «ثم سوَّاه» وهى للتراخى على أن التسوية لم تتم فى عملية واحدة، وإنما عبر عمليات طويلة، استغرقت أجيالاً، تحول خلالها البشر عبر سلالة، أصلها من المخلوق البشرى الأول، الذى خلق مباشرة من طين، ثم مرت سلالته، فى أدوار متعاقبة حتى ظهر منها آدم الإنسان الأول، من سلالة من طين، وليس من طين مباشرة، على غرار قوله تعالى: «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى» (طه 55)، فهو مخلوق من تراب، ومن طين، باعتبار البداية التى أشار إليها القرآن: «وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ» (السجدة 7)، وعلى أن الأجيال البشرية الأولى قبل آدم قد بادت، وظهر آدم أبوالإنسان أو أبوالناس من أبوين من البشر، فكان هو أول بشر مكلف اكتمل عنده العقل واستوت عنده اللغة، ولم يبق إلا الدين، فعلمه الله الرسالة، ومنحه النبوة، وأعطى بنيه من بعده، ملكة العقل والعلم، وألقى على كاهلهم التكليف، بحيث يتميزون مع أنهم بشر عمن سبقهم من البشر، بأنهم البشر المكلفون ؛ لأنهم العقلاء، ومع ذلك فكل إنسان مخلوق من تراب أصلاً، يتحول التراب فى جسده إلى عناصر حيوية، ثم يتكامل مع الأنثى، فيلد المولود الذى سوى ؛ لقوله تعالى: «قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً» (الكهف 37).

ومجمع البحوث الإسلامية، إذ يقف أمام هذه التفاصيل التى رآها المؤلف يراها قابلة للنقد والمناقشة، ومحلاً للصواب والخطأ.

إلا أن المجمع فى كل الأحوال يؤكد:

1ـ أن المؤلف التزم بمنهجه الذى حدده من الاعتماد على القرآن والسنة، وأن محاولته كانت قائمة على استنطاق الآيات، وتأويلها، وتحليل معانيها، بالشكل الذى فعله، معتمداً على معانى حروف العطف، ودلالات الألفاظ، وما تحمله من معانٍ فى اللغة العربية.

2ـ أنه وإن كان قد خالف ظاهر بعض النصوص، مما أهاج ضده الكثيرين، مثل: قوله تعالى عن آدم: «خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ» (آل عمران 59)، وما ورد فى الحديث النبوى فيما أخرجه البخارى، فيما روى عن النبى -صلي الله  عليه وسلم - فى حديث الشفاعة، «حيث يهرج الخلق إلى الأنبياء وأولهم آدم، فيقول له: أنت أبوالبشر، خلقك الله بيده.. ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك»، فإنه يجد فى التأويل مخرجاً له، حيث يؤول قوله تعالى: «خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ «، باعتبار البداية، التى فسرها القرآن نفسه فى آية السجدة، حيث قال تعالى: «وَبَدَأَ خَلْقَ الإِْنسَانِ مِن طِينٍ» (السجدة 7)، وقال: «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ» (طه 55).

والمعروف كما يفهم من ظاهر الآية، أننا لم نخلق من الأرض مباشرة، ولكن المعنى الذى تؤول إليه الآية: أننا مخلوقون من الأرض، باعتبار البداية الأولى، وباعتبار الفهم الذى اهتدى إليه من آية سورة الكهف، كما يجد فى تأويل قوله: «أنت أبوالبشر»، أى المعنى: أبوالبشر المكلفين، والناس جميعاً، رغم كونهم أناساً، منهم بشر أيضاً، لم تنزع عنهم صفة البشرية، الممتدة فيهم منذ المخلوق البشرى الأول، إلى آخر الدهر. بل قد يعتمد المؤلف هنا على ما رواه البخارى أيضاً، فى رواية أخرى لهذا الحديث فى قول الناس لآدم «أنت أبوالناس».

وهذا التأويل ينأى بالمؤلف عن إنكار أصل من أصول الإسلام، أو وضعه فى مخالفة معلوم من الدين بالضرورة.

3ـ ومجمع البحوث الإسلامية وواجبه بنص القانون تجديد الثقافة الإسلامية لن يصل إلى هدفه الأساسى، إلا بإفساح المجال لمحاولات الاجتهاد والتجديد، طالما التزمت بالعقائد، وبما عُلم ضرورة من الدين، ومن ثَمَّ لا يريد المجمع أن يصد محاولات الاجتهاد والتفكير ؛ بل يريد أن يكون مسانداً للعلم، ومناصراً للاجتهاد، المراعى لضوابط البحث العلمى، والمجمع يمارس ذلك فعلاً، بما يقدمه من دراسات وأبحاث لكبار العلماء المتخصصين فى العلوم الإسلامية. كما أن المجمع بهذه المناسبة، يؤمن بأن الأمة الإسلامية، فى أشد الحاجة فى كلّ وقتٍ وفى هذا الوقت بالذات إلى الاجتهاد ودعم المجتهدين ؛ لكى يمدوا الأمة بالفكر الجديد، والفقه الجديد، الذى يلبى حاجاتها، ويرشد مصالحها ؛ استنارةً بكتاب الله، واهتداءً بسنة نبيه -صلي الله  عليه وسلم -، والتزاماً بهما دون تنازل عن ثوابت الشريعة، وأصول العقيدة، ودون أى تفريط فى الإيمان بالله.

ولتكن محاولة الأستاذ الدكتور/ عبدالصبور شاهين، نموذجاً لموقف مجمع البحوث الإسلامية.

فبالرغم من أنها تحتوى على آراء، ربما يتفق المجمع مع بعضها، ويختلف مع بعضها الآخر، إلا أنه يراها لم تخالف أصلاً من أصول الدين، ولم تنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، فليفسح لها السبيل أمام الحوار العام، والمناقشة فى ساحات العلم، لا فى ساحات القضاء وإجراءاته، فذلك هو السبيل الوحيدة.

وبعـد فهذا هو منهج الأزهر، وهذا هو أسلوبه وعطاؤه، آية بذاته على بهتان التهجم الذى يجرى بغير علم، وبغير حق!

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg