| 22 يونيو 2024 م

مواطنون لا كفار

  • | الأحد, 21 مايو, 2017
مواطنون لا كفار
أحمدالصاوي

لم يتفق المصريون على دين واحد، لكنهم اتفقوا على العيش فى هذا الوطن، مثلهم مثل سائر الشعوب فى مشارق الأرض ومغاربها.. الوطن سفينة واحدة تخص جميع ركابها، والعقائد شتى تخص أتباعها، ومصيرها ومصير المؤمنين بها عند الله الواحد.

كل العقائد فاسدة عند من لا يعتنقونها، وكلها كذلك صحيحة عند من يعتنقونها، لكن هؤلاء وهؤلاء مَن يؤمنون بعقيدتك ومَن لا يؤمنون، بينهم قاسم مشترك بالمعنى الإنسانى فى كونهم بشر مهمتهم العمران والتعايش والتعارف بحسب ما أرادت مشيئة خالقهم، وبالمعنى المصلحى باعتبارهم أبناء وطن واحد يشتركون فى كونهم مواطنين حتى وإن اختلفت أديانهم.

الكُفر ليس المسألة.. فالمسيحى كافر عقيدياً فى عقيدة المسلم، والمسلم من أولئك الذين لا خلاص لهم فى عقيدة المسيحى، المسألة فيما يمكن أن يترتب على هذا التكفير من اعتقاد عام بأنه جريمة يحق لكل «مؤمن» أن يتصدى لها لتطهير الأرض من كل الكفار، والأديان كلها حتى لو نظرت لغير المؤمنين بها باعتبارهم خارجين عن العقيدة الصحيحة، إلا أنها حفزت على التعايش بين الناس جميعاً، ولم توجب عقوبة على الآخرين لمجرد اختلافهم، ولم تدعو لقتل أو نهب أو إيذاء فى غير موضع اعتداء.

هنا يكون الكُفر «نسبى» فى شخصية كل شخص حسب عقيدة من ينظر إليه وإلى إيمانه، لكن المواطنة «ثابت»، وفى المجتمعات الحديثة التى تظلها دولة وطنية مدنية يتقدم الثابت على النسبى، ونصبح جميعاً مهما اختلفت أدياننا مواطنين أولاً وأخيراً، قد يكون منا المسلم ومنا المسيحى ومنا المنتمى لهذه الطائفة أو تلك، لكن جميعنا مواطنون مصريون، الأصل أن نتمتع بحقوق وواجبات متساوية بلا تمييز أو تهميش أو إقصاء.

هذا الطرح الذى يعزز التعايش فى الوطن الواحد يمتد بجذوره فى عمق تاريخ المسلمين إلى حيث كانت دولة المدينة برئاسة «النبى صلى الله عليه وسلم»، وتسنده نصوص قرآنية واضحة تحتفى بالتنوع وتحفز على التعارف والتعايش، وتتحدث عن ترك مصير الآخرة لله وحده، فيما يرتكز الأزهر الشريف على كل ذلك وهو يتحرك فى قلب تلك المفاهيم ليعززها بفهم واسع ومستنير، وشرح واع، وإلمام كامل بالعصر ومفاهيمه وتحدياته.

الذين يطلبون من الأزهر أن يجدد خطابه نوعان، الأول يعترف بما جرى ويثنى عليه ويطلب المزيد، والثانى يتجاهل كل شىء، ويكيل للأزهر وإمامه كل اتهام فى مفردات الاتهامات الرائجة إعلامياً، منهم من يرى الأزهر عقبة فى طريق الدولة المدنية، وهو نفسه الذى استنجد بالأزهر وبوثيقته التاريخية التى تدعم الدولة المدنية الدستورية القائمة على المواطنة الكاملة فى ظرف تاريخى ملتبس كادت البلاد أن تدخل فيه نفق التشدد الدينى فى كل شىء. وإذا كانت قضية المواطنة تفرض نفسها باستمرار ويتصاعد هذا الفرض مع كل انفلات إعلامى، يصبح من العجيب تماماً تجاهل تنبه الأزهر وشيخه الإمام الأكبر وبشكل مبكر لكل ذلك، وما بذله من جهد لإعادة بناء المفاهيم سواء فى مكافحة الإرهاب أو تعزيز الدولة المدنية أو المواطنة بوثائق وإعلانات مكتوبة وحوارات ممتدة تمثل تغييراً كبيراً فى اتجاه إعادة تصحيح مفهوم الإسلام حول هذه القضايا، ومنها إعلان الأزهر للمواطنة والتعايش المشترك، الذى خرج فى الأول من مارس الماضى ليشكل ارتكازاً حقيقياً لتغيير فكرى كبير، ولو أن فى مصر من يهتم ويركز فى مثل هذه القضايا قدر تركيز الأزهر، لتلقف هذا الجهد وبنى عليه، أو مد له يد العون أو على الأقل كف عنه الأذى حتى يواصل طريقه المرسوم.

يريد البعض من الأزهر أن يمارس كل الأدوار فيما يشكون بعدها من «توغل المؤسسة الدينية»، لكن الأزهر فى تلك الحقبة يستشعر دوره التاريخى ويبادر بنفسه ويشق طريقاً بين المتطرفين العلمانيين والدينيين الذين يمثلون وجهين لعملة واحدة، ويفتح أبواب الحوار مع مَن يعرفون قيمة الحوار وآدابه، ويتحدثون فى الموضوع دون شخصنة أو استهداف للمؤسسات، ويواصل دوره بمحاربة صريحة وواضحة للتكفير أيا كان المستهدف من هذا التكفير، والسعى لإعداد قانون لمكافحة الحض على الكراهية والعنف والتمييز.

لدينا الآن أزهر مشتبك مع قضايا مجتمعه، على رأسه إمام أكبر يرسخ منهجاً للمجتمع كله، يعيد صياغة أفكاره ويقول للمصريين كلهم «أنتم مواطنون لا كفار»، وللبشر كلهم أنتم «أخوة فى الدين أو الإنسانية»، وهو منهج ستأتى ثماره يوماً، حين يذهب الزبد جفاء ويبقى ما ينفع الناس ويمكث فى الأرض.

أحمد الصاوي

طباعة
كلمات دالة: ضد التكفير
Rate this article:
3.0

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg