| 17 يونيو 2024 م

الدكتور جمال سعد محمود يكتب "هذا هدي": حرية العقيدة فى الإسلام

  • | الإثنين, 12 يونيو, 2017
الدكتور جمال سعد محمود يكتب "هذا هدي": حرية العقيدة فى الإسلام

خلق الله الإنسان وجعله كائناً مكلفاً مسئولاً عما يصدر عنه من أقوال وأفعال وذلك لما أودع فيه من العقل الذى ميزه به على سائر المخلوقات الأخرى، ولولا ذلك لكان الحيوان خيراً منه.

وقد جاء الإسلام ليضمن الحرية للإنسان، جاء ليطلق حريات الناس ويحميها من العبث والإكراه، سواء فى ذلك الحرية الدينية والسياسية والفكرية لأن الحرية دعامة لجميع ما سنه الإسلام من عقائد، ولأنها إحدى مقومات الشخصية الرئيسية وأساس أى مجتمع إنسانى سليم.

ولقد مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مكة ثلاثة عشر عاماً يدعو إلى الله على بصيرة ويؤسس عقيدة، فلم يرفع سيفاً ولم يشهر رمحاً فى وجوه أعداء الدين الجديد، وإنما كان شعار دعوته: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن» النحل الآية: 125، وقوله تعالى: «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن» سورة العنكبوت: 46.

فالرسول صلى الله عليه وسلم إذاً لم يدع الناس إلى الدين الجديد بالعنف أو السيف أو الإجبار، وإنما دعاهم إلى الإسلام بالرفق واللين والحب والإقناع، فقد جاءت العقيدة الإسلامية مبنية على الإقناع والحرية، وقد أرسى القرآن الكريم هذه العقيدة فقال: «لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى» البقرة: 256.

من هنا وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتفى بتبليغ دعوته وبيان الحق لليهود والنصارى، ولكنه لم يجبرهم على قبول هذا الحق، بل تركهم أحراراً إما أن يستمروا على عقيدتهم، وإما أن يسيروا فى طريق الحق طائعين مختارين، ذلك أن الإسلام عقيدة ولا يمكن أن يقبله إلا من يقتنع به فهو ليس مجرد كلمة تقال باللسان أو شعائر تؤدي بالأبدان بل أساسه إقرار القلب وإذعانه وتسليمه، وحرية العقل واقتناعه، والمسلمون مكلفون بتبليغه إلى الخلق فقط، فإن منعوا من تبليغ دعوتهم إلى الناس أمروا بالقتال للدفاع عن تبليغ الدعوة للناس وهنا لا يكون الأمر إكراهاً للناس على الدخول في الدين، وإنما دفاع عن اعتداء وقع على أصحاب هذا الدين يتمثل فى منع المسلمين من دعوة الناس، أو منع الناس من الدخول فى العقيدة الإسلامية.

كما يتضح لنا أيضاً من الآية سالفة الذكر أن الحق بين وأن كل إنسان حر فى اتباع أحد الطريقين ومسئوليته أمام الله تترتب على حرية اختياره هذه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» الكهف: 29.

ويؤكد هذه الحقيقة قوله تعالى: «ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» يونس: 99.

فقد بينت الآية أنه كان بإمكانه تعالى أن يجعل الناس جميعاً مؤمنين لولا أن هذا يتعارض مع الحكمة الإلهية من خلقهم فقد خلقهم الله ورتب العقول فيهم، ووضع أمام حواسهم وعقولهم مختلف الآيات والدلائل التى تدل على الله تعالى وتشير إلى العقيدة السليمة، والناس بعد ذلك مخيرون فى أن يؤمنوا أو يضلوا، وإذا كان الإسلام قد ترك الحرية للناس جميعاً فيما يعتقدون فإنه أيضاً قد ترك لهم الحرية المطلقة فى ممارسة الشعائر الدينية، فقد كانت مؤمنة فى الإسلام بشكل لم يعرف له مثيل فى أى دين أو نظام آخر، فالرسول الكريم يدعو إلى تركهم وما يدينون، واليهود والنصارى يترددون على كنائسهم وبيعهم فى ظل الدولة الإسلامية ولم يعرف أن حاكماً مسلماً هدم كنيسة أو أقفل بيعة أو حولها إلى مسجد، بينما يعرف تاريخ الحكومات الأخرى أمثلة كثيرة منع فيها المسلمون من ممارسة شعائرهم ولقد بلغ الإسلام فى سماحته أن جعل من حق زوجة المسلم اليهودية أو النصرانية أن تذهب إلى الكنيسة أو المعبد ولم يسمح لزوجها أن يمنعها من ذلك، وعلى ضوء ما سبق نستطيع أن نقول إن الإسلام منح الإنسان الحرية فيما يعتقد ليكون مسئولاً مسئولية دينية وأخلاقية عن تصرفاته، ورتب على هذه المسئولية الثواب والعقاب فى الحال والمآل، ومع أن الرسول صلي الله عليه وسلم كان حريصاً على دخول الناس جميعاً فى دين الله ودعوته المستمرة لأعداء الدين الجديد رجاء إسلامهم، إلا أن الله تعالى عاتبه لانصرافه عن الذين يبتغون وجه الحق للحق لأن الله تعالى سبق فى كلمته أن أولئك المعارضين للدين الجديد لم يؤمنوا مهما شاهدوا من الآيات والمعجزات، وقد سجل القرآن الكريم هذه الحقيقة، يقول عز من قائل: «ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شىء وما من حسابك عليهم من شىء فتطردهم فتكون من الظالمين» الأنعام: 52.

ويقول تعالى أيضاً في حق المعارضين للدعوة: «وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغى نفقاً فى الأرض أو سلما فى السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى» الأنعام:35.

وهكذا نجد الإسلام قد اهتم بالحرية اهتماماً عظيماً وأعلى من شأنها بحيث لا نجد فى دين من الديانات الأخرى ولا دستوراً من الدساتير التى تحدثت عن حقوق الإنسان هذا التسامح واطلاق الحريات.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg