| 24 يوليو 2024 م

الدكتور جمال سعد محمود يكتب "كلمة حق":عناية الإسلام بقضية السلام

  • | الأحد, 18 يونيو, 2017
الدكتور جمال سعد محمود يكتب "كلمة حق":عناية الإسلام بقضية السلام
د. جمال سعد محمود

لقد اهتم الإسلام بقضية السلام اهتماماً كبيراً لا نجد له نظيراً فى قانون من القوانين الوضعية، وليس أدل على ذلك من ورود كلمتى السلام والسلم فى القرآن الكريم أربع وأربعين مرة، بينما نجد كلمة الحرب لم تُذكر فى القرآن الكريم إلا فى ستة مواضع فقط، وهذا إن دلنا على شيء  فإنما يدلنا على أن السلام هو الأصل فى العلاقات بين الأفراد والشعوب، وأنه يحقق رخاءها واستقرارها، وأن عالماً بدون سلام هو عالم مضطرب تسوده الفوضى وتسفك فيه الدماء ويعتدى على الحرمات وينتشر فيه الإرهاب، والتاريخ والواقع شاهدان على ما أقول، وقد تأصلت قضية السلام فى الإسلام لتشمل جميع جوانبه سواء فى الكون والإنسان والطبيعة بحيث تجتمع عقيدة الإسلام وشريعته وجانبه الخلقى على السلام والدعوة الحقيقية إليه، فالسلام جزء لا يتجرأ من الإسلام والسلام اسم من أسماء الله الحسنى ويدل على ذلك قوله تعالى: «وهو الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام» سورة الحشر الآية:23. كما أنه تحية أهل الجنة قال تعالى: «والله يدعو إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم» سورة يونس: 25.

كما نجد القرآن الكريم يحث على السلام ويرغب فيه ويرفض الحرب والتنازع والفرقة ومن الآيات الدالة على هذا المعنى قوله تعالى: «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم» سورة الأنفال: 61.

أى إن مالوا إلى المسالمة والمصالحة والمهادنة فمل إلي ذلك كما وقع فى صلح الحديبية لما طلب المشركون الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أجابهم النبى صلى الله عليه وسلم إلى ذلك مع ما اشترطوا عليه من الشروط رغبة فى السلم والمسالمة، كما أكد الإسلام على التعايش السلمى بين الناس جميعاً مهما اختلفت عقائدهم وديانتاهم على أساس من البر والإحسان إليهم يقول عز من قائل: « لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» سورة الممتحنة:8.

كما نجد الرسول صلى الله عليه وسلم عندما فتح مكة لم يفتحها محارباً ومقاتلاً بل فتحها على أساس من إقرار السلام ومما يؤكد هذه الحقيقة قول الرسول صلى الله عليه وسلم « يا معشر قريش ما تظنون أنى فاعل بكم قالوا خيراًً أخ كريم وابن أخ كريم قال لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء» وعندما هاجر النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أقام المجتمع الجديد على أساس من الإخاء بين المهاجرين والأنصار بما تحمله هذه العبارة من معانى المودة والمحبة والسلام بين أفراد المجتمع كما عقد صلى الله عليه وسلم فى المدينة معاهدات بين المسلمين والمخالفين لهم في العقيدة لنشر السلام بين أفراد المجتمع، ومما يدل على عناية الإسلام بالسلام أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يهدى الناس إليه ويدلهم عليه فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من البشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم علي المسلم حرام، دمه وماله وعرضه»، هذا يدل على السلام والمسالمة والمصالحة بين الناس، ثم لم يقتصر الإسلام على ذلك بل حتى فى الحالات التى تصبح فيها الحرب أمراً واقعاً وشراً لا بد منه وضع الإسلام القواعد والأسس العملية التى من شأنها أن تخفف من أهوال الحرب ويقتضيها الموقف الدفاعى، فنهى عن قتل المرأة فى بيتها والصبى فى مهده والراهب فى معبده والفلاح فى مزرعته والمريض فى فراشه، وبذلك حصر القتال فى ميدان الحرب لا يتعداه إلى غيره من الآمنين الوادعين بل فى ميدان القتال نفسه نهى عن التمثيل والتعذيب بالتحريق وغيره يقول الله تعالى: «وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» سورة البقرة: 19، وروي عبد الله ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان، وروي ابن عباس أنه عليه السلام كان إذا بعث جيوشاً قال: «لا تقتلوا أصحاب الصوامع» أى الرهبان.

ونظراً لأهمية هذه القضية فى واقعنا المعاصر مكافحة الإرهاب ورفض الغلو والتطرف وترسيخ ثقافة الحوار بين الأديان فإن الأرهر الشريف بقيادة فضيلة الإمام الأكبر يقوم بجهد كبير فى هذا الشأن وليس أدل على ذلك من هذا المؤتمر العالمى الذى انعقد الشهر الماضى لنشر السلام العالمى بناء على دعوة فضيلة الإمام الأكبر لبابا الفاتيكان لزيارة مصر لحضور هذا المؤتمر ليعم السلام أرجاء العالم، واعتقد أن فى انعقاد هذا المؤتمر دلالة واضحة على أن الأديان السماوية ترغب فى السلام وتدعو إليه وتأبى الإرهاب والتدمير.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg