| 24 يوليو 2024 م

رجائي عطية.. يكتب: تجديد الفكر الإسلامي وتجديد التراث فى فكر ومنهاج وخطاب الأزهر الشريف وشيخه الجليل "4 - 5"

  • | الأحد, 18 يونيو, 2017
رجائي عطية.. يكتب: تجديد الفكر الإسلامي وتجديد التراث فى فكر ومنهاج وخطاب الأزهر الشريف وشيخه الجليل "4 - 5"
رجائى عطية

اتخذت المدرسة عنواناً لها «التراث والتجديد» محبذةً إيّاه عن عنوان: «تجديد التراث»، مفضلةً أن تقف بمشروعها تحت تسمية ذات دلالة مقصودة هى: «التراث والتجديد».

ونفهم من هذا أن هناك فارقاً جوهريًّا بين المسمّيين، فتجديد التراث يعنى التعامل مع التراث القديم كحقيقة موضوعية قابلة للتجديد مع المحافظة على الأصول الثابتة، ومؤدى هذا التمييز بين الأصول والثوابت من ناحية، وبين المتغيرات من ناحية أخرى، فتستبقى الأصول والثوابت كما هى، وتنطلق فى ضوء ذلك إلى تجديد المتغيرات، راميةً من خلال هذه وتلك إلى إجراء حركة التطور المصطلح على تسميتها: «الأصالة والمعاصرة».

إلاَّ أن التجديد بهذا المعنى لا يتفق أو لا يحقق أهداف مقصود مدرسة «التراث والتجديد»، ذلك أن التراث لديها هو نقطة البدء، أما التجديد: فهو إعادة تفسير التراث حسبما تقتضى متطلبات العصر وحاجاته. فالتراث هو الوسيلة، والتجديد هو الغاية.

وعلى ذلك فالتراث وفقاً لهذه المدرسة، ليس هدفاً ولا إطاراً تتحرك فى إطاره حياتنا المعاصرة، بقدر ما هو «وسيلة» خاضعة لإعادة التفسير أو إعادة البناء من أجل تطوير الواقع وحل مشكلاته.

وغنى عن البيان أن هذه النظرة تجرد التراث من كل قيمة ذاتية أو خصائص ثابتة، سواء على مستوى الأصول أو مستوى الفروع. وعلى ذلك فإن القيمة الوحيدة المتبقية للتراث وفقاً لمفهومها هى مدى قدرته على تقديم «نظرية علمية فى تفسير الواقع والعمل على تطويره «، فإذا كان التراث وسيلة، والتجديد غاية، فإن الأليَق أن يتخذ المشروع عنوان: «التراث والتجديد».

التراث عند مدرسة

 «التراث والتجديد».

التراث فى منظور هذه المدرسة، ليس هو المستوى المادى المتمثل فى الكتب المطبوعة والمخطوطة، ولا هو حقائق نظرية موجودة، أو حقائق جاءت سلفاً لتغيير الواقع، بحيث لو شكل الواقع خطراً عليها وجب الدفاع عنها فى مواجهته.

ومثل هذا التصور للتراث ينبنى فيما أبدى الدكتور الطيب على نظرة انفصامية مرفوضة من أصحاب هذا المشروع، ومن هنا حرصوا على استبعاد هذين المستويين من مفهوم التراث، فلا هو كتب ومخطوطات، ولا هو حقائق مجردة مستقلة متلقاة من مصدر يتعالى على مستوى واقعنا، بل التراث هو: «المعبّر عن الواقع الأول (الذى كان) والذى هو جزء من مكوناته».

وعلى ذلك فإن التراث بهذا المعنى الذى تتبناه هذه المدرسة، هو «المخزون النفسى للجماهير» أى الشعب، وبذلك يتسع مفهوم التراث إلى مفهوم الثقافة الوطنية أو الثقافة القومية، على تصور أن الشعوب تحفظ تراثها الشعبى قدر حفظها تراثها الدينى، فالناس يطربون للمطربين، ويطربون لسماع القرآن، بما مؤداه أن الوجدان القومى أو المزاج الشعبى يتكون من رافدى الفن الدينى والفن الشعبى، وهو ما تبناه الدكتور حسن حنفى فى مؤلفه «الدين والثقافة الوطنية».

ولن يخطئ القارئ التسوية المقصودة فى هذا النظر بين الدين والفنون الشعبية فى تكوين نفسية الجماهير أى الشعب، وأن الأغانى أو قصص الهلالى مثلا، تقف جنباً إلى جنب مع الدين وراء وعى الجماهير المسلمة وسلوكياتهم وتوجهاتهم.

وليس يفوت أيضاً فيما أبدى فضيلة الدكتورالطيب أن هذه التسوية (المعتسفة) تهدف إلى تحطيم متعمد «للمقدس» فى نفوس الجماهير، ومع أن هذا النظر يدعى الأحقية فى الحديث عن الجماهير والدفاع عنها، إذا به يتناسى أن ذات هذه الجماهير فكرها وشعورها ووجدانها ومخزونها النفسى يرفض رفضاً لا مراء فيه هذا الخلط بين الدينى والشعبى: وأنها لا تعرف فنًّا دينيًّا بالمعنى الذى يصوره صاحب «التراث والتجديد» وإنما تعرف ديناً له قدسيته وحرمته فى القلوب والعقول، وتعى تماماً الفرق الذى يتخطاه صاحب هذا النظر المعتسف، بين الدين كحقائق إلهية، وبين القصص أو الفن الشعبى أيًّا كان مصدره.

المفهوم الغريب يناقض نفسه!

ومن العجب أيضاً أنه بالرغم من تأكيد صاحب «التراث والتجديد»  على أهمية الفنون الشعبية حتى وازاها فى خطورتها بالدين فى وعى الأمة وثقافتها، فإنه صمَتَ صمْت القبور عن «الفنون الشعبية»، ولم ير أنها مسئولة من قريب أو بعيد عن الواقع المتردى للجماهير، فى الوقت الذى يحمل فيه على التراث الدينى، ويعزو إليه التأثير كله ويحمّله وحده كامل المسئولية عن كل ما أصاب الأمة فى العصر الحديث من جهل وفقر وتخلف.

وعلى ذلك فإن القارئ لن يحتاج إلى ما يؤكد أن هذا التنظير الذى يساوى بين الدين أو القرآن الكريم، وبين الفنون الشعبية فى هذا الموضع لا يمتُّ بأى صلة إلى مبادئ التحليل العلمى الذى يتسق فيه استنباط النتائج من مقدماتها، ويكشف عن أن مقصود هذه المحاولة هو محض «خلخلة قدسية الدين» فى نفوس الناس، ليصير مجرد معطى تاريخى لا إلهى قابل برمته لإعادة التشكيل!!!

التراث والواقع عند مدرسة «التراث والتجديد».

رأينا أن التراث فى مفهوم تلك المدرسة لا يستمد قيمته من مصدره المفارق أو المتعالى على الواقع، وإنما يستمد قيمته من كونه حاكياً أو عاكساً لواقع معيَّن، بل واعتبار الواقع ذاته جزءاً فى ماهية هذا التراث، وليس موضوعاً يتنزل عليه التراث ويؤثر فيه.

والنتيجة الحتمية لهذه النظرة هى «محدودية التراث» فى فترة تاريخية عبَّر عنها وتعامل معها، وعلى ذلك فإذا تخطاها الواقع وجب طبقاً لمنظورها تغيير محاور التراث، وإعادة تشكيلها حسب أنماط التغير الاجتماعى الجديد، حتى ولو أدى ذلك إلى محاور تراثية جديدة تناقض محاور التراث القديم!

ويرفض صاحب «التراث والتجديد» أن يتسرب إلى الذهن أن التراث يؤثر فى واقع الحياة ويربطها بالمفاهيم الكلية الثابتة فى التراث بعد إعادة تشكيل المفاهيم المرنة وتطويعها، وإنما يحرص على الإفصاح عن أن عملية التغيير تتم لصالح الواقع والتراث له تبع، لأن الواقع حسبما يرى «هو المصدر الأول والأخير لكل فكر».. أيًّا كان هذا الفكر أو مصدره!

وينقل فضيلة الدكتور الطيب نصوصاً بنصها لصاحب هذا الاتجاه، تؤكد هذا الفهم القائم لديه بشأن علاقة التراث بالواقع.. ومما قاله:

ـ «ليس التراث موجوداً صوريًّا له استقلال عن الواقع الذى نشأ فيه. بل هو تراث يعبّر عن الواقع الأول الذى هو جزء من مكوناته» !!

ـ«التراث إذاً ليس له وجود مستقل عن واقع حىّ يتغير ويتبدل ويعبرّ عن روح العصر، وتكوين الجيل ومرحلة التطور التاريخى»!!

ـ «ليس التراث مجموعة من العقائد النظرية الثابتة والحقائق الدائمة التى لا تتغير، بل هو مجموعة تحقيقات هذه النظريات فى ظرف معين، وفى موقف تاريخى محدد، وعند جماعة خاصة تضع رؤيتها، وتكوّن تصوراتها للعالم»!!

ـ «التراث ليس له قيمة فى ذاته إلاَّ بقدر ما يعطى من نظرية علمية فى تفسير الواقع، والعمل على تطويره «!!

ـ «فالتراث القديم (!!!!) هو أيضاً جزءٌ من الواقع ومكوناته النفسية »!!

ـ والواقع: «هو المصدر الأول والأخير لكل فكر (؟!)، والقيم القديمة التى حواها التراث جزء من هذا الواقع»!!

وهذه النصوص تعكس فى صراحة ووضوح خطة يصير التراث فى ضوئها إلى مجرد مصدر مادى هو الواقع، مع تعميم الحكم على هذا التراث أيًّا كان وأيًّا كان مصدره، وهذا مفهوم لا يغيب مرماه!!!

ويتضح ذلك بجلاء فى ركائز للنظرية لا يفوت مغزاها!

أولهـا: فى ارتباط التراث الإسلامى القديم بواقعه الذى نشأ فيه ارتباطاً عضويًّا!!

وثانيها:         فى أن الواقع هو مصدر هذا التراث، فالتراث على ذلك تابع لا متبوع!!

وثالثها:          فى أن التراث جزء من الواقع، وعلى ذلك فالقرآن والسنة وفقاً لهذا المنظور المعكوس جزء من الواقع، وليسا مصدراً قدسيًّا مقدساً لتغيير الواقع الذى كان!!

ورابعها:       أن التراث بتعميم خطير!!! ليس حقيقة موضوعية دائمة، وإنما تعبير عن موقف تاريخى محدد  وعن تصور معين لجماعة خاصة.

وهنا يقرع فضيلة الإمام الأكبر الدكتور الطيب الأجراس للتنبيه إلى النتائج الخطيرة جداً المستهدفة من تقرير «أصالة الواقع وتبعية التراث»، فالدين إذن وبكل مصادره!! تابع لا متبوع، ومن ثم يصير من المسموح بل اللازم فى مراد النظرية أن يكون للمجتمع الجديد «تراث جديد» يعبر عن الواقع الجديد الذى يعيشه المجتمع، أما التراث القديم بتعميم شامل مقصود والمرتبط مرحليًّا!!! بواقع مضى وذهب وتولّى، فقد مضى زمانه وتخطاه التاريخ المعاصر وخلّفه وراءه!!

ثم تفصح هذه النظرية، بل وتؤكد فى عدة مواضع، أن هذا التراث القديم (المرفوض!)

لا يزال يشكل بكل أبعاده النسيج الداخلى لأفكارنا وتصوراتنا ومشاعرنا.

ولست أميل إلى طرح احتمالات لمقصود هذا الاتجاه، فهو دعوة واضحة وصريحة إلى انتزاع مكانة الدين من العقائد والأفكار والتصورات والمشاعر، وإحلال بديل يضاد التراث الإسلامى بكل مصادره وأصوله ومشتملاته.

تساند متهافت مغلوط

ولا يجدى صاحب هذه النظرة، تسانده إلى علم «أسباب النزول» وعلم «الناسخ والمنسوخ»، لاعتساف القول بأن التراث فى سبب النزول أو فى النسخ كان تابعاً للواقع ملبياً له، ولم يكن مؤثراً فيه!!!

وعلى مقتضى هذه النظرةٍ فى فهم صاحبها فإن الوحى نزل حسب متطلبات الواقع، أى طبقاً لأسباب النزول، وليصل من ذلك إلى الهدف المقصود، أن الوحى ليس كتاباً أُنزل مرة واحدة مفروضاً من عقل وإرادة إلهية ليتقبلها ويلتزمها جميع البشر، بل هو وقد نزلت آياته منجمة إبان ثلاثة وعشرين عاماً مجرد مجموعة من الحلول لبعض المشكلات اليومية، بل إن كثيراً من هذه الحلول كانت مجرد استجابة لمقترحات من الفرد أو الجماعة ثم أيدها الوحى أو استجاب لها. وهذا فى نظر صاحب هذه الاتجاه هو معنى «أسباب النزول»!!!

ويفوت صاحب هذه النظرة، فى هذه القفزة (الخطيرة)، أنه لم يكن لكل آية من آيات القرآن سبب نزول، وأن القرآن الكريم نزل على قسمين: قسم نزل ابتداءً، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال، وأن نزول الذكر بمناسبة أو عقب واقعة أو سؤال لا يعنى أنه استجابة أو تلبية، وإنما أراد به الشارع الإلهى فرض الحكم الذى يلتقى فى الغاية مع القسم الأول الذى نزل ابتداء من القرآن.

أما القول بأن القرآن الكريم نزل «طبقاً لأسباب النزول، وتبعاً لإمكانيات تقبله»، فإنها قالة مغرقة فى الخطأ، لم يعرفها تراث الإسلام، بل ويأباها هذا التراث فيما يبدى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور الطيب وينكرها أشد الإنكار ؛ ولذلك لم يستطع القائل بهذا اللغط أن يدعمه بشىء ذى بال من أقوال العلماء، بل دارت كتاباته فى إطار الأمانى التى عز عليه تحقيقها، لأنها فى واقعها نقيض الأصل الذى جاء يحدثنا عنه!!!

وغنى عن البيان الذى ما كان يفوت صاحب هذا اللغط، أن هناك خلطاً نَبَّهَ إليه الجلال السيوطى فى كتاب «أسباب النزول»، بين تفسير الآية وسبب نزولها، فاعتقد البعض على غير فهم صحيح أن تفسير الآية سببٌ أو مناسبةٌ لنزولها، ومن هذه الأمثلة التى تمثل بها الجلال السيوطى أن قصة قدوم أبرهة الحبشة واستهداف الكعبة، لم تكن سبباً لنزول سورة الفيل، وإنما أخبرت السورة بحوادث وقعت قبل النزول بل وقبل البعث بسنين عديدة، ومن ثم فهى ليست من أسباب النزول، بل من باب الإخبار عن وقائع ماضية، وعلى مثل ذلك جاء ذكر قصص الأنبياء مع الغابرين من أقوامهم، كقوم نوح وعاد وثمود، وكقصة يوسف عليه السلام مع إخوته ثم مَقدمهم وأبيهم يعقوب إلى مصر.

وعلى ذلك فليس صحيحاً ما يقال إن أسباب النزول استوعبت الكتاب الكريم، وتحكمت فى نزوله، ناهيك بالقفز إلى أنها نزلت لمتطلبات الواقع واستجابة له، وإنما الصحيح أن قدراً كبيراً جداً من القرآن الكريم نزل ابتداءً بلا أسباب أو مناسبات أو مقتضيات من الواقع، ولا كان إجابةً على أسئلة.

ويذكر الإمام الأكبر الدكتور الطيب أنه إذا كان نزول بعض الآيات قد تزامن مع مناسبات أو حوادث جزئية، فإن آيات التوحيد لم ترتبط أو تقترن بشىء من ذلك، وأن التزامن مع الحوادث يقتضى فى أصول البحث العلمى واستقامة المقاصد التمييز بين التفسير، وبين المناسبة أو السبب، فضلاً عن تعدد المناسبات والأسباب التى يقال إنها تزامنت مع نزول آية أو آيات، مما يضعنا أمام حكمٍ نزل لا مجرد استجابة لمناسبة أو سبب.

وأعتقد كما أفصح الدكتور الطيب، أنه لم يكن ليفوت صاحب هذه النظرة، القاعدة الأصولية التى تقرر أن «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، وأن هذه القاعدة الأصولية تنسف من الجذور محاولة ربط القرآن بالواقع ربط معلول بعلة.

القرآن الكريم، حاكمٌ لا محكوم!

والذى لم يكن ليفوت صاحب هذه النظرة المعتسفة، أن الحقيقة الخالصة والبسيطة التى يعلمها العلماء والمخلصون، أن القرآن الكريم موجّه للواقع ومؤثر فيه وحاكم عليه، ولم يكن قط محكوماً بغير أمر الله وإرادته.. وأنه لا يقدح أو ينال من ذلك أن تكون آية أو آيات قد تزامن تنزيلها مع حادثة أو مناسبة أو سؤال، فلم يكن شىء من هذه الحوادث أو الوقائع بعلة فى نزول آية أو آيات من القرآن. وغنى عن البيان أن لغط النظرية يقلب مبادئ الاستدلال والقواعد والأصول، ويقلب قواعد فهم القرآن رأساً على عقب، ويصادر الدين ومصدره المقدس مصادرة تؤدى إلى هدم الدين، وغرضها الواضح استبعاد القرآن الحكيم استبعاداً تاماً فيما أسمته النظرية «مشروع النهضة والتجديد»!!!

وقد حرص فضيلة الإمام الأكبر الدكتور الطيب على إبداء أنه لا يتهم صاحب «التراث والتجديد»، وإنما سجل فقط ما ظهر له فى قراءة المشروع من تناقض لا مفر من الوقوع فيه لمن يريد أن يُنْسب القرآن الكريم إلى مصدرين معاً: مصدر إلهى ومصدر مادى فى وقت واحد، فإذا لم يرفض الباحث أو ينكر أن القرآن كان وحياً، فإنه لا سبيل أمامه لرد الأمور إلى مصادر مادية تؤثر فى القرآن وتتحكم فيه والعياذ بالله ولا تتأثر به وتنزل على حكمه الإلهى المقدس!

وبصراحة لا محيص عنها، أستأذن فى إبداء أنه يجب على الباحث - أى باحث - أن يحدد ابتداءً موقفه من القرآن الكريم، هل هو «بشرى»، أم هو «وحى إلهى»، فإذا سلّم بأنه وحى إلهى، فلا مفر أمامه من التسليم بتأثير القرآن فى الواقع، وليس التأثر به فى إيراد أحكامه الإلهية!

هذا ولم يشأ الدكتور الطيب أن ينبه إلى القاعدة الأصولية بغير دليل، فاستعرض أقوال أئمة فى الفقه والتفسير، لبيان معيار التفرقة والتمييز فيما يعد من أسباب النزول وما لا يعد كذلك، وليضع أمام القارئ أنواعاً خمسة من الأسباب التى صحت أسانيدها:

النوع الأول: ما يتوقف فهم الآية على العلم بسبب النزول، وهذا هو النوع الوحيد الذى ينطبق عليه أنه سبب نزول، وهو يستلزم من المفسر علماً صحيحاً به يمَكّنه من الفهم والتفسير.

النوع الثانى: حوادث نزلت فيها تشريعات وأحكام، لكن هذه الحوادث وأمثالها «لا تبين مجملاً، ولا تخالف مدلول الآية بوجه تخصيص أو تعميم أو تقييد، ولكنها إذا ذُكرت أمثالها، وجُدت مساوية لمدلول الآيات النازلة عند حدوثها». وواضح أن هذا النوع ليس سبباً مؤثراً فى نزول القرآن، وإنما هو داخل ضمن توجيهات الآيات النازلة بعد هذه الحوادث.

النوع الثالث: حوادث متكررة تختص بشخص معين، فتعلن الآية المنزلة شأنها وتبين أحكامها، وتتوعد من يقترفها، ومعظم المفسرين يقولون عند تفسير هذا النوع من الآيات: «نزلت فى كذا»، يريدون بذلك الإشارة إلى الأحوال التى تشير إليها. وهذا القسم أكثر من ذكره أهل القصص وبعض المفسرين لحكمة لا تفوت.

النوع الرابع: حوادث لم يرتبط بحدوثها نزول شىء من القرآن، ولكن فى آياته السابقة أو اللاحقة ما يناسب معانى هذه الحوادث، «فيقع فى عبارات بعض السلف ما يوهم بأن تلك الحوادث هى المقصودة من تلك الآيات، مع أن المراد أنها مما يدخل فى معنى الآية».

وأورد الإمام الأكبر قول الزركشى فى «البرهان فى علوم القرآن» (1/32، 33): «عرف من عادة الصحابة والتابعين أنه إذا قال نزلت الآية فى كذا، فإنه يريد أن الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب فى نزولها»، وبمثل ذلك قال الجلال السيوطى فى «الإتقان فى علوم القرآن» (1/83).

النوع الخامس: حوادث تبين معانى مجملة فى الآية، أو تدفع أمراً متشابهاً فيها، أو تبين مناسبات الآيات، وهى على كل هذه الأحوال ليست أسباباً للنزول.

وقد عقب الإمام محمد طاهر بن عاشور، صاحب كتاب التحرير والتنوير وأحد أئمة تفسير القرآن الكريم فى العصر الحديث عَقَّب على هذه الأقسام فيما أبدى الدكتور الطيب بقوله: «هذا وإن القرآن كتاب جاء لهَدْى أمة والتشريع لها، وهذا الهَدْى قد يكون وارداً قبل الحاجة، وقد يكون مخاطباً به جميع قوم على وجه الزجر أو الثناء أو غيرهما، وقد يكون مخاطباً به جميع من يصلح لخطابه، وهو فى جميع ذلك قد جاء بكلياتٍ تشريعية وتهذيبية». (التحرير والتنوير 1/50).

خلاصة

ويعتذر فضيلة الإمام الأكبر الدكتور الطيب للقارئ إذا كان قد أطال عليه فى شىء يعرفه، ولكنه أراد أن ننتهى إلى أن «أسباب النزول» فى تراثنا القديم لا تعنى كما يقول صاحب

«التراث والتجديد» ربط الوحى الإلهى بالواقع، كما لا تعنى تعديل الواقع حسب الوحى، ولا يفهم من أسباب النزول أن الوحى ليس مجموعة من الحقائق الثابتة الدائمة، أو أنه تفسير لظرف معين أو موقف تاريخى محدد وعند جماعة خاصة، بل إن الذى يُفهم من أسباب النزول بعد تمحيصها الواجب وتصحيح رواياتها أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ومن الغريب اللافت أن صاحب «التراث والتجديد» الذى جعل الوحى تابعاً للواقع الذى نزل فيه، وبذل جهداً شاقًّا من أجل تمرير ذلك وترويجه، يتنكر لذلك فى مواضع عديدة أخرى فى مشروعه، بما يؤدى إلى الحيرة والدوار لمعرفة ما يريده ويتبناه، بتناقضات تنفى ما تثبته، وتثبت ما نفته، ثم يعود فيهدم ما أثبته، ليتبنى ما نقضه فى موضع أخر، فيما أسماه بعض المعلقين على المشروع «رقصة المتناقضات !!» ، وعلى ما سوف يتجلى أكثر فى باقى فقرات هذا المبحث ، مما لابد لكل باحث من الإلمام به حتى يشق طريقة الصحيح فى التعامل مع تجديد التراث.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg