| 24 يوليو 2024 م

الدكتور طه أبو كريشة.. يكتب: الإسلام وأدب الحوار

  • | السبت, 11 نوفمبر, 2017
الدكتور طه أبو كريشة.. يكتب: الإسلام وأدب الحوار
د. طه أبو كريشة

الحوار الكلامى هو وسيلة التواصل الحياتى بين أفراد المجتمع على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية ومستوياتهم الثقافية، ومراحلهم العمرية، فى أى مجال من مجالات الحياة، داخل البيت وخارجه، وفى أى مكان من أماكن العمل، وفى أى وقت من الأوقات، إن الحوار هو مظهر الحياة وهو الدليل عليها، وهو القاعدة التى تؤسس عليها القرارات، وتبنى عليها المشروعات، وتتم من خلاله العلاقات الإنسانية على أساس من المحبة والوداد والتآخى والتفاهم والرشاد. ومن أجل تحقيق هذه الغايات وغيرها فإن الإسلام من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة أولى الحوار كثيراً من التوجيهات التى تضع الضوابط والأسس التى تحقق للحوار ثمراته المرجوة التى تكون من ورائها المنفعة العامة، والصلاح المشترك بين الأفراد وفئات المجتمع.

ومن هذه التوجيهات ما جاء خاصاً بحسن اختيار الموضوع الذى يتم فيه الحوار بين من أقاموا حواراً حوله من أجل الوصول إلى رأى مشترك فى الحكم على هذا الموضوع بالقبول أو عدم القبول، أو فى توضيح معالمه الإيجابية التى تجعله مصدراً من مصادر الخير لجميع أفراد المجتمع. إننا نرى التوجيه إلى إحسان اختيار موضوع الحوار فى قول الله عز وجل «يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذى إليه تحشرون، إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون» المجادلة 9-10، وكذلك فى قول الله تعالى «لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً» النساء 114، فالموضوع الحوارى يجب أن يكون من دائرة البر والتقوى، وليس من دائرة الإثم والعدوان، وكلمة البر والتقوى لا تطلق إلا على كل موضوع دعا إليه الإسلام، وكان مؤدياً إلى غاية الطاعة لله عز وجل، واختيار الموضوع من هذه الدائرة هو الذى يؤدى إلى إحسان إدارة الحوار بين المتحاورين حوله، وفى تبادل الرأى على نحو بعيد عن التعصب والتحامل والتعالى. ومن الأمثلة على الموضوع الذى يكون من دائرة البر والتقوى ما جاء فى الشاهد الثانى من الأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس، وهى أمثلة يقاس عليها غيرها من أبواب الفضائل التى دعا الإسلام إلى الالتزام بها فى الحياة، ومن غير شك فإن الحديث عن الفضائل يتضمن الحديث والحوار حول نقائضها من الرذائل فى إطار الحديث القائم على النهى عنها وبيان مساوئها، فما من فضيلة تلتزم إلا وتتضمن رذيلة تجتنب فى السلوك الإنسانى الرشيد.

هذا فيما يخص إحسان اختيار الموضوع الذى ينتسب إلى البر والتقوى، وإذا كان الحديث عن الموضوع يكون من خلال لغة كلامية تعبر عنه فإن الإسلام وضع لهذه اللغة ضوابط إيمانية يجب أن يلتزم بها المتحدث، فإذا كان الموضوع محكوماً عليه بالبر والتقوى فإن لغته تابعة له فى الحكم عليها بالبر والتقوى، ولا يصدق هذا الحكم إلا إذا كانت الكلمة من دائرة الكلام الطيب الحسن الحميد، تنفيذاً للأمر الربانى العام فى قول الله تعالى «وقولوا للناس حسناً» البقرة: 83، وفى قوله سبحانه «وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن» الإسراء: 53، مع تجنب نقائضها من الكلام السيئ الذى جاء النهى عنه فى قول الله عز وجل «لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعاً عليماً»، النساء: 128، ومن أمثلة هذا النهى ما جاء فى قول الله تعالى «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب» الحجرات: 11.

إننا فى لحظاتنا الحاضرة نرى غياباً ملحوظاً فى بعض وسائل الإعلام مقروءة أو مسموعة أو مرئية تبعاً لتنوع مصادرها، نرى هذا الغياب فى إيثار الحديث حول الموضوعات التى تنتسب إلى دائرة الإثم والعدوان وليس إلى دائرة البر والتقوى، مع ما فيها من خدش للحياء وانتهاك للأعراض. كما نرى هذا الغياب متمثلاً فى لغة الحوار التى تكون من قاموس اللغو والبهتان وسوء القول مع ما يصاحبها من حركات جسدية آثمة وأصوات صادمة عالية، إن الطامة الكبرى فى مثل هذا الحوار المنحرف أنه ينطلق من منابر على أرض الإسلام دون رادع من قانون. وتلك هى الخيانة الكبرى.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
5.0

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg