| 10 ديسمبر 2022 م

د. محيى الدين عفيفى.. الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية .. يكتب : الأخوة الإنسانية فى المنظور الإسلامى

  • | الأحد, 16 ديسمبر, 2018
د. محيى الدين عفيفى.. الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية .. يكتب : الأخوة الإنسانية فى المنظور الإسلامى

 

إن الأخوة من القيم الإنسانية والاجتماعية التى دعا إليها الإسلام، ليعيش الناس متحابين مترابطين متواصلين، يجمعهم شعور أبناء الأسرة الإنسانية الواحدة قال تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيراً ونساءً واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا» النساء - 1.

لا توجد دواع يمكن أن تجعل الناس يعيشون متناكرين متقاطعين متدابرين يكره كل منهم الآخر، أو يعمل على إلغائه؛ لأن الأصل أن يتعارف الناس ويتآلفوا ويتعاونوا وأن يحب كل منهم الآخر، قال تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير» الحجرات- 13. قصد هذه الآية «التسوية بين الناس، فلا وجه للتفاخر والتفاضل فى النسب فأنتم جميعا تنتسبون إلى أصل واحد».

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف فى حجة الوداع وقال: «يا أيها الناس ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا الله، كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟» هذا نداء للإنسانية للمحافظة على الأرواح والأموال، ولصيانة حياة الإنسان كل إنسان دون النظر إلى دينه أو مذهبه أو لونه أو جنسه، وللمحافظة على كرامة الإنسان الذى كرمه الله تعالى «ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا» الاسراء - 70.

فالإنسان مكرم عند الله لإنسانيته وليس لشىء آخر، إن رسول الله قال: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربى على عجمى، ولا لعجمى على عربى، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى».

إن الإسلام يهدف إلى بناء الإنسان الصالح الذى يشعر بإنسانيته بعيدا عن العصبيات وأنواع الفرز العنصرى أو التصنيف للناس، إن أحكام الشريعة الإسلامية التى تتعلق بالعلاقة بين المسلمين وغيرهم داخل المجتمع الإسلامى وخارجه، تعكس منظورا تتجلى فيه قيمة المساواة بين الناس، ولن تجد أبدا فى هذه المعاملة أو العلاقة تعاليا أو كبرا، أو اشمئزازا أو كراهية، بل على العكس من ذلك ستجد رحمة وبرا وعدلا وقسطا. والهدى فى معاملة غير المسلمين قوله تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» الممتحنة - 8. وفيها أن الله تعالى لا ينهى المؤمنين به أن يبروا ويحسنوا إلى كل من سالمهم فلم يقاتلهم معتديا على حريتهم الدينية، ولم يخرجهم من ديارهم.. ففى هذه الآية منهج يحقق السلام الاجتماعى بين الناس، فلسنا - المسلمين - مطالبين فقط شرعا برحمة الإنسان أيا كانت عقيدته، بل نحن مطالبون أيضاً باعتقاد مساواته لنا إنسانيا، وأحقيته شرعا فى المعاملة الكريمة اللائقة بالإنسان؛ لأن الإسلام هو رسالة الرحمة؛ والرحمة فيه للعالمين»، قال تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» الأنبياء - 107.

إن النبى صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودى، فقال: «أليست نفسا؟».

إن هذه المعانى الإنسانية تؤكد على أن الأخوة الإنسانية فى نظر الإسلام تعد رابطة قوية، فالإنسان أخو الإنسان، واختلاف الدين والمذاهب والطائفة والفكر لا يمنع من التعايش المشترك المبنى على الاحترام المتبادل والعمل الذى يحقق مقاصد الشريعة الإسلامية وفى حماية النفس والمال والعرض والدين والنسل.

إن الأخوة نوعان: أخوة إنسانية تحدثنا عنها آنفا، ويبقى النوع الثانى من الأخوة وهو الأخوة الإسلامية التى تحدث عنها القرآن الكريم أيضاً فى قوله تعالى: «إنما المؤمنون إخوة» الحجرات - 10. وقال صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» ولا يوجد اختلاف بين هذين النوعين من الأخوة؛ لأن الأخوة الإنسانية أخوة البشر كافة، فهم إخوة بعضهم لبعض بحكم العبودية لله والبنوة لآدم، وقد قال على بن أبى طالب - رضى الله عنه- «الناس صنفان: إما أخ لك فى الدين، أو نظير لك فى الخلق». إن أخوة المسلمين أخوة دينية خاصة لا تتنافى مع الأولى إذ لا تنافى بين العام والخاص.

لأجل ذلك أراد الإسلام أن يعمق روابط الأخوة بين المسلمين فجعل لها عناصر من أبرزها:

المساواة: فلم يقسم الإسلام الناس على أساس طائفى وطبقى أو مذهبى أو سياسى أو اقتصادى، بل قام بإلغاء كل هذه الفوارق وأعلن للناس هذه الحقيقة: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير» الحجرات - 13، فالخالق واحد، والمادة التى خلق منها الجميع واحدة، لا تفاوت إلا بالتقوى، والتقوى إنما يكرم الإنسان بها عند الله، ولا يجوز لأحد أن يقول: أنا تقى فأكرمونى، لأن جزاء التقوى فى الآخرة.

لقد قرر النبى صلى الله عليه وسلم مبدأ المساواة فى حجة الوداع فقال: يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربى على عجمى، ولا لعجمى على عربى، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى».

إن النبى صلى الله عليه وسلم أراد أن يصحح فهم الصحابة وفهمنا لتقويم الناس حينما مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما تقولون فى هذا؟» قالوا حرى إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع، قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: «ما تقولون فى هذا؟» قالوا: حرى إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا» فأراد النبى صلى الله عليه وسلم أن يصحح المفاهيم التى تترسخ فى عقول فئات كثيرة من الناس، وأن يبين لهم أن الإسلام لا يعول على المعايير المادية من المال، أو الجاه، أو الحسب، أو النسب، أو المنصب، أو غير ذلك مما يُقيّم الناس على أساسه، وبين لهم أن ما يعول عليه عند الله هو التقوى والصلاح وطهارة النفس ونقاء القلب فقد قال صلى الله عليه وسلم: «رب أشعث، مدفوعا بالأبواب لو أقسم على الله لأبره»

إن المساواة التى تقوم عليها الأخوة فى الإسلام مساواة مطلقة لا تهتم بالعنصرية ولا الجنسية، ولا الانتماء إلى أى فصيل أو أى إقليم «كلكم لآدم وآدم من تراب». وإن من عناصر الأخوة: المحبة لأن الأخوة تعنى المحبة، تعنى الإحساس بأحوال الناس بمشكلاتهم بآلامهم وبطموحاتهم. قال صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، لا يؤمن أى لا يتحقق له الإيمان الصادق. وقد يرتقى الحب إلى درجة الإيثار، وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا وصف الله الأنصار «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون» الحشر - 9.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكد على أهمية الشعور بالناس وبواقعهم وبمشكلاتهم والسعى فى تخفيف معاناتهم فقال صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضى عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا». هذا بيان من النبى صلى الله عليه وسلم للمواقف العملية الحقيقية التى ينبغى أن تكون فى حياة الناس، فالتدين الحقيقى يترجم إلى سلوك، إلى إحساس بمعاناة الفقراء والبؤساء، من خلال سعى من فهموا الإسلام فهما حقيقيا فتحول فى حياتهم إلى مواقف عملية تهدف إلى نفع الناس وتخفيف معاناتهم ومواساتهم، وإدخال السرور عليهم، وتفريج كرباتهم، ومساعدتهم فى قضاء حوائجهم، وإعانة المحتاج، والسعى فى علاج المرضي؛ لأن الدين شعور اجتماعى، إحساس بالإنسان وبهمومه، إحساس بمن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، إن الغاية التى من أجلها أرسل النبى صلى الله عليه وسلم الرحمة «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين». الأنبياء - 107.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2022 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg