| 06 ديسمبر 2021 م

الإسلام والعلم الحضارة(51) .. بقلم: رجائى عطية

  • | الخميس, 16 مايو, 2019
الإسلام والعلم الحضارة(51) .. بقلم: رجائى عطية
رجائي عطية

بداهة لا تتطلع هذه السطور لدراسة الأدب العربى من شتى نواحيه، وإنما قصارى ما تتطلع إليه أن تبين أثر الأدب العربى فى ظل الحضارة الإسلامية على النهضة الأوروبية الحديثة.

على أن الحديث عن الأدب فى ظل الحضارة الإسلامية يستوجب إطلالة سريعة تبين كيف كان فى الجاهلية، وكيف صار فى رحاب حضارة الإسلام.

سلف أن أبدينا تعدد المؤلفات والموسوعات التى تدرس معالم الحضارة الإسلامية من شتى وجوهها، وماذا أنجزت وحققت فى كل أبواب المعارف والعلوم والآداب والاجتماعيات والفنون والموسيقى وفى مفهوم العقائد السماوية، وفى آداب الحياة والسلوك الإنسانى، وفى الفلسفة، وفى الأدب، وفى الجغرافيا والفلك والملاحة، وفى التاريخ، وفى العمارة والزخارف، وفى الفنون الجميلة، والموسيقى.

لعل أبرز هذه الموسوعات موسوعة الأستاذ الجليل أحمد أمين: فجر، وضحى، وظهر الإسلام، فى ثمانية مجلدات، بدأت فى الظهور منذ سنة 1929 بالقرن الماضى، وتعددت طبعاتها كثيراً لنفاستها وسبقها إلى بحث وترتيب سياق الحياة العقلية والدينية والسياسية والعلمية والاجتماعية عبر القرون منذ صدر الإسلام والقرن الأول الهجرى.

وفى آداب اللغة العربية، كتب مصطفى صادق الرافعى ثلاثة مجلدات، وأربعة مجلدات لجورجى زيدان، وستة مجلدات للمستشرق كارل بروكلمان وغيرهم. وكتب جورجى زيدان موسوعته الفريدة «تاريخ التمدن الإسلامى» فى خمسة مجلدات وصدر مجلدها الأول سنة 1910 بأوائل القرن الماضى، بعد عامين من إنشاء الجامعة المصرية القديمة، وتوالى صدور المجلدات الخمسة، وتعددت طبعاتها، وتناولت شتى صنوف وفروع ومظاهر التمدن الإسلامى، ولم تترك باباً من أبواب الاجتماع والنظام المالى والسياسى، والسلوك والعادات والتقاليد والفنون إلاَّ طرقته فى شمول واقتدار. وعلق عليها الدكتور حسين مؤنس فى تقديمه لطبعة دار الهلال، بأن أحداً من العرب لم يؤلف فى هذا الموضوع كتاباً يشبهه حتى آنذاك بل حتى الآن.

فى الجاهلية

وبدهى لم تكن الجاهلية خالية من الحياة الأدبية والحياة العقلية، بيد أن أكثر العرب فى شبه الجزيرة العربية كانوا بدواً، وتجلى فى هذا الطور فيما يقول أستاذنا الجليل أحمد أمين فى «فجر الإسلام» تجلى ضعف التعليل، وهذا الضعف فى التعليل يفسر ما ملئت به كتب الأدب من خرافات وأساطير، على أنه نبغ من العرب فى الجاهلية شعراء كبار، واشتهرت معلقاتهم التى علقت بالكعبة، ويلاحظ قارئها أن كل قصيدة من قصائدها تعرض لحادثة بعينها، قبلية أو اجتماعية: فمعلقة امرئ القيس تسجل حياته قبل أن تلم الكارثة بأبيه، التى جعلته مسئولاً عن الأخذ بثأره.

وقد حفلت هذه المعلقة بتصوير حياة اللهو التى كان امرؤ القيس يحياها قبل مقتل أبيه، وبعد مقتله. وهذا الشاعر الأمير أحد الأربعة المقدمين على غيرهم من شعراء الجاهلية، وله ديوان شعر مطبوع ومشروح.

ومن شعراء المعلقات «عنترة بن شداد»، ونبعت معلقته من الحروب القبلية بين «عبس» و«ذبيان»، والجهاد الذى تكبده عنترة لنيل حريته والدخول بنسبه إلى عالم الأحرار الذى ظلت قبيلته تذود عنه فيه.

وتجسد معلقة «زهير بن أبى سلمى» القلق والخوف اللذين يجتاحان الحياة الجاهلية بسبب الحروب القبلية، وفيها مَجَّدَ «زهير» الدعوة إلى السلام ونبذ العنف فى بيئة أحلت سفك الدماء.

ومن شعراء المعلقات: عمرو بن كلثوم، ولبيد بن ربيعة، والنابغة الذبيانى، والأعشى بن قيس، وطرفة بن العبد.

هذا ومظاهر الحياة العقلية فى الجاهلية فيما يورد الأستاذ الجليل أحمد أمين فى «فجر الإسلام» هى اللغة والشعر والأمثال والقصص، وكلها تدرج فى باب الأدب، أما العلم والفلسفة فلم يكن لهما أثر عندهم، كما لم يكن لهم عهد بالقواعد والبحث المنظم الذى يعد علماً.

اللغة

ولا شك أن اللغة دالة على الحياة العقلية فى أمتها، باعتبارها مظهراً من مظاهر عقلها، واللغة لا تخلق دفعة واحدة، وإنما تمر بأطوار متوازية مع أطوار البيئة والحياة العقلية.

وأكثر الشعر والنثر الجاهليين قد ضاع، فضلاً عن أن القبائل فى الجاهلية كانت تختلف عن بعضها فى اللهجة وفى بعض مفردات اللغة، وكثيرٌ من الألفاظ العربية فيما يقول «ابن جنِّى» فى «الخصائص» قد نُحِتَ وابتكر فى العصر الإسلامى.

وعن القرآن الكريم، يبدى أستاذنا أحمد أمين فى «فجر الإسلام» أنه مع نزوله بلغة العرب، ونصه لا يحتمل الشك، ويفيد فى التعرف على كثير من أحوال العرب، ولكن ألفاظه وتعبيراته ومعانيه لا تمثل لغة الجاهليين بأكملها، ففيه ألفاظ لم يكن الجاهليون يستعملونها، وخصص ألفاظاً لمعان لم يكن يخصصها الجاهليون، وبه استعارات ومجازات خارج الدائرة المستعملة فى الجاهلية، وله أسلوب بليغ أخاذ لم يكن للجاهليين عهدٌ به.

واللغة العربية صارت غنية بمفرداتها، وغنية باشتقاقاتها وتصريف كلماتها، ولا شك لها دلالتها على الحياة العقلية فى مجال الشعر والقصص، فضلاً عن الخطابة.

الشعر

يذهب البعض إلى أن الشعراء فى الجاهلية كانوا هم أهل المعرفة، لتأخر ظهور الفلسفة وغيرها من العلوم، ويرى الأستاذ مصطفى صادق الرافعى فى المجلد الثالث من آداب العرب أن تتبع بدايات الشعر العربى يرينا من أحوال الجاهلية تاريخاً سقيم التركيب متفكك الأجزاء، وأنه إذا كانت الآثار المكتشفة يستأنس بها كما ورد فى كتب اليونان والروم فى التاريخ، إلاَّ أن الشعر العربى لم يكن له مثل هذا الأثر، لأنه لم يكن يعنى غير أهلهم، وهم أميون، ومن ثم لم يكن للشعر فى جاهليتهم الأولى ما صار له من الشأن فى جاهليتهم الأخيرة.

ويشير إلى ما رواه الجاحظ فى كتاب «الحيوان» من أن العرب كانت تحتال فى تخليد مآثرهم على الشعر الموزون والكلام المقفى، فهو ديوان العرب فى الجاهلية.

ويقول محمد بن سلام الجمحى فى «طبقات الشعراء»، الذى كان هو وغيره موضوعاً لرسالة الدكتوراه لشيخ النقاد الأستاذ الدكتور محمد مندور عن «النقد المنهجى عند العرب». يقول الجمحى إنه لم يكن لأوائل العرب من الشعر إلاَّ الأبيات التى يقولها الرجل فى حاجته، ولم تُقَصّد إلاَّ على عهد عبدالمطلب أو هاشم بن عبدمناف، الجد الثانى للنبى عليه الصلاة والسلام.

ويرى الأستاذ مصطفى صادق الرافعى فى «أدب العرب»، ترجيح ما قيل من أن عدى بن ربيعة الملقب بالمهلهل، وهو خال امرئ القيس، هو أول من قَصَّد القصائد وذكر الوقائع فى شعره، لأنه كان على همته وشجاعته غَزلاً وزير نساء، وكان أخوه كليب بن وائل الفارس المشهور أحد الثلاثة الذين اجتمعت عليهم «معد»، فلما قتل كان قتله سبب الأيام بين بكر وتغلب، وسَيَّر فيها «عدىّ «قصائد عدة، وكان الشعر قبله رجزاً وقطعاً، فقصَّده مهلهل، ثم جاء امرؤ القيس فافتنّ به، وتوالى من بعده شعراء المعلقات كما أشرنا.

وقالة: «إن الشعر ديوان العرب» تعنى أنه مسجلٌ فيه أخلاقهم وعاداتهم، وديانتهم وعقليتهم، ومن ثم دلالته على الحياة العقلية. بيد أن الشعر لم يحظ بما حظيت به السنة بجمع ما صح منها مع نقد السند والمتن، وبيان الرواة والعناية بهم كما فعل البخارى ومسلم وغيرهما فى كتب صحاح السنة.

أجل، اختط بعض الأدباء فى الأدب سيرة الحديث، برواية الخبر معنعناً، ووضع بعض المصطلحات لرواية الأدب على نمط مصطلح الحديث، ولكنها كانت محاولات أولية لم تنضج ولم تستمر إلى النهاية، ولم تأخذ شكلها المنظم إلاَّ فى ظل الحضارة الإسلامية بعد ظهور الإسلام.

الأمثال

وللأمثال التى اشتهر بها العرب ميزة على الشعر، فى أن الأمثال تتناول فيما تتناوله ما نبع من أفراد الشعب، بينما الشعر تعبير طبقة من الناس يعدون فى مستوى أرقى من مستوى العامة.

وقد أعاق الاستفادة من الأمثال العربية، فيما يرى الأستاذ أحمد أمين أمران:

الأول اختلاط الأمثال الجاهلية بأمثال الإسلام اختلاطاً كبيراً حتى ليصعب التفريق بينهما.

والثانى أن أكثر جامعى الأمثال رتبوها على حسب حروف الهجاء، ولم يرتبها أحد حسب موضوعاتها أو أصولها الاجتماعية.

والعرب قد أجادوا فى هذا النوع من الأدب، وخلفوا لنا فيما يرى الأستاذ أحمد أمين، ما يدل على عقليتهم أكثر مما يدلنا الشعر والقصص، وقيل فى سبب ذلك إن الأمثال توافق المزاج العقلى العربى الذى يميل إلى النظر الجزئى الموضعى، لا الكلى الشامل.

القصص

كان للعرب قصص، وكانت باباً كبيراً من أبواب أدبهم، وفيه دلالة كبيرة على عقليتهم. وقد كانت هذه القصص فى الجاهلية أنواعاً. منها:

«أيام العرب» وهى تدور حول الوقائع الحربية التى جرت فى الجاهلية بين القبائل كيوم «داحس والغبراء»، ويوم «الفجار»، ويوم «الكلاب». أو التى دارت بين بعض العرب وأمم أخرى، كيوم «ذى قار»، وكان بين بنى شيبان والفرس، وانتصر فيه العرب.

وقد كانت هذه الأيام موضوع سمر العرب فى الجاهلية وفى الإسلام.

«أحاديث الهوى»، وهى كثيرة فى كتب الأدب، وما فات تدوينه فى الجاهلية، تم تدوينه لاحقاً فيما بعد.

وهناك نوع من قصص العرب أخذوه عن أمم أخرى فيما يقول الأستاذ أحمد أمين، وصاغوه فى قالب يتفق وذوقهم، كقصة شريك مع المنذر، حين أتاه رجل فى يوم بؤسه فكفله «شريك بن عمرو» وكاد يفقد حياته جراء هذه الكفالة.

هذا قليل من كثير، ما أردت به إلاَّ أن أومئ لما سوف نتناوله عن أثر الأدب والشعر فى ظل الحضارة الإسلامية فى النهضة الأوروبية.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2021 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg