| 03 يونيو 2023 م

أ.د.عباس شومان..  يكتب: تجميد البويضات والحيوانات المنوية.. رؤية شرعية

  • | الأربعاء, 25 سبتمبر, 2019
أ.د.عباس شومان..  يكتب: تجميد البويضات والحيوانات المنوية.. رؤية شرعية
د. عباس شومان

من القضايا التى تنشغل بها مواقع التواصل ووسائل الإعلام الآن، مسألة تجميد البويضات للإناث بغية إحداث الحمل متأخراً عن الوقت الملائم لتلقيحها فى أثناء العلاقة الزوجية المباشرة، لعدم وجود زواج؛ حيث لا حمل من دون تخصيب بويضة الأنثى بحيوان منوى لرجل، وقد تخشى الفتاة تقدم العمر دون الحصول على الزوج المناسب، فإذا تيسر، فربما تكون غير قادرة على الحمل بطريقه الطبيعى لبلوغها سن اليأس الذى يعنى توقف مبايض المرأة عن التبويض، وربما يكون تأخير الإنجاب برغبة من زوجة شابة لا يناسبها أو لا ترغب فى الحمل والولادة مع أنها متزوجة، وذلك رغبة فى الحفاظ على قوامها ورشاقتها، أو لأمر مرضى، أو مشكلة اجتماعية، أو غير ذلك من الأسباب.

ومثل هذا الأمر يحدث من الرجال؛ حيث يقوم بعض الرجال بتجميد بعض الحيوانات المنوية، رغبة فى استخدامها مستقبلاً لأسباب تتفق أو تختلف مع الأسباب التى تجمد المرأة من أجلها بعض بويضاتها.

وبطبيعة الحال، لم تكن مثل هذه المسائل مطروحة فى فقهنا القديم؛ حيث لم تكن معروفة وقتها، فهى نتاج تقدم التقنيات العلمية التى جعلت بين أيدى الناس كثيراً من المستجدات النافعة أحياناً والضارة أحياناً أخرى، ولذا كان من الطبيعى اهتمام العلماء فى مجالات عدة - ومنهم الفقهاء بطبيعة الحال - ببحث هذه المسائل وإبداء الرأى فيها، كلٌّ فى مجال تخصصه. وحيث إننى أنتمى إلى المجال الفقهى، فقد كتبت هذه السطور مبدياً وجهة نظرى فى هذه المسألة من الناحية الشرعية، فى حدود معرفتى ببعض الجوانب العلمية والعملية للموضوع.

وهذه المسألة فى مجملها يمكن تقسيمها إلى قسمين:

الأول: أن يتم تجميد البويضات أو الحيوانات المنوية لزوجين فى حال زوجية قائمة، لغرض علاجى كوجود مشكلة لدى المرأة فى قناة فالوب، أو لدى الرجل كضعف القدرة على إتمام الاتصال الجنسى الضرورى لوصول الحيوانات المنوية إلى البويضة فى أثناء العلاقة الزوجية بينهما؛ حيث يخضعان لعملية تلقيح بتدخل طبى كاستخدام أطفال تقنية الأنابيب التى يكون التلقيح فيها خارج الرحم داخل أنبوب معد لذلك، ثم بعد التأكد من حصول التخصيب يتم زرع البويضة الملقحة فى رحم الزوجة لتواصل نموها وتطورها حتى الولادة، وهناك أنواع أخرى كالحقن المجهرى وغيره. ولأن إجراء هذه العمليات مكلف ومجهد للمرأة؛ فإنه يتم تحفيز التبويض عند المرأة وكذا الحيوانات المنوية للرجل للحصول على أكثر من بويضة وحيوان منوى صالحين للتخصيب، ويتم التجميد فى درجات حرارة منخفضة جداً تبلغ (١٩٦) درجة مئوية تحت الصفر فى سائل نتروجين حتى قبيل إجراء عملية التخصيب؛ حيث تعاد البويضة وكذا الحيوان المنوى للحالة الحيوية التى كانا عليها قبل عملية التجميد، ويحتفظ بعينات أخرى مجمدة إلى حين التأكد من حصول الحمل، فيتم إتلاف العينات المحتفظ بها، فإذا فشلت عملية التلقيح أعيد إجراء العملية بعينة أخرى دون الحاجة لأخذ عينات جديدة من الزوجين.

وهذا النوع من التجميد للبويضات والحيوانات المنوية ليس فيه ما يتصادم مع أحكام شريعتنا الغراء؛ فهو نوع من العلاج المشروع للحصول على ذرية مقصودة من الزواج ولإسعاد الوالدين بتلك الذرية التى تعد زينة كما عبر عن ذلك قول الله تعالى: «الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا»، غاية الأمر أنه يلزم التمسك بالضوابط الشرعية المرعية التى تضمن عدم اختلاط الأنساب، وحصول الحمل على الأقل ولو فى بداية مراحله تحت زوجية قائمة بالفعل، حتى إنه لو مات الزوج بعد إجراء التخصيب وقبل زرع الجنين فى الرحم، يجب التخلص من العينات حتى المخصب منها، ولا يجوز غرسها فى رحم الأرملة لانقطاع الزوجية بموت الزوج، بخلاف ما لو غرست فى الرحم فمات الزوج بعدها بلحظة، فالحمل شرعى لا مشكلة فيه، مع ملاحظة أن هذه الوسائل المساعدة على الإنجاب ليست قادرة على إحداثه على خلاف إرادة الله عز وجل لقوله: «لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ».

الثانى: أن تلجأ فتاة ليست متزوجة لتجميد بعض بويضاتها لاستخدامها بعد زواجها خشية بلوغها سن اليأس أو مقاربته قبل حصولها على زوج، وربما تكون زوجة بالفعل ولكنها لا ترغب فى الإنجاب إلا بعد عدة سنوات لأسباب مختلفة كحفظ القوام والرشاقة، أو انشغالها بدراسة، أو عمل لا يناسبه الحمل ورعاية الأطفال، أو غير ذلك من أسباب. وعلى الرغم من أن الرجال يختلفون عن النساء؛ حيث تبقى لديهم القدرة على إفراز الحيوانات المنوية حتى مع تقدم العمر؛ فإنهم لا يعدمون أسباباً تجعلهم يلجئون إلى تجميد بعض حيواناتهم المنوية، ومنها خوف مداهمتهم بالموت قبل الإنجاب؛ حيث تتمكن الأرملة من إجراء تلقيح لبويضتها بمنى الزوج المجمد.

وهذا النوع يحتاج إلى نظرات متعمقة، واشتراك عدة تخصصات طبية تتعلق بمسائل كثيرة، ربما يكون حُسم بعضها ويحتاج بعضها الآخر لمزيد من البحث، كمعرفة تأثير عملية التجميد لفترات طويلة على حيوية البويضات، ومعرفة تأثر نمو الجنين فى رحم امرأة بلغت سن اليأس وتقدم بها العمر، وقدرتها على الولادة الطبيعية أو القيصرية دون مخاطر عليها أو على الجنين، ورأى علماء طب الأطفال فى صحة الأطفال المولودين نتيجة بويضات مجمدة لسنوات طويلة مقارنة بصحة المولودين نتيجة تزاوج طبيعى، ورأى علماء التربية وعلم النفس والاجتماع وغيرهم فى مدى قدرة المرأة التى تقدم بها العمر على رعاية طفلها فى وقت دخلت هى فيه مرحلة الشيخوخة وداهمتها أمراضها، وتأثير ذلك على المجتمع فى حال انتشار عمليات التجميد وتحوله إلى ظاهرة، وغير ذلك كثير مما يلزم الوقوف عليه قبل إقرار هذا النوع أو التفكير فى إعداد قانون ينظمه، ومع ذلك فبعض ما لا يحتاج إلى بحث ولا يُختلف حوله يجعل هذا النوع غير مستقيم من الناحية الشرعية، ومن ذلك أمور:

أولها: أن البويضات وكذا الحيوانات المنوية التى تتكون قبل الزوجية إنما خُلقت للفناء والتلف بالخروج، وحفظها مجمدة للتخصيب بعد الزواج يخالف ما خُلقت له، بخلاف البويضات والحيوانات المنوية التى تتكون فى ظل الزوجية، فهى للحمل والإنجاب، وهذه السنة الكونية إنما هى لحكمة إلهية لا ينبغى الإخلال بها؛ لأن الإخلال بها حتماً يخل بالنظام الكونى الذى نظمه الخالق جل وعلا.

ثانيها: أنه من المعلوم أن المرأة إذا بلغت سن اليأس تفقد المبايض القدرة على التبويض، وهذا يعنى فقد قدرتها على الحمل، وقطعاً لله تعالى فى ذلك حكمة تظهر من مجرد التأمل اليسير الذى يؤيده البحث الطبى، وهى تكمن فى حماية المرأة بتجنيبها الحمل الذى لا يناسبها بعد بلوغ هذه السن، وإلا فالله قادر بكل يقين على أن يجعل قدرة المرأة على التبويض مستمرة ما بقيت على قيد الحياة، ويؤكد هذا أن الرجال لا يبلغون سن اليأس هذه، بل تبقى قدرة إفراز الحيوانات المنوية والقدرة الإنجابية إلى الشيخوخة المتقدمة، وإن اعتراهم الضعف الجنسى الذى لا يرتبط بإفراز الحيوانات المنوية، والفرق واضح؛ فالرجل لا يحمل، ومن ثم فلا خطر عليه من استمرار قدرته على إفراز الحيوانات المنوية، وتجميد بويضات المرأة إذا كان المقصود منه استخدامه بعد بلوغها سن اليأس يخل بهذه الحكمة.

ثالثها: أن البويضة وكذا الحيوانات المنوية المتكونة قبل عقد الزواج لا يجوز استخدامها فى ظل عقد الزوجية؛ لأن الحمل فى الأصل يكون من بويضة وحيوان منوى تخلقا فى ظل عقد زواج يجعل من اختلاطهما أمراً مشروعاً، بخلاف اختلاطهما من دون هذا الغطاء الشرعي؛ حيث يكون حمل سفاح لا مشروعية له، ووجود عقد الزواج بعد تجميد البويضات أو الحيوانات المنوية لا يعطيهما المشروعية، بدليل أن حمل السفاح الحاصل قبل عقد الزوجية لا يستفيد من هذا العقد، بل يبقى حمل سفاح مع وجود عقد النكاح، ولا يغير من هذا الأمر أن عملية التلقيح تحدث فى ظل عقد النكاح الحاصل بعد عملية التجميد؛ حيث إن البويضات والحيوانات المنوية وُجدت قبله لا فى أثنائه.

رابعها: أن عملية التجميد قد تتم فى ظل الزوجية، كما يحدث فى الحالات العلاجية للمساعدة على الإنجاب؛ وقد لا تكون هناك مشكلة لدى الزوجة أو الزوج، ولكن يراد من تجميد البويضات والحيوانات المنوية الإنجاب مستقبلاً لخوف فقد القدرة عليه لتقدم العمر، فإذا كان الإنجاب سيحدث فى ظل الزوجية وقبل بلوغ المرأة سن اليأس فهو مقبول ما لم يكن التجميد مؤثراً على سلامة الجنين ونشأته وصحته بعد ولادته، أما إن كان المقصود خوف موت الزوج دون إنجاب - حيث يتم زرع العينة بعد الوفاة - فالحكم فيها كالحكم فى العينة المحفوظة قبل عقد الزوجية، فلا يجوز زرع هذه العينة، ويجب التخلص منها فوراً؛ لأن انقطاع الزوجية يفقد هذه العينات المشروعية.

خامسها: أن فتح هذا الباب يفتح أبواباً تهدد سلامة الأنساب التى هى أحد مقاصد شرعنا الحنيف؛ فقد تختلط العينات المحفوظة بعضها ببعض، وقد يحدث تلاعب متعمد من قبل بعض ضعاف النفوس من الأطباء الذين يقومون بسحب العينات وحفظها أو من غيرهم، وقد يحدث حمل من سفاح بعد وفاة الزوج، فتدعى المرأة أن الحمل تم بزرع عينة مجمدة منها ومن زوجها قبل الوفاة، وغير ذلك كثير مما يتذرع له، وسد باب الذرائع واجب شرعاً.

والخلاصة أنه لا مشكلة فى استخدام عمليات تجميد البويضات والحيوانات المنوية من زوجين للمساعدة على إتمام الحمل فى أثناء الزوجية لا قبلها ولا بعدها، أما التجميد خارج إطار الزوجية، فهو غير مشروع، ولا يكتسب المشروعية بالزواج الحاصل بعده، وكذا لا مشروعية للحمل الحاصل بعد انقطاع الزوجية بعينة مجمدة فى أثناء الزوجية.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
3.2

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2023 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg