| 13 يونيو 2024 م

الدكتور/ أحمد محمد بيبرس.. يكتب: الداعية المعاصر.. وفقه الواقع .. قضية السَّبيّة، سؤال فى إشكالية الطرح

  • | الأربعاء, 25 سبتمبر, 2019
الدكتور/ أحمد محمد بيبرس.. يكتب: الداعية المعاصر.. وفقه الواقع .. قضية السَّبيّة، سؤال فى إشكالية الطرح

واجب الوقت يحتم على الداعية المعاصر أن يحفظ أطروحاته وقضاياه عن كل قضية لا تناسب الوقت، أو ليس من أولوياته المرحلة الآنية، وألا يتكلم إلا عن بصيرة بكل موضوع يطرحه، مراعيا عدة أمور:

أولا: عمر المشكلة المطروحة، وزمنية ورودها فى الواقع، وهل مناسبة للوقت أم لا؟.

ثانيا: جذور المشكلة وهو ما يسمى بـ(جنولوجيا الفكرة)، وهل بينها وبين الواقع تشابه حتى تطرح؟

ثالثا: تداعيات القضية المطروحة، وهو ما تثيره هذه القضية من إشكالات، وقضايا جدليّة تفجرت بسبب الطرح، كقضية السبية.

رابعا: قضايا مماثلة تأخذ حكم المشكلة المطروحة، بحيث لو كانت القضية غير مناسبة للواقعـة، أخذت هذه القضايا حكمها، والعكس بالعكس.

وذلك حتى لا يكون الداعية سببا فى ضلال من اتبعه، أو أن يشغل عقولهم بموضوعات لا تغير فى الواقع شيئاً، أو تبعث الحيرة فى عقولهم، فإنه من المقرر عند أهل العلم: أنه ليس كل ما يقال يعرف، وليس كل ما يعرف يقال، وليس كل يقال جاء أوانه، وليس كل ما جاء أوانه حضر أهله.

قال أمير المؤمنين عليٌّ - رضى الله عنه -: «حَدِّثوا الناسَ بما يعرفون، أتحبون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولهُ؟! «الأثر أخرجه البخارى رقم 127.

ولقد قالت العرب: «الْجَوَادَ قَدْ يَعْثُرُ»، وهو مثل يضرب لمن يكون الغالبُ عليه فعلَ الجميل، ثم تكون منه الزَّلَّة.

ولقد شاهدت صفحة أحد الدعاة، طرح فى منشوراته قضية: «السبية، وجواز وطئها»، مع التأكيد أن كل قضية على فرض صحتها فإنه يبقى بعد ذلك النظر فى مصلحة نشرها من عدمها، وإن من الأخبار ما لا يُلقى إلاَّ إلى الخاصة الذين يُصلحون فى الأرض.... ولا يفسدون.

وآثرت أن أنقل الكلام بنصه غير مشهِّر، وضعاً للأمانة العلمية موضعها نصب العين، فقال: هل يجوز للرجل فى الإسلام أن يكره جاريته المسبيّة على الجماع، ويغتصبها بالقوة والإكراه؟ هذا تصرف باطل مخالف لقول الله تعالى: «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً...وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم»، وموضع النقاط فى الآية لم يكتبه الداعية وهو قوله تعالى: «وَبِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ» النساء: 36.

ثم وجه دلالة الآية بقوله: «فالآية تأمر بالإحسان للمملوك، والإحسان للمملوك ينافى إكراهها على الجماع».

فوردت على هذا المنشور بعض التعليقات التى تناسب الموضوع المطروح من متابعة تسأل قائلة: عفوا منك يا دكتور، هو أخذها رهينة حرب أصلاً، ليش يجامعها؟؟ فيرد على السؤال: دى إنسانة ولها احتياجات، ومن الممكن أن يقال: أليس المسبى الذكر له احتياجات هو الآخر، بل من باب أولى فكيف يدبر له ذلك؟

فتلقف الفريق العلمانى هذا الطرح غير المساير للواقع أصلا، -المستبيح لعرض الشريعة الغراء- فيغرد مرة أخرى قائلا: «ثار بعض العلمنجية مع تحفظى على هذا التهكم على تغريدتى عن «السبيّة» حين سألت عن معاشرتها فقلت: هى إنسانة ولها احتياجات. فقالوا شايفين؟ أهو يبرر الاغتصاب».

فيؤكد: نعم: للمسبية احتياجات وهى ليست عيباً، وهذه الاحتياجات بالرضا لا بالإكراه، فطالما رضيت بعلاقة بينها وبين سيدها فلا حرج عليها ولا عليه؛ بالرضا لا بالقهر. انتهى كلامه.

لكن بدأ كلامى بطرح إشكالية سؤال هذا الطرح، فأقول:

للقضايا المطروحة على جمهور غير متخصص، فى مسائل أصبح مكانها الرفوف العالية- إلا أن يشاء الله- أوائل تؤدى إلى أواخرها، ومداخل تفضى إلى حقائقها. فيجب أن يبتدئ بالأول، ولا يطلب الآخر قبله، ولا الحقيقة قبل المدخل.

يا أيها الداعية.... لقد تكونت الحضارة الرومانيّة ضمن نسق حضارى له نظريّاته الخاصة تجاه الإنسان، نظرية تسمح باستعباد الإنسان، لا بتحويله إلى «رقيق» أو «قن خالص»، بل باعتباره طاقة عمل يمكن تسخيره دون أجر، وتحويله إلى قوة وطاقة مسخرة فى نظر أثينا وروما يبنى ويحمل ويكسر ويهدم.

وأفضل العبيد فى نظر هذه الحضارة مُصارع فى ساحات القتال يصرع الأقران أمام أسياده، ويقف باعتزام على الجسد المذبوح، ثم يستدبر ليركع لأولئك الأسياد، فهل أصبحت أوروبا تتغنى بذلك الآن.... هيهات أخى الداعية.

لكن يمكن أن نقول فى تغريداتنا إن المدينة المنورة وهى عاصمة الإسلام الأولى لم يبنها عبيد استقدموا من المستعمرات، أو رقيق سخروا لبناء الهياكل، كما لم تبن دمشق، أو بغداد، أو القاهرة بهذا الشكل، فهل منهم أحد يقدم هذا الطرح عل جمهوره.... مفتخرا بذلك.

وأساس طرح هذه القضايا بعض الأسباب الفاسدة، والدواعى الواهية، وهو ما بينه الماوردى - رحمه الله-:

فمنها: أن يكون فى نفس الداعية أغراض تختص بنوع هذه المسائل، فيدعو الغرض إلى قصد ذلك النوع ويعدل عن مقدماته، ولو نصح نفسه لعلم أن ما ترك أهم مما أدرك؛ لأن بعض العلم مرتبط ببعض، ولكل باب منه تعلق بما قبله فلا تقوم الأواخر إلا بأوائلها.

ومنها: أن يحب الداعية الاشتهار بالعلم، إما لتكسب، أو لتجمل فيقصد من العلم ما اشتهر من مسائل الجدل، وطريق النظر، فيتعاطى علم ما اختلف فيه دون ما اتفق عليه؛ ليناظر على الخلاف وهو لا يعرف الوفاق، ويجادل الخصوم وهو لا يعرف مذهبا مخصوصاً.

ونحن على ما تعلمناه فى حصن الشريعة الغراء أن نقدم حسن النية فى كل فعل قصد به صاحبه ماقصد فلنا الظاهر والله يتولى السرائر.

وسؤال التخصص: أنه قد فات الداعية أن طرح هذه المسائل على جمع ما من الناس يلزم أن يكون لديهم استحضار جميع النصوص الواردة فى القضية المبحوثة (السبيّة)، مع مراعاة ضوابط الظرفية المتعلقة بأسباب النزول للآيات القرآنية التى يستشهد بها، أو أسباب ورود الأحاديث، مع معرفة أحوال العرب وعاداتهم حال نزول النص أو وروده، وكذا استحضار العوامل العقلية المؤثرة فى فهم النصوص الفقهية، والسقف المعرفى السائد، وفقه النص من معارف وعلوم تتعلق بالكون، والحياة، والإنسان، والتى لها دور فى تعيين المدلول النصى الفقهى، وتقدير المقاصد، ثم استحضار دراسة القضية محل الحكم هل هى موجودة أم لا؟، والكيفية التى يتم بها بسط الحكم على الواقع بمعرفة طبيعة هذا الواقع ليفضى الأمر إلى الاستنباط الفقهى السديد، أو تأويل المفاهيم، أو ابتكار أفهام لم ترد على أذهان السابقين.

وسأخصص كلامى على شىء دقيق فيما سبق عرضه وهو محل الحكم فى قضية «السبيّة»:

فأقول: هل رأيت أخى أسواقا للنخاسة فى دول الإسلام، أو غيرها؟، وهل هناك سبايا اليوم من خلال الحروب توهب للمحاربين على أنها حق مكتسب لهم؟ أتقر القوانين الوضعية وتقرر تحرير العبيد، وتقول ببقاء الرق، وجواز وطء المسبية لو رضيت.

ألم تدرس فى محضن السماحة والوسطية الأزهر الشريف، مما تواتر علمه من أساتذتنا، أن الشارع متشوف للحرية والعتق، ويظهر ذلك فى جمع من الأحكام التى حررت قامت على تحرير العبيد والسبى، أتريد أن يستهزئ بالشريعة الغراء؟.

ولا يفهم من كلامى نفيى أو نسخى لآيات، وأحاديث الرِّق؛ فأنا لا أقول بذلك ولا أدّعيه، لكن الخطورة فى فقه الداعية عدم تصور المحل الذى يسمى مظروف الحكم، أين هو الآن... ليس موجودا فأين الحكم، وأين محله؟

فمن المقرر أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فإذا وجدت العلة وجد الحكم، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم، على حسب ما قرر الأصوليون، وأقول: إن الحكم يدور مع محلِّه وجوداً وعدماً، فإذا وجدت المحل وجد الحكم، وإذا انتفى المحل انتفى الحكم، مثال ذلك: مقطوع اليد، أو الرجل لو كلفه عالم بوجوب غسل يده أو رجله فى الوضوء، أو الغسل كان سخفا للعقل، وهذا لا يعنى نسخ وجوب غسل اليد عموما، أو نسخ الأدلة الموجبة لذلك، فليت شعرى أن يقع كلامى فى محله.

وليعلم الداعية أن جوهر النزاع ومحله فى القضايا المبحوثة يكون فى حدوث تغير ما فى محل الحكم، سواء تعلق الأمر بزمان ما، أو مكان ما، أو حال ما من أحوال المكلفين.

والواجب على الداعية -بحيث أكون قد فتحت بابا للتوعية بهذا الواجب المغفول عنه-، الشعور بأن الأمة الإسلامية تعانى فى الآونة الأخيرة من علل معقدة، ومعضلات فكرية وثقافية راسخة فى المجتمع تحتاج لتكاتف العلماء، والنخبة من المفكرين وأهل العلم والفتوى، ومحاولة العمل على إيجاد حل قرآنى لا أقول لأزمة الأمة، بل لأزمات الإنسانية جمعاء.

وأختم نصيحتى هذه بما روى عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة أن عبدالله بن مسعود - رضى الله عنه - قال: «ما أنت بمحدِّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغُه عقولُهم، إلَّا كان لبعضهم فتنة» أخرجه الإمام مسلم فى مقدمة صحيحه.

وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله، والحمد لله رب العالمين.

الدكتور/ أحمد محمد بيبرس

المدرس بكلية الشريعة - جامعة الأزهر

 

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg