| 18 سبتمبر 2020 م

وكيل الأزهر الشريف السابق/ د. عباس شومان.. يكتب: واجب العلماء نحو مكافحة الاضطهاد الدينى وحماية دور العبادة

  • | الأربعاء, 18 ديسمبر, 2019
وكيل الأزهر الشريف السابق/ د. عباس شومان.. يكتب: واجب العلماء نحو مكافحة الاضطهاد الدينى وحماية دور العبادة
د. عباس شومان

لا يخفى على عاقل ما وصل إليه حال أتباع الديانات كافة، وليس الدين الإسلامى فقط - كما يحاول كثير من الناس تصوير المسألة - من التحزب المقيت لدينهم أو مذاهبهم التى يتبعونها؛ حيث لم يتوقف الأمر عند المخالف فى الدين، بل تجاوز إلى المخالف فى المذهب العقدى، وربما الفقهى فى الدين الواحد أيضاً، فبعض أتباع الدين الواحد يكفر من خالفه معتقده الذى هو عليه مع أنه ينتمى لنفس دينه، ناهيك عن تكفير من خالفه فى دينه!

وقمة هذا الانفلات أن تحول السلوك من مجرد إنكار أو اتهام كلامى إلى ممارسته سلوكاً إجرامياً؛ فكم من كنائس حرقت وهدمت وفجرت بمن فيها ممن جاءوا لغرض واحد - وهو عبادة رب نعبده جميعاً - باسم نصرة الدين وجهاد المعادين؟! وكم من معبد فُجر بمن فيه دون تفرقة بين كبير وصغير ورجل وامرأة جمعتهم صلاتهم لرب هو من يصلى له المسيحيون؟! وكم من مساجد دمرت وقتل من فيها ممن يصلون لذات الإله؛ الله الواحد الأحد الذى يصلى له اليهود والمسيحيون؟! والغريب أن القتلة والمعتدين دائماً ما يزعمون فعل هذا دفاعاً عن الدين، مع أنه لا يمكن لمجتهد فى بحثه أن يعثر على نص صحيح فى الأديان كلها يجيز قتل عابد ولا غير عابد بلا جريرة ارتكبها، أو الاعتداء على بيت عبادة لأتباع دين ما! وكيف يمكن العثور على نص كهذا، وكتاب الله وسنة رسوله الأمين حافلان بالنصوص المحرمة لقتل النفس البشرية، تلك النصوص التى جعلت قتل نفس واحدة كإهلاك البشرية جميعاً؛ إذ يقول الله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً  وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِى الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} المائدة: 32؟!

إننا أمام مشكلة حقيقية تتعلق بسلوك أتباع المذاهب المختلفة فى الدين الواحد، وقد سبق أن كتبت فيها العديد من المقالات، وأمام مشكلة أكبر تتعلق بالسلوكيات بين أتباع الديانات المختلفة، وهذه أيضاً كتبت فيها العديد من المقالات والكتب المبينة للتسامح الدينى، والمطالِبة بالحوار مع الآخر، والموضحة للحقوق والواجبات المتبادلة بين الأطراف. وأركز هنا على محور مهم، وهو دور علماء الدين الإسلامى ورجالات الديانات الأخرى فى علاج هذه الظواهر المزعجة، وتقويم اعوجاج سلوك الجانحين.

إن المتابع لأداء العلماء والمؤسسات الدينية المختلفة يلاحظ العديد من الجهود الطيبة من مؤتمرات، وندوات، وجولات حوارية، وتوقيع وثائق للأخوة الإنسانية والعيش المشترك فى ظل المواطنة الكاملة والحرية الدينية، وتكوين هيئات وكيانات مشتركة تجمع بين أتباع الديانات، ومنها (بيت العائلة المصرية)، وغير ذلك كثير، وبلا تحيز فإن نصيب مؤسسة الأزهر الشريف هو النصيب الأكبر فى هذا المجال، لا سيما فى الفترة الأخيرة التى تعددت فيها جولات شيخ الأزهر وزياراته للكنائس شرقاً وغرباً، ومنها حاضرة الفاتيكان، وجولات بابا الفاتيكان فى مصر والإمارات وغيرهما، وكان من أهم ما ترتب على هذه الجهود: مشاركة البابا فى مؤتمر الأزهر العالمى للسلام وإلقاء كلمة تاريخية فيه، والتوقيع المشترك على وثيقة الأخوة الإنسانية فى أبوظبى، وهذا التزاور وتبادل التهانى فى المناسبات المسيحية والإسلامية بين الأزهر والكنائس المصرية، ناهيك عن الجهود الرائعة لـ(بيت العائلة المصرية) الذى يعد نموذجاً يحتذى به ويحتاج إليه العديد من الدول ذات التعدد الدينى.

ومن وجهة نظرى، فإن كل هذه الجهود الرائعة وغير المسبوقة تحتاج إلى الانتقال بها إلى عمل أكثر تقدماً يضاف إلى الجهود العملية على الأرض، وهو عمل يحتاج إلى جرأة وشجاعة ضرورية قد تكون صعبة وربما مستنكرة من ضيقى الأفق فى بدايتها، ولكنها بكل تأكيد يمكن بالمداومة عليها والإيمان بسلامتها وأهميتها وعدم الالتفات لرافضيها، الانتقال بها إلى ثقافة نافعة تقطع الطريق على الجهلاء والساعين لإيقاع الفتن بين نسيج المجتمعات؛ فالناس يروننا نحن علماء الدين الإسلامى جنباً إلى جنب مع رجالات الديانات الأخرى فى الندوات والمؤتمرات والمحافل المختلفة، صحيح أن بعضنا يتجنب مصافحة البعض، ليس للاختلاف الدينى أو العقدى، ولكن للاختلاف الفكرى أو السياسى مع أتباع حركات معروفة وجماعات شذت عن تعاليم دينها الصحيح وأصبحت تمارس العنف فى أبشع صوره باسم الدين، وتجنب هؤلاء القوم وإظهار بغضهم ورفضهم إنما هو مسلك صحى لا غبار عليه، بل هو أمر ضرورى حتى لا يفهم العامة أن القرب منهم ومصافحتهم إقرار لما يفعلون، ولا أقصد بهؤلاء الصهاينة الغاصبين لأرض العرب والملطخة أيديهم بدماء رجال وأطفال ونساء العرب فقط، وإنما أقصد بهم أيضاً بعض أتباع ديننا الذين انخرطوا فى مسالك التطرف والجماعات الإرهابية التى أذاقت مجتمعاتنا ربما أكثر مما ذاقت بفعل الصهاينة، وكذلك بعض المنتمين للمسيحية ممن ينكلون بالمسلمين فى بورما وأوروبا وأماكن أخرى؛ فالتسامح مع هؤلاء ومصافحتهم خطأ كبير يجب ألا يقع فيه لا العلماء ولا العامة عمداً.

ومع ذلك، فمن العيب أن يتجنب المسلم مصافحة مخالفه فى دينه لمجرد أنه مختلف معه فى الدين؛ فلسنا بأعرف ولا أحرص على ديننا من رسولنا الكريم الذى تعامل مع اليهود تعايشاً وشراكةً فى الزراعة والتجارة ونحوهما، وكم من مرة ردَّدنا ما روى عن ابن عمر - رضى الله عنهما: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع»؟! وكم من مرة ردَّدت أنا وغيرى ما فى كتب السنة الصحيحة من رهن رسولنا الكريم درعه ليهودى على طعام اشتراه منه بالأجل لأهله، وأن رسولنا الكريم مات ودرعه مرهونة عند اليهودى حتى افتكها الصحابة بعده؟! ومن منا لم يسمع استعانة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بعبدالله بن أريقط - وهو على الشرك - ليكون دليلاً له فى رحلة سرية خطيرة يتوقف عليها مصير الدولة الإسلامية ورسالة الإسلام برمتها، وهى رحلة الهجرة إلى المدينة المنورة؟!

إن ما أقصده هنا أن مواقفنا بعد ما يقارب خمسة عشر قرناً من الزمان بالرغم من انتقادها من قبل فئات متشددة واعتبارها متقدمة أكثر من اللازم، هى فى حقيقتها متأخرة خطوات كثيرة عن هذه الخطوات المتقدمة التى حدثت فى القرن الأول من المؤسس المرسل من قبل رب العالمين سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم. وما ذلك إلا بسبب انغلاق الأفق وسوء الظن الذى أصبح ثقافة كثير من الناس فى عصرنا؛ فإذا جلس إلى جوارك أو التقى بك أحد المنتمين إلى فكر مرفوض - وقد لا تعلم هويته - فى مؤتمر مثلاً، فالتقطت لك فى غفلة منك صورة معه قد تكون بتدبيره هو كما حدث معى شخصياً أكثر من مرة؛ فإن هذا يكفى عند البعض لإثبات الصلة والصداقة والحميمية والانتماء إلى ذات مدرسته الفكرية، مع أنك ربما لا تعرف اسمه ولا الدولة التى ينتمى إليها!

ولذا، فنحن من أجل إرضاء المنغلقين والمشككين والرافضين لحسن الظن وسلامة الطوية، فى حاجة لاختراع أجهزة إنذار تركب فى أجسادنا أو ملابسنا وتكون قادرة على تصنيف الأشخاص وتحليل فكرهم وسرد تاريخهم بمجرد اقترابهم منا، وليس هذا فقط، بل يمكنها أن تصدر أشعة تمنع أيديهم من الوصول إلى أيدينا لمصافحتنا! وحتى نصل إلى هذا الاختراع الذى نتمنى ألا ندركه، فعلينا العبوس والتجهم فى وجه كل من نلقاه فى طرقاتنا وشوارعنا ووسائل مواصلاتنا وفى أسفارنا، من باب الاحتياط حتى نحصن أنفسنا من هذه الصورة التى ستلتقط لنا فى حين غفلة منا، وربما يكون مناسباً أن نربط أيدينا خلف ظهورنا لتكون لنا عذراً نتذرع به لرفض مصافحة من يقابلنا!

إنه من المألوف أن تجد شيخاً أزهرياً إلى جوار شيعى فى مؤتمر أو ندوة هنا أو هناك، لكنها كارثة تستحق أن تسهر عليها القنوات وتملأ بها مواقع التواصل لو التقطت هذه الصورة وأحدهما يميل جهة الآخر ليهمس له بكلمة تتعلق بتعليق على متحدث يتحدث على منصة الاحتفال، لا سيما إن كان مبتسماً! والكارثة الأكبر لو التقطت لهما تلك الصورة أمام مسجد سنى أو شيعى، فستكون عندئذ كفيلة بثبوت انتقال السنى إلى التشيع إن كان المسجد الظاهر فى الخلفية مسجداً شيعياً، ودخول الشيعى فى السنة إن كان المسجد سنياً! فماذا لو كانت الصورة داخل المسجد نفسه؟! أين هذا من قول سيدنا علي - رضى الله عنه - للخوارج الذين قاتلوه وكفروه ومن معه: «لكم علينا ألا نمنعكم مساجد الله»؛ أى إذا دخلتم مساجد السنة للصلاة فيها فلن نمنعكم، مع أنهم كانوا يمنعون السنة من دخول مساجدهم!

ليست هناك مشكلة فى أن يصلى الشيعى إلى جوار السني؛ فهذا مسلم وهذا مسلم، وليس لدينا فى إسلامنا تصنيف للمساجد يجعل بعض المساجد للسنة، وبعضها للشيعة، وبعضها لغيرهم، فما علمناه من ديننا أن المساجد لله، يقول الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} الجن: 18، وليست الشريعة هى التى جعلت مساجد للسنة ومساجد للشيعة وأخرى لطوائف أخرى من المسلمين، بل هو سلوك بشرى نتج عن خلافات سياسية فى الأساس، ولم يصحح هذا السلوك الخاطئ طيلة القرون الماضية، فهل لدينا نحن علماء السنة والشيعة والطوائف الأخرى الاستعداد لاتخاذ هذه الخطوة، وإلغاء فكرة تخصيص المساجد لتكون المساجد لله وحده يصلى فيها من أراد مهما كان مذهبه العقدى، ليعلم من خلفنا حرمة اعتداء طائفة على مسجد طائفة أخرى ما دام كان قدرنا أن ننقسم إلى سنة وشيعة، مع أنه لا يوجد مسوغ لهذا الانقسام فى ديننا؟! وهل نملك الجرأة لتجريم اتخاذ المساجد ميداناً للتنفير من الآخر المخالف فى المذهب أو التعرض لمذهبه بالتسفيه؟! ولا مانع من شرح علماء المذاهب العقدية والفقهية لمذاهبهم وبيان عظمتها وصحتها، وكذلك يفعل الآخر ما دام اختار ذلك دون أن يتعرض أحدنا للآخر، وتلك هى المشكلة الأعقد التى لو تجاوزناها لما كان هناك من غضاضة بين السنة والشيعة، كما لا توجد غضاضة بين المختلفين فى الانتماء الفقهى.

والشىء نفسه يقال على أتباع الديانات الأخرى، فالاختلاف العقدى حرية، ولكننى لا أظن أن دياناتهم تمنع أتباع الدين الواحد من الصلاة معاً ولو على فترات، ليعلم جميعهم أن اليهودى يعترف بيهودية الآخر، والمسيحى يعترف بمسيحية أتباع الكنائس الأخرى.

ولست أطمع هنا فى إلغاء التعدد الدينى أو المذهبية العقدية فى الدين الواحد، ولا أدعو أتباع مذهب فقهى أخالفه باتباع مذهبى، ولكن فقط أبحث عن حلول متقدمة تحدث أثرها فى قطع الطريق على المستغلين للخلافات الدينية والمذهبية لخلخلة أمن المجتمعات، حتى يعم الأمن والسلام والإخاء الذى جاءت به الرسالات كلها، وحتى تعود القدسية لدور العبادة للأديان كافة.

إن ثمة خطوة مهمة من وجهة نظرى فى هذا السياق، تتمثل فى تصالح علماء الدين الواحد المختلفين فى مذاهبهم العقدية أو الفقهية، واحترام كل فريق لما اختاره فريق آخر وإن لم يرضَ به، وتصالح علماء الديانات المختلفة، واحترام كل أتباع دين حرية الآخرين فى اتباع الدين الذى يؤمنون به، وظهور كل من هؤلاء جميعاً فى مسجد من المساجد، أو كنيسة من الكنائس، أو حتى معبدمن المعابد التى ليست للصهاينة ولا لطائفة معادية للمسلمين، ولو على فترات فى مناسبة وطنية أو دينية دون المطالبة بالاشتراك فى صلاة واحدة؛ فكل أتباع دين يصلون صلاتهم على ما جاءت به شريعتهم.

إن هذا الطرح الذى سيستغربه البعض - والذى أرى أنه بعيد المنال فى ظل واقعنا وصعوبة الخروج من المألوف - ليس ابتداعاً ولا خطوة متقدمة لم يعرفها إسلامنا، بل هى خطوة متأخرة خطوات كثيرة عن خطوة نعلمها جميعاً ونرددها فى خطبنا وكلماتنا دون إحداثها دهشة أو استغراباً، وهى صادرة عن الذى لا ينطق عن الهوى، فمن منا لم يسمع أو يقرأ مراراً إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - لوفد نجران بالصلاة فى المسجد النبوى، فحين كان يناقشهم ويدعوهم للدخول فى الإسلام وحانت صلاتهم، أرادوا الخروج من المسجد للصلاة، لكن رسولنا الكريم أذن لهم بأداء صلاتهم داخل المسجد. وحتى لا يستغل المستغلون الخلاف الوارد فى حصول الصلاة من عدمه؛ فإنه على الأقل قد ثبت دخولهم - وغيرهم من الوفود - مسجد المدينة المنورة وجلوسهم مع رسول الإسلام، وهذا يكفينا.

فهل يمكن أن تتقبل مجتمعاتنا فى زماننا تطبيقاً عملياً على الأرض لهذه الصور الراقية الثابتة فى تاريخنا الإسلامى عن الثقات الذين تعلمنا منهم شعائر ديننا وأحكامه؟ أما ترانا سنقف عند حد الاجتهاد فى المؤتمرات والندوات والكتابات بذكر النصوص الدالة على التسامح وقبول الآخر المختلف - وغير ذلك من قيم ومبادئ - دون أن نمارس ذلك واقعاً بين الناس؟! وهل من الممكن أن يأتى يوم نرى فيه للمسلمين مسجداً واحداً، ولليهود وللمسيحيين معبداً وكنيسة؟ وهل يمكن أن نرى علماء الشرائع الثلاث مجتمعين على فترات فى دار عبادة معاً دون أن ينكَر عليهم ذلك؟ إنها مجرد أسئلة، ومجرد طرح من حق البعض أن يستغربه وينكره، ومن حقى أن أطرحه.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2020 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg