| 04 ديسمبر 2021 م

تعذُّر الحج مظهر من مظاهر الضعف البشرى

  • | الخميس, 15 يوليه, 2021
تعذُّر الحج مظهر من مظاهر الضعف البشرى
د. عباس شومان .. وكيل الأزهر السابق

قد تسمع من بعض جبارين ابتلاهم الله بصحة أو مال أو جاه، جعلهم يظنون أنهم لا يُقهرون وأنهم فوق بقيَّة البشر، عبارات مؤلمة لسامعها تنم عن غطرسة وتجبر وتعالٍ على خلق الله، فهو يسألهم أسئلة توبيخيَّة عن جهلهم بمكانته، وعن مدى قدرته على أن يفعل بهم الأفاعيل، وكأنَّه ليس من البشر المخلوقين! وربما هذا المغتر بجاهه وسلطانه يكون فى لحظة تهديده ووعيده وإذلاله لمخلوق مثله قد فقد جاهه وماله؛ حيث فُصِلَ من عمله، أو خسر أمواله فى انتكاسة تجارة أو بورصة سرعان ما يصله خبرها، فيصبح هذا الذى كان ذليلاً بين يديه عزيزاً يسعى هو إليه؛ لنيل فرصة عمل فى مصنع من مصانعه أو شركة من شركاته بعد أن كاد يتكفف الناس!.

 نعلم يقيناً أنَّ هذا حدث لكثيرين يعجز الحاصر عن حصرهم؛ إلا أنَّ هذه الحقيقة المتمثلة فى ضعف الإنسان، وإن امتلك قوة زائلة بعض سنين أو شهور وربما أيام، يدركها من وقف ذليلاً مهاناً يوماً أمام هذا المتكبر الغافل المغتر بقوته، ويدركها هذا المتغطرس الذى زال عنه سبب غطرسته فأصبح منكسراً، أراد ربُّ البشر أن يدرك هذه الحقيقةَ جميعُ خلقه ولا تقتصر على هذا الذى اغتر بقوته الزائلة ومن عانى من جبروته من الناس.

 ومن حكمة الله أن يكون هذا البيان العملى والإثبات المادى بواسطة مخلوق لا تراه العين البشرية، ولا تعرف أين يختبئ ولا من أى جهة ينطلق؛ لينفذ قرار افتراسه لفريسته التى ربما تكون بعض هؤلاء الذين يرون أنفسهم فوق الخلق وأنهم لا يُقهرون؛ ليرى الواحد منهم نفسه مستسلماً على سرير مرضه لأطبائه يحاولون إنقاذه من طعنة هذا الخفى الملقب بفيروس كورونا، أو الفطر الأسود أو غيرهما من جنود قد يُعلن عنها فى قابل الأيام.

هذه الحقيقة التى كشف عنها فيروس كورونا وإخوانه، وهى ضعف الإنسان وقلة حيلته ما لم يكن فى معيَّة خالقه، أوقفنا عليها كتاب ربنا منذ صدر الإسلام علَّنا نعتبر، ونقف على حقيقة ضعفنا، فإن كان سبب الغطرسة القوة والسلطان، فمَنْ مثل فرعون وهامان فى امتلاكهما؟ ألم يسجل كتاب ربنا عن فرعون قوله: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِى أَفَلَا تُبْصِرُونَ}؟ أليس هو القائل كما سجله كتاب ربنا: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحاً لَعَلِّى أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ  أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ}، وبلغ به التمادى مداه: {فَكَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} فكانت النهاية عبرة لمن يعتبر: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ  فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ} {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى}، ونحفظ ما نقل إلينا عن النمرود المتجبر حيث كانت نهايته بفعل حشرة ضعيفة سلَّطها ربه عليه، وحتى فى تاريخنا الإسلامى حين ظنَّ صفوة المسلمين أنَّ قوتهم تقهر عدوهم وسهوا لحظة عن كون النصر بيد خالقهم وحده سجله كتاب ربُّ العالمين درساً لنا حتى لا ننسى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}.

وإن كان سبب التعالى المال فمن امتلك منه مثل الذى امتلكه قارون: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِى الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } فكانت نهايته مدوِّية: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}، وحتى لا نكون كهؤلاء ذكَّرنا ربنا بضعفنا وبأصل خلقتنا لترتدع نفوسنا إن هى سوَّلت لنا أننا أقوياء: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} { وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً}. لقد غفلنا عن هذه الأدلة الناطقة بضعفنا، وإن بدا لنا أننا لن نُقهر، ونسينا أن من وهبنا أسباب القوة؛ من قوة بدن، أو كثرة مال، أو عظمة جاه، قادر على أن يسلبنا ما منحنا فى عشية أو ضحاها، فجاءنا هذا الخفى (كورونا) وما يقال عن تحوره الجديد (دلتا) ليفعل بنا الأفاعيل ويجعلنا نقف على ضعفنا وقلة حيلتنا، فدول العالم بما وصلت إليه من قوة علم وفى مقدمتها أكثرها تقدماً عاجزة عن وقف هذا الخفى الذى ربما كان من عبثهم المعملى، فمن من دول العالم فتك به هذا الخفى كأمريكا والصين وبريطانيا والهند النووية...؟

لا تسطيع دولة ولا دول العالم بأجهزتها مجتمعة تقدير حجم الخسائر فى الأرواح، ولا ما أنفق على وسائل وقاية وتطعيمات غير مقطوع بجدواها، ولا يمكنها تقدير خسائر شركات السياحة والطيران، ولا كم من تشردوا من العاملين فى القطاعين العام والخاص فى كافة دول العالم، ولا كم الشركات التى أفلست ولا المشاريع التى تعطلت.

ومن مظاهر الضعف البشرى هذا الأسى الذى يشعر به ملايين ممن حيل بينهم وبين حج بيت الله للعام الثانى على التوالى، حيث عجز هؤلاء عن تلبية دعوة خليل الله سيدنا إبراهيم عليه السلام: {وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} وهو الفريضة الخاتمة لفرائض ديننا: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِى عَنِ الْعَالَمِينَ}، والتى بيّنها رسولنا فى قوله: «بُنِى الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»، فكم من نفوس تألمت، وكم من خسائر تكبدتها وتتكبدها شركات الطيران والجهات التى تقوم على خدمة حجاج بيت الله من مطوفين وناقلين للحجاج بين المشاعر، ومطاعم تطعم الملايين، وتجار تروج تجاراتهم ويعود بها حجاج بيت الله هدايا إلى أحبتهم؟ وإذا كان سابقاً فى مثل هذه الأيام يصعب حصولك على غرفة أو ربما سرير فى فندق أو بناية قرب الحرمين فهذه الفنادق والبيوت تشتاق لطارق يطرق بابها.

ولقد أحسنت المملكة حين ضحت بتحمل كل هذه الخسائر فقررت قصر الحج على أعداد محددة من داخل المملكة فقط، حفاظاً على إقامة الشعيرة وعدم تعطيلها بالكلية، وفى نفس الوقت تحقيق مقصد من مقاصد شرعنا الحنيف وهو حفظ النفس البشريّة وعدم تعريض ملايين الحجيج للتهلكة. وعلى من حُرموا من الحج أن يبقوا على نيتهم الصادقة فى السعى لحج بيته الحرام متى زالت الغمة ورفع الوباء، فمن مات منهم قبل أن يتمكن وهو على نيته حُشر ملبياً بإذن الله، وذلك لقوله– صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»، وعلى من سبق لهم الحج وكانوا يرغبون فى التطوع توجيه المال الذى كانوا سينفقونه على حجهم أو بعضه إلى ميادين الخير الكثيرة،كالفقراء والمساكين والأيتام، وتجهيز غير القادرين من الشباب والفتيات للزواج، وعلاج مرضى كورونا وغيرها...فأى نفقة تنفق فى سبيل الله سيجدها منفقها فى ميزان حسناته: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}.

وما ذكر بعض من كلٍّ فعله هذا الخفى الماكر، الذى نجح نجاحاً منقطع النظير فى كشف حقيقة ضعف الإنسان وقلة حيلته، وأعتقد أنه قد بات حتمياً أن نستجيب لقول ربنا: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} هدانا الله إلى صراطه المستقيم، ومنَّ علينا بنعمة التواضع وخفض الجناح، وجنبنا التعالى والتكبر والتجبر، ورفع البلاء والوباء، وردَّ عباده إلى بيته الحرام آمنين.

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
2.0

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2021 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg