| 08 فبراير 2023 م

الفيديوهات المنزليَّة والمواقع اللاأخلاقيَّة

  • | الإثنين, 23 يناير, 2023
الفيديوهات المنزليَّة والمواقع اللاأخلاقيَّة
أ. د. عباس شومان .. وكيل الأزهر السابق

إذا كانت التطبيقات والألعاب الإلكترونيَّة فى غالبها الأعم ضارة بالمجتمع بكل مكوناته، وبخاصة فئتا الأطفال والشباب؛ لما تحمله من عنف وسخرية واستهزاء بالآخرين، واختراق خصوصيَّات الناس وجمع بيانات عنهم، ناهيك عن الفساد الأخلاقى والفكرى وتعريض حياة الأطفال خاصة لخطر الصدمات النفسيَّة والعصبيَّة، وربما اللجوء للانتحار أو القتل، فإن هناك مما تحمله هذه الشبكة العنكبوتيَّة ما لا يقل خطورة عن التطبيقات الإلكترونيَّة، ومن ذلك المواقع التى تنشر الرذائل وتدعو للفسق والشذوذ، وفى كثير من الدول وبخاصة العربيَّة والإسلاميَّة يجتهد أهل الاختصاص فى الدولة لإغلاق هذه المواقع؛ ليصعب -على الأقل- على العامة الدخول على هذه المواقع، ومهما عِيب عليهم من أدعياء الحريَّات فهم مصيبون بكلِّ تأكيد، فحماية الأطفال والشباب هدف يُتَحَمَّل من أجله نعيق الناعقين وهذيان المنفلتين.

 ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل انتقل آخرون إلى اختراع طرق تخصهم بدلاً عن الدخول على هذه المواقع اللاأخلاقيَّة، فتحول كثير من الناس من مختلف المناطق والمحافظات إلى ممثلين ومنتجين لأعمالهم التى تتمثل فى مشاهد فيديو قصيرة يؤلفونها ويمثلونها ويخرجونها بأنفسهم ويشاركهم فيها بعض أصدقائهم أو أبنائهم أو زوجاتهم، وهذه الفيديوهات المتلاحقة المتزاحمة، التى كلَّما تجولت فى الفضاء الإلكترونى باحثاً عن خبر أو معلومة وجدتها فى وجهك متشابهة، بل متكررة فى محتواها بين هؤلاء الذين يصنعونها حتى لا تعرف من الذى بدأ الفكرة أو النكتة السخيفة ومن الذى كررها بعده، وغالب هذه الفيديوهات تافهة كصانعيها وأظنهم من العاطلين الذين لا عمل لهم، مع أنهم من الشباب مفتول العضلات الذين يُفْتَرَضُ أن تراهم فى المصانع والحقول، والفتيات اليافعات اللائى يفترض أنهن فى قاعات الدراسة طالبات أو معلمات، أو فى المستشفيات طبيبات وممرضات.

 بل تحول من يبدو أنهم أزواج إلى صناعة هذه الفيديوهات بدلاً عن انشغالهم بتربية الأبناء، والبحث عن مصدر رزق شريف بدلاً عن هذه التفاهات، والأسوأ من ذلك كله من يشركون معهم أطفالهم فى تمثيل هذه الفيديوهات مع ما تحمله أدوارهم من كذب وألفاظ بذيئة لا أظن أنَّ الأطفال بإمكانهم التخلص منها فى حياتهم بسهولة، ويخيل لك وأنت ترى هؤلاء الأشخاص من كل المحافظات ومدنها وريفها أنك سترى قريباً أو صديقاً تعرفه دخل هذا المضمار، وأنشأ له قناة على اليوتيوب يبث من خلالها هذه الفيديوهات التى يصنعها بنفسه.

 وللأمانة فمن بين هذا الكم من الإنتاج المنزلى الغث والتافه واللاأخلاقى أحياناً تجد بعض الفيديوهات الهادفة التى صنعها دعاة أو خبراء فى الطب أو علم النفس والاجتماع، لكن هذه البضاعة النافعة أقل بكثير مقارنة بهذه الفيديوهات التافهة الضارة، وإذا كان هدف كثيرين من صانعى هذه الفيديوهات نفع الناس كما يفعل السادة الأطباء والدعاة وخبراء المجالات المختلفة، ويهدف آخرون للتسلية وإظهار قدراتهم التمثيليَّة، فإن فريقاً آخر أظنه أكثر عدداً من الفريقين قد جعل هذه البضاعة مصدراً للقمة عيشهم، فبعضهم يطلب اشتراكاً مدفوعاً للدخول على قناته، وبعضهم يتلقى من المواقع المروِّجة لهذه الفيديوهات مقابلاً مالياً يختلف باختلاف المشاهدات والمتابعات.

 وأستطيع القول إنَّ هذه الفيديوهات على تفاهتها نجحت فى جذب كثير من الناس حيث يجدون فى مشاهدتها ابتسامة لحظيَّة إذا لم يحدثها الفيديو تصنَّعوها هم، وكأنهم يبررون لأنفسهم تضييع وقتهم فى مشاهدتها، وهذه الفيديوهات تعتمد فى غالب ما رأيته على الكذب التمثيلى الساذج، وكل هذه مسالك لكسب السيئات قبل جلب المال العائد على الصانعين لهذه الأعمال، ناهيك عن الأثر شديد السوء العائد على الأطفال خاصة، فمع أنَّ الجميع يعلم بأنَّ هذه المشاهد تمثيليَّة وليست حقيقيَّة إلا أنها تغرى الأطفال على تقليدها، وهو ما يؤصل فى نفوسهم دون أن نشعر الاستهانة بالكذب؛ فيتحول إلى عادة فى نفوسهم لا تقتصر على صناعتهم لمثل هذه الأعمال، ولكون هذه الأعمال توافق أهواء النفوس البشريَّة التى تميل إلى المزاح واللعب والفكاهة أكثر من ميلها إلى الجد والاجتهاد، فإنها تسرق أوقاتهم ولا يشعر من يتابعها بمرور الوقت إلا حين يفيق على إشارة تعْلِمُه بأن شحن هاتفه قد نفد، سواء أكان شحن البطارية أم كان شحن الباقة.

 وليعلم هؤلاء أنَّ الكذب حرام ولو كان للمزاح والفكاهة، وليعلم هؤلاء أنَّ الكسب الذى يوافق مقاصد شرعنا هو الكسب العائد من الإنتاج والعمل الحقيقى الذى ينفع الناس، وليس التفرغ لإلهاء الناس وتضييع أوقاتهم بهذا الهراء وتلك التفاهات، فلا تنقصنا هذه الأعمال التافهة الملهية، فيكفينا ما نشاهده من إسفاف فى الأعمال المسماة بالفنيَّة حتى فى رمضان، والأكاذيب التى يحترفها البعض ويخترعونها من خيالاتهم المريضة وخوضهم فى أعراض الناس واتهامهم ظلماً وعدواناً؛ على شاشات الفضائيَّات وفى الفضاء الإلكترونى وعلى صفحات الجرائد، وفى أحاديث المقاهى والنواصى، تحت مظلة الحريّات المزعومة.

ولا أظن أنَّ مجتمعاً متحضراً يزدحم بهذا الكم من التفاهات، وهذا الاستخدام للتطبيقات التى تتفتق عنها أذهان الناس، وحتى هذا النوع من التطبيقات الذى يستهوى فئات كثيرة فى مجتمعاتنا ويستخدمونه استخدامات ضارة أو على الأقل غير مفيدة يمكن استغلاله بطريقة تنفع الناس، وذلك بتحويل هذه الأعمال التافهة إلى أعمال جادة تحمل معلومات وتوجيهات نافعة، وتبين الأثر السيئ للسلوكيَّات الخاطئة كإلقاء القمامة فى طرقات الناس، و كثرة الثرثرة، والغيبة والنميمة، والإسراف فى المأكل والمشرب، والإهمال فى استذكار الدروس وأداء مهام الوظائف، وخطورة الغش التجارى وبخاصة فى الأطعمة والأدوية، وتحذير الأطفال من الاقتراب من مصادر الخطر كالكهرباء والنار والآلات الحادة، حتى مع استخدام الشكل الكوميدى الذى يحبه الأطفال والكبار، أمَّا أن يرضى هؤلاء بتكسبهم من أعمالهم التافهة التى تثقِّل كفة سيئاتهم يوم القيامة، يضاف إليها نصيب وافر من سيئات من ضيَّعوا أوقاتهم فى مشاهدتها، فهذا مسلك خاطئ، فلم يخلق الإنسان ليكون ملهياً يضحك الناس عليه وليس على أعماله.

وليعلم هؤلاء أنَّ كسبهم من هذه الأعمال إن كانت الأعمال خالية عن الكذب وغيره من الأمور المحرَّمة فهو كسب منزوع البركة؛ لأنه عائد مما لا نفع فيه، وإن تضمنت هذه الأعمال حراماً كالكذب أو مادة مفسدة للأخلاق والقيم فهو كسب حرام، وفى كل الأحوال فإنَّ الانشغال بهذه الملهيات لا يناسب مسلماً مشغولاً بعبادته وعمله النافع لكسب رزقه الحلال، ولا يناسب مشاهداً يعلم أنه سيحاسب على وقته وعمره فيما أفناه فعن أبى برزَةَ الأَسْلَمِى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم: لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَه، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاَهُ.

 وقد امتدح ربنا صنفاً من عباده ونسبهم إليه فسماهم عباد الرحمن ومن صفاتهم: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً}، وقال عن عباده المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون3]، وقال: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ}.

واعلم أخى وأختى ممن تضيعون أوقاتكم وأوقات الناس أنَّ الحياة قصيرة وأنكم فى حاجة لتحصيل بعض حسنات وليس لكسب كثير من السيئات. هدانا الله وإياكم سواء السبيل.

أ.د. عباس شومان

وكيل الأزهر الشريف السابق

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2023 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg