| 21 مايو 2024 م

أطفال غزة الأيتام

  • | الأربعاء, 22 نوفمبر, 2023
أطفال غزة الأيتام
أ. د. عباس شومان .. وكيل الأزهر السابق

فى خضم انشغال الناس بعدوان غزة - الذى قلما يتكرر فى تاريخ البشريّة، والذى يسجل نقطة تاريخية فارقة، ولا يعلم إلا الله ما تنتهى إليه – يركز السياسيون على محاولات وقف آلة التدمير للبشر والحجر والشجر، قبل أن يتحقق هدف الصهاينة الذى على ما يبدو هو محو الوجود الفلسطينى، والشعوب ما بين قهر وإحساس بالعجز لا يملكون إلا بعض صرخات الوجع والوقفات التضامنية بقدر ما تسمح به الحكومات، وتشترك بعض الحكومات والمؤسسات فى محاولة إدخال المساعدات التى تحرص سلطات الاحتلال فى عربدة على تفتيشها، إن هى سمحت بدخولها أصلاً، مع أنها لا تمر عبر الأراضى التى يحتلونها، وإنما تخرج من معبر رفح المصرى إلى قطاع غزة الفلسطينى، وبين انشغال الساسة والشعوب بالسعى لإنهاء الحرب وإدخال المساعدات، ينسى الناس المآسى الإنسانيّة، وأرى أن أفضل فريق من أهل غزة هم من لقوا الشهادة، فهم أحياء عند ربهم يرزقون بإذن الله، لكن المأساة فى الذين هم على قيد الحياة، فكلهم يعانون من الجوع والعطش لقطع الغاصب المحتل الماء وكافة الإمدادات، وحتى وسائل الاتصال فى غالب الأحيان مفقودة، وفريق آخر هُجّر إلى جنوب غزة، ولا يعلم إلا الله ما عانوه فى رحلتهم التى لم تخل من غدر العدو الذى قصفهم أكثر من مرة ؛بعد أن أجبرهم على السير فى طرق محددة، ولا يعلم إلا الله كيف هم بعد أن وصلوا إلى جنوب غزة وكم فقيداً فقدوا أثناء رحلتهم جراء القصف أو الإعياء لمجهود السير على الأقدام بلا طعام ولا شراب، ولا أظن أنهم وجدوا الأماكن التى تتسع لهم وقد جاوز عددهم المليون ونصف المليون نازح، أى إنهم غالب من بقى من سكان غزة على قيد الحياة، وفريق أصيب بإصابات مختلفة ولا يجد مأوى لعلاجه، مع أن مستشفيات أعدتها مصر فى انتظارهم، لكن الإجراءات والصلف الصهيونى يحول دون وصول الكثيرين منهم للعلاج، أما المأساة الأشد إيلاما من ذلك كله فهى آلاف الأطفال الذين فقدوا جميع أهلهم، منهم الرضع ومنهم من يَحبون، ومنهم من يمشون على قدميهم أولى خطواتهم ولا يدرون ما الذى يحدث حولهم ولا ما حل ببيوتهم وألعابهم وأهليهم، وهؤلاء الأطفال بكل تأكيد تعجز المؤسسات الإنسانيّة عن رعايتهم فى ظل هذه الظروف التى لا يوجد معها الأمان فى أى موضع، حتى هذه المؤسسات الخيريّة هى ليست بمأمن من قصف الصهاينة، وحتى لو قدر لهذه المؤسسات القدرة على إبقائهم على قيد الحياة فإن الآثار النفسية للكبار من هؤلاء الأطفال تحتاج لجهود مهولة لإخراجهم من الرعب الذى شاهدناه على وجوههم وهم يرتعشون ليس من البرد ولكن من الفزع والخوف وآلام جراحهم.

إن مآسى هؤلاء الأطفال أعلنت شهادة وفاة وتحلل مؤسسات الطفولة بكافة أنواعها الأممية والإقليمية، ليس هذا وفقط، بل أثبتت بما لايدع مجالا للشك بأن الشعارات التى ترفعها هذه المنظمات شعارات كاذبة كمن كتبوها، وأن جهود هذه المؤسسات ليست عامة بل هى جهود توجه لفئات بعينها وقوميات لا تمت لنا بصلة، وأن هذه المؤسسات كغيرها من المؤسسات والهيئات المتنوعة تأتمر بأمر رعاة الإرهاب والتدمير الكبار اسماً الصغار شأناً وقيماً وأخلاقاً. بكل تأكيد هناك أيتام من الجانب الصهيونى فقدوا بعض أهلهم، وهناك جرحى، ولكن هيهات هيهات أن يوجد بينهم من يعانى شيئا مما يعانيه أطفال غزة، فمستشفيات الصهاينة بخير، وليست كمستشفيات غزة السابقة التى أصبحت أثرا بعد عين، ومستويات الخدمة فيها مستويات متقدمة بفضل الدعم اللامحدود من الشياطين الكبار، ولو فرض أن بعض الحالات تحتاج لعلاج لا تقدمه مستشفيات الصهاينة فأبواب الغرب مفتوحة على مصاريعها لاستقبالهم، وتقديم أفضل رعاية طبية ونفسية واجتماعية، وكأن أطفال الصهاينة لا يصح مقارنتهم على الإطلاق بأطفال غزة، فأطفال الصهاينة الذين أصابهم الهلع من أسلحة أشد قليلا من الأسلحة التى يستخدمها الناس فى معاركهم الداخلية بين العائلات فى بعض محافظاتنا، أكثر هلعا وتضررا من أطفال غرة الذين أخرجوهم من تحت أنقاض الصواريخ والقنابل المحرمة دوليا، بينما بقى الآباء والأمهات جثثا تحت الأنقاض! إنها موازين الغرب الجائرة التى تكيل بمكاييل متفاوتة أكثرها إبخاسا هى التى يُكال لنا بها.

لم نسمع منظمة من هذه المنظمات الفاشلة المعادية للعرب والمسلمين ذكرت أطفال غزة الذين ارتاحوا من وجوههم الكالحة، وانتقلوا إلى رحاب ربهم ينتظرون قتلاهم والساكتين على قتلهم والمحرضين ليحاجوهم عند ربهم، ولا من بقوا يتألمون من جراحهم التى لا تحتملها أجسادهم الضاوية إضافة إلى فقد أحبتهم أجمعين، لم نجد ولم نسمع منظمة واحدة ذكرتهم بكلمة خير، ولا أبدت منظمة من المنظمات التى يقال إنها معنية بالطفولة السماح لهؤلاء الأطفال بالسفر للعلاج فضلا عن استعدادها لعلاجهم!.

بكل تأكيد فإن من سيبقى من هؤلاء الأطفال سيحمل فى طياته جراحا وآلاما  قد تكون هى وقود تحريرهم لفلسطين مستقبلا، فقد رأوا بأم أعينهم ماحل بآبائهم وأمهاتهم تحت الأنقاض، ورأينا بعضهم وفى عينيه التحدى والإصرار على الثأر أو الشهادة للحاق بأحبتهم، فاتركوهم بلا علاج ولا رعاية إن شئتم وويلكم من أيديهم وعقولهم ليزيد إصرارهم على رد الصاع لكم ولأنصاركم.

أما نحن فعار علينا ترك هؤلاء فى معاناتهم وإن كنا نعجز عن نصرتهم عسكريا، فلا أقل أن تسعى دول المسلمين والعرب الكثيرة لإيجاد وسيلة للوصول إلى هؤلاء البؤساء، ومد يد العون لهم، فأمر هؤلاء أرى أنه أولى من أمر الجرحى الكبار، وهم أحوج إلى الرعاية والكفالة من أيتام دولنا، فأيتامنا فقدوا العائل وبقى لهم فى الغالب بعض الأهل؛ فألم فقدهم  العائل لا يقارن بألم أطفال غزة، الذى فقد الأهل كافة وشهدوا بأم أعينهم مصرعهم وهم فى أحضانهم، فلتتسابق دولنا فى مد يد العون لهم، واستخدام كافة وسائل الضغط للوصول إليهم، وحسبنا وقوف من رحلوا إلى ربهم يشكوننا يوم القيامة بأننا وقفنا موقف المتفرج، وهم يُحرقون ويُذبحون واكتفينا بغض البصر عن رؤية مناظرهم وهم صرعى!

وإذا كانت هذه مأساة أطفال غزة فى غزة، فإن هناك خارج غزة من يغفل الناس عنهم مع أنهم  يعانون كإخوانهم فى الداخل، وهؤلاء هم أبناء فلسطين الذين يدرسون أو يقيمون فى بلاد العرب والمسلمين للعلاج ونحوه، وهؤلاء يعانون قلقا وحزنا على إخوتهم الذين لا يعرفون هل استشهدوا أو أنهم ما زالوا ينتظرون دورهم فى الشهادة، ثم يعانون معاناة أخرى نتجت عن تقطع سبل التواصل بينهم وبين ذويهم الذين كانوا يتكفلون بنفقاتهم الدراسية والعلاجية ونحوهما، فهؤلاء إما قتلوا فى حرب الإبادة التى ينفذها الصهاينة وهلكت أموالهم، وإما  هلك أموالهم جراء القصف الجبان الذى يمارسه الصهاينة ليلا ونهارا، وحتى لو بقى معهم مال فهم غير قادرين على إرساله لأولادهم فى دولنا، ولذا فإن علينا البحث عن هؤلاء لنكون أهلا لهم حتى تزول الغمة وينفرج الكرب، فلا أقل من أن تتحمل عنهم المؤسسات كافة النفقات الدراسيّة والعلاجيّة، ويسقط عنهم أهل المساكن التى يسكنونها بالأجرة الأجرة المستحقة عليهم، وتتكفل مؤسسات أخرى بنفقات معيشتهم، ولا أظن أن بيت الزكاة والصدقات المصرى سيرد طالبا منهم، بل سيبادر بمد يد العون متى عرفهم من دون طلب منهم، وهذا أضعف الإيمان كما ذكر فضيلة الإمام الأكبر حرفياً.

حفظ الله بلادنا من كيد الكائدين ومكر الماكرين واعتداء المعتدين، ونصر إخواننا فى فلسطين، ودمر الصهاينة الغاصبين، ومن وقف خلفهم من أعداء الدين ومن قبلهم من ناصرهم من بين المسلمين.

 

 

طباعة
كلمات دالة: فلسطين
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg