| 16 أبريل 2024 م

أراء و أفكار

قاضي القضاة.. شقيقان يقفان أمام المحكمة للفوز برعاية أمهما التى تجاوزت 100 عام!

  • | الثلاثاء, 6 ديسمبر, 2016
قاضي القضاة.. شقيقان يقفان أمام المحكمة للفوز برعاية أمهما التى تجاوزت 100 عام!

وصل خلاف بين شقيقين سعوديين على أحقية كل منهما برعاية والدتهما إلى المحاكم فى محافظة الأسياح التابعة لمنطقة القصيم، بعدما فشل بعض أهل البلدة التابعين لها فى حل الخلاف بينهما.

وفى تفاصيل القضية التى عرضها تقرير تلفزيونى لقناة “ام بى سي” أن أحد الأبناء ويدعى “حيزان” لم يتزوج ولم يبحث عن وظيفة، من أجل أن يخدم أمه قائلاً: “كيف تكون أمى على قيد الحياة ولا أكون عند قدميها كل لحظة”.

فيما أوضح أحد المقربين من الأسرة أن حيزان طلب القاضى أن يتم إحضار الأم المسنة التى تجاوز عمرها 100 عام، وطالبها بالاختيار لترد بقولها: “واحدة على العين هذه وواحدة على العين الثانية”.

يشار إلى أن القاضى حكم للأخ المتزوج بأحقيته فى رعايتها، بحكم أن لديه أولادًا وبناتٍ لكى يتمكنوا من خدمتها، لكن حيزان لم يرض بالحكم، وتمسك بوالدته حتى توفيت عنده.

والسؤال.. ما رأى الشرع فى موقف  الشقيق (حيزان)، وما الدروس المستفادة من هذه القضية.

يعلق د.عبدالحليم منصور، أستاذ الفقه المقارن ووكيل كلية الشريعة والقانون بالدقهلية.. على هذه القضية قائلا:

هذه القضية المعروضة تسير عكس اتجاه القضايا المتداولة الآن فى المحاكم العربية والمتعلقة برعاية الوالدين، إذ الغالبية العظمى يتم فيها الشكوى من عقوق الأبناء لوالديهم، وإيداعهم دور المسنين، وعدم القيام على رعايتهم بشكل كاف، لكن هذه القضية عكس كل ما سبق، وتقول: إن الدنيا لا يزال بها خير إلى قيام الساعة مصداقًا لقول النبى عليه الصلاة والسلام: “ الخير فى وفى أمتى إلى يوم القيامة.

وتعليقًا على وقائعها أقول:

أولا - إن وجود الوالدين أو أحدهما على قيد الحياة نعمة كبرى، لا تدانيها نعمة، تستوجب الشكر لله سبحانه وتعالى، وشكر هذه النعمة يكون ببر الوالدين أو الموجود منهما على قيد الحياة، لأن ذلك سبب دخول الجنة لما ورد فى الحديث الذى رواه الإمام مسلم عن أبى هُريْرَةَ عن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال رغِمَ أَنفُ ثمَّ رغِمَ أَنفُ ثمَّ رغِمَ أَنفُ قيلَ من يا رسُولَ اللّهِ قال من أَدرَكَ أَبَوَيهِ عِندَ الكِبَرِ أحَدَهُمَا أو كِلَيهِمَا فلم يَدخُلْ الجَنَّةَ.

ثانيا - من حق كل من الابنين أن يكون بارًّا بأمه، كما أنها أم لكل منهما معا، وليست أما لأحدهما دون الآخر، كما أنه ليس من حق أحدهما الاستئثار ببرها ورعايتها دون أخيه، والقيام على رعايتها هو واجب مشترك بينهما، ومن ثم فكان الأولى بدلا من هذا الخلاف، أن يتفق الابنان على أن يقوم كل واحد منهما برعايتها أسبوعًا، أو شهرًا، أو مدة معينة يتفقان عليها، على أن يقوم أخوه الآخر بمثل ذلك، وبهذا يتحقق لكل منهما ما أراد من القيام بواجب الرعاية لأمه، وفضلا عن ذلك يمكنه فى خلال المدة الأخرى التى تكون فيها الأم عند أخيه أن يتعهدها أيضاً بالزيارة، والمتابعة، وإحضار بعض المأكولات، والمستلزمات التى تحتاج إليها الأم المسنة، والسؤال عنها، والاتصال بها، ومتابعة حياتها بشكل كامل.

ثالثا - هذه القضية - رغم ما فيها من خلاف بين الابنين - أرى أنها نموذج يجب على وسائل الإعلام العربى والإسلامى تقديمه للناس قاطبة، حتى يتعلم الأبناء أن الخلاف ليس على الميراث فحسب، وعلى ما خلفه الوالدان من أموال، وإنما الخلاف يمكن أن يمتد إلى أمور الرعاية، والاهتمام بالأم، ولزوم قدميها، حتى لو وصل الأمر للقضاء، فهو تنافس فى البر، وخلاف مقبول، لأنه حول أعظم طاعة، هى بر الوالدين، لذا أدعو القائمين على الأعمال الدرامية، وكذا مقدمى البرامج، والمهتمين بشأن الأسرة تقديم هذه القضية للناس، ليتعلم منها الشباب والصغار القدوة فى البر، ولتكريس معانى رعاية الأبوين، بدلا من إهمالها فى وقت الكبر والشيخوخة.

رابعا - إن الإسلام اعتنى بالوالدين أيما اعتناء، لما لهما من فضل عظيم على أبنائهما، لأنهما سبب وجودهم فى هذه الحياة، ولما يقوم به الوالدين من رعاية، وتربية، واهتمام، حتى يصير الأبناء قادرين على مواجهة صعاب الحياة بشكل كامل ومستقل عن أبويهما، ذلك دعا القرآن الكريم الأبناء وأوجب عليهم البر بالآباء لاسيما عند الكبر، ووقت الحاجة.

قال تعالى: “ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً» سورة الإسراء.

قال الشوكانى: ذكر القفال فى معنى خفض الجناح وجهين:

الأول: إن الطائر إذا أراد ضم فراخه إليه للتربية خفض لها جناحه، فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير، فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك فى حال صغرك.

والثانى: إن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد النزول خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية عن التواضع وترك الارتفاع.

وقال عطاء: جناحك يداك، لا ينبغى أن ترفع يديك على والديك، ولا ينبغى لك أن تحد بصرك إليهما تغيظا.

خامسا - هذه القضية نموذج أخلاقى جدير الاقتفاء والاحتفاء، ذلك أن المجتمعات التى تعنى بتطبيق تعاليم الإسلام من القرآن والسنة، واتباع هدى النبى فى البر بالوالدين، هو مجتمع أخلاقى جدير بالاحترام، قال عليه الصلاة والسلام: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وقال أيضاً: "أقربكم منى مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا الموطأون أكنافا الذين بألفون ويؤلفون" وقال تعالى فى وصف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (وإنك لعلى خلق عظيم) ونحن مأمورون أن نسير على دربه، وأن نقتفى أثره، وأن نتعامل مع البشر بالحسنى، ولين الجانب، وخفض الجناح، قال تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) فالأخلاق الفاضلة الحميدة تأمر باتباع أسلوب البر والاحتفاء بالوالدين، والاعتماء بهما لاسيما وهما فى وقت الكبر والشيخوخة.

سادسا - إن عقوق الوالدين من أخطر الجرائم التى يمكن أن يرتكبها إنسان على وجه الأرض فعن الْمغِيرَةِ عن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: "إنَّ اللّهَ حرَّمَ عَلَيْكمْ عقُوقَ الْأمَّهَاتِ وَمَنعاً وهَاتِ وَوَأدَ البَنَاتِ وَكَرهَ لَكمْ قيلَ وقال وَكَثرَةَ السّؤَالِ وَإضَاعَةَ المَالِ" وعن عبدالرحمن بن أبى بَكرَةَ عن أبيه رضى الله عنه قال: قال رسول اللّهِ: “ ألا أُنَبّئُكُمْ بأَكْبَرِ الْكَبَائرِ؟ قُلْنا: بلَى يا رسُولَ اللّهِ، قال: الْإشْرَاكُ باللَّهِ، وعُقُوقُ الْوَالدَيْنِ.. إلخ “

وعن أسْمَاءَ قالت: قدِمَتْ أمِّى وهِيَ مُشْرِكةٌ فى عهْدِ قُريْشٍ ومُدَّتِهِمْ إذْ عاهَدُوا النبى مع أبيها فاسْتَفْتَيْتُ النبى صلى الله عليه وسلم فقلت: إنَّ أمِّى قدِمَتْ وهِيَ راغِبَةٌ قال: نعم صلى أُمّكِ “

وعن عبداللّهِ بن عَمرٍو رضى الله عنهما قال: جاء أَعرَابِيٌّ إلى النبى فقال: يا رسُولَ اللّهِ ما الكَبَائِرُ؟ قال: الإِشْرَاكُ بِاللّهِ، قال: ثمَّ ماذَا؟ قال: ثمَّ عقُوقُ الوَالِدَيْنِ، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم عقوق الوالدين.. “

سابعا - تشير هذه القضية إلى أمر غاية فى الأهمية وهو أن البر بالآباء لا يعنى الانقطاع عن الحياة، بدعوى البر بالأم على النحو الذى فعله أحد الأبناء وهو (حيزان) ذلك أن الإنسان مكلف بمجموعة من الواجبات والتكاليف الشرعية، ولا يجب أن يطغى جانب على آخر، فلا يجوز له أن ينقطع عن الحياة بدعوى بر الأم، والقيام على رعايتها، ذلك أن الإنسان يستطيع التوفيق بين جميع التكاليف والواجبات، فيؤدى واجب العمل فى وقت، وواجب الرعاية للأم فى وقت آخر، كما أن ترك الزواج بدعوى الاهتمام بالأم أيضاً غير مقبول، لأن الزواج من سنن الإسلام، والنبى عليه الصلاة والسلام قال لمن رغب عن سنة الزواج: "فمَنْ رَغبَ عن سنتى فلَيْسَ مني".

ومن ثم فالإسلام لا يدعو إلى تبتل، ولا إلى بطالة، بدعوى بر الوالدين، فهذا ليس من الإسلام فى شىء، ذلك أن تحقيق معنى الخلافة عن الله عز وجل فى الأرض يقتضى من المسلم العمل بكل ما أوتى من قوة لتحقيق الخلافة عن الله فى أبهى صورها، واتباع النبى عليه الصلاة والسلام يقتضى من المسلم الزواج، وبناء الأسرة، التى هو نواة المجتمع، ولتحقيق مقصود الشارع من حفظ النسل، وإلا لو فعل كل الناس ذلك لما استقامت الحياة، ولسادت البطالة الناس، وانهدمت الأسر، وكل ذلك غير سائغ شرعا.

ثامنا - الأحكام القضائية له من صفة الإلزام ما يجعل تنفيذها وعدم مخالفتها أمرا واجبا شرعا، وإلا لتعطل الفصل فى المنازعات بين الناس، وعدم تنفيذ حكم القضاء الصادر من المحكمة بأحقية أحد الأبناء دون الآخر، لأن له زوجة، وبنات، يمكنهم مساعدة الأم بشكل أفضل، له منطقه ووجاهته، لاسيما أن هذا لن يعوق الابن الآخر عن البر بأمه، وزيارتها، والاهتمام بها، والسؤال عنها، وغير ذلك، وهذا الأمر مما يجب بيانه للناس، لأن الأحكام القضائية، لا يجوز الاستهانة بها، بمخالفتها، لأن هذه المخالفة توقع فى المحظور والإثم.

تاسعا - يجب على الدولة من خلال مناهج التعليم أن تعرف الأبناء وتعلمهم حقوق الأبناء، وكذا حقوق الآباء، وما يجب على كل منهما تجاه الآخر، حتى يشب الأبناء وقد أشربوا هذه المبادئ وتحولت إلى واقع وسلوك عملى فى حياتهم، ويجب أيضاً على وسائل الإعلام المختلفة إبراز هذه الأمور من خلال البرامج، والأعمال الدرامية، حتى يتشكل وعى الأمة كلها بقضية حقوق الأبناء والآباء، حتى يتفادى المجتمع كثيرا من المشكلات والجرائم التى تقض مضجعه صباح مساء.

عاشرا - يجب على العلماء والشيوخ والكتاب والمثقفين، وغيرهم ممن يساهمون فى صياغة العقل الجمعى للأمة توضيح هذه الحقائق للناس، وبيان الحلال منها والحرام، حتى تترسخ هذه الأمور فى أذهان الجميع، ويعرف كل فرد فى المجتمع حقه وواجبه فى آن واحد، حتى ينعم الجميع بحياة هادئة هانئة ملؤها الحب والسعادة والتناغم.

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg