| 30 يونيو 2022 م

أراء و أفكار

علماء الأزهر: احتفاء القرآن بالمسيح وأمه أبلغ رد على "مثيري الفتن"

  • | الخميس, 28 ديسمبر, 2017
علماء الأزهر: احتفاء القرآن بالمسيح وأمه أبلغ رد على "مثيري الفتن"

فى مثل هذه الأيام من كل عام يخرج علينا بعض مثيرى الفتن الطائفية بين أبناء الدولة المصرية زاعمين حرمة تهنئة الاخوة الأقباط بأعيادهم متوهمين أنهم يخدمون الإسلام رغم أنهم يعكرون صفو المجتمع ويغرون أحداث الأسنان ممن لا يفقهون أمور دينهم بالاعتداء على المواطنين الأقباط تأثرا بهذه الفتاوى المضللة، صوت الأزهر قطعت الطريق على هؤلاء المتربصين بأمن واستقرار الوطن وناقشت عددا من علماء الأزهر للحديث عن فضل سيدنا عيسى وأمه وكيف احتفى الإسلام بهما بما ورد فى القرآن والسنة النبوية المشرفة فى هذه السطور..

فى البداية، قال الدكتور غانم السعيد رئيس قسم البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، إن الإسلام الحنيف كرم سيدنا عيسى بن مريم عليهما السلام أفضل تكريم حيث احتل نبى الله عيسى وأمه العذراء مساحة واسعة من حديث القرآن الكريم عن الأنبياء والرسل، ففى القرآن سورة باسم المائدة التى طلبها عيسى من ربه لينزلها على قومه بعد أن طلبوها منه لتكون لهم عيدا لأولهم وآخرهم، وفى القرآن أيضاً سورة باسم أمه «مريم» وفى القرآن أيضاً سورة لـآل عمران، عشيرة عيسى عليه السلام.

وأضاف أن القرآن تحدث طويلا عن كيفية ميلاده وكيف برأ أمه عندما نطق فى المهد بأنه عبدالله آتاه  الله الكتاب وجعله نبيا، وجعله مباركا وأوصاه بالصلاة والزكاة،  كما تحدث عن معجزاته الطبية التى تحدى بها بنى إسرائيل الذين كان الطب علمهم الأول الذى برعوا فيه فى ذلك الوقت، فقال لهم: إنى أبرئ الأكمه والأبرص، وأحى الموتى بإذن الله، وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم، كما تحدث أيضاً عن حواره مع ربه الذى يقر فيه أمام ربه بألوهيته وينفى عنه ما اتهم به بأنه قال لقومه اتخذونى وأمى إلهين من دون الله وأنه ما قال إلا ما أمره به ربه وهو الدعوة إلى عبادة الله الأحد.

ولم يتجاهل القرآن ذكر أن أتباعه من النصارى هم أقرب الناس مودة للمؤمنبن من غيرهم من اليهود والمشركين: «ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون».

وتابع: وقد شرف القرآن السيدة مريم بحديث طويل، منذ أن اعتزلت قومها للعبادة ثم نفخ الله فيها بروحه فكان عيسى حتى ولادته ومواجهة قومها به، وقد امتدحها الله فى كثير من آياته ومنها ما جاء على لسان الملائكة «يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين»، وفى هذا قال رسول الله عن أخيه عيسى عليه السلام: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم فى الدنيا والآخرة، الأنبياء إخوة أمهاتهم شتى ودينهم واحد وليس بينى وبين عيسى ابن مريم نبى».

واستطرد: وكان صلى الله عليه وسلم يشبِّه بعض صحابته فى وفائهم وصدقهم وزهدهم  بنبى الله عيسى عليه السلام، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما أظلَّتِ الخضراءُ، ولا أقلَّتِ الغبراءُ مِنْ ذِى لَهْجَة أصْدَقَ ولا أوْفى مِن أبى ذرّ، شبهِ عيسى ابن مريم»، وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: «أبو ذر يمشى فى الأرض بزهد عيسى ابن مريم»،  وقد أجاز  القرآن الكريم  مؤاكلة أهل الكتاب «اليهود والنصارى» ومصاهرتهم، بمعنى: أن يأكل المسلم من ذبائحهم ويتزوج من نسائهم، كما قال تعالى فى سورة المائدة: «وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم»، كما أن من لوازم هذا الزواج وثمراته: وجود المودة بين الزوجين، كما قال تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة».

ونوه إلى أن من ثمرات هذا الزواج أيضاً المصاهرة بين الأسرتين، وهى إحدى الرابطتين الطبيعيتين الأساسيتين بين البشر، كما أشار القرآن بقوله: «وهو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسباً وصهراً»، ومن توابع ذلك الزواج: وجود الأمومة وما لها من حقوق مؤكدة على ولدها فى الإسلام، فهل من البر والمصاحبة بالمعروف أن تمر مناسبة الأعياد عندها ولا يهنئها أبناؤها وزوجها المسلمون؟ وما موقف أبنائها المسلمين من أقاربهم من جهة أمهم، مثل الجد والجدة، والخال والخالة، وأولاد الأخوال والخالات، وهؤلاء لهم حقوق الأرحام وذوى القربى، وهذا يوصلنا إلى القضية التى تثار كثيرا مع كل احتفالات للنصارى بأعيادهم، وهى حكم تهنئتهم بهذه المناسبات، وأرى أن هذه التهنئة ليست فيها مخالفة شرعية وبخاصة إذا كانوا يبادرون المسلم بتهنئته بأعياده الإسلامية، فقد أمرنا ربنا أن نجازى الحسنة بالحسنة، وأن نرد التحية بأحسن منها، أو بمثلها على الأقل، كما قال تعالى: «وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها».

ووأوضح قائلا: لا يحسن بالمسلم أن يكون أقل كرما، وأدنى حظا فى حسن الخلق من غيره، ومن المفترض أن يكون المسلم هو الأوفر حظا، والأكمل خلقا، كما جاء فى الحديث «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا»، لافتا إلى أنه إذا كان النبى صلى الله عليه وسلم قد عاد غلاما يهوديا لما علم بمرضه، فهل يمنعنا ديننا أن نعود أهل الكتاب فى أفراحهم وأتراحهم؟، ووقف صلى الله عليه وسلم لمرور جنازة يهودى، مؤكد أن ديننا الإسلامى فيه من السماحة والسعة والبساطة ما يسمح للمسلم بالانفتاح على الآخر والتواصل معه على كل المستويات من أكل الطعام ومن الشراب والزواج، والبر والقسط والإحسان، وهذا مما لا نجده فى أى دين من الأديان أو عند معتقد من المعتقدات.

من جهتها قالت الدكتورة إلهام محمد شاهين عضو هيئة تدريس بقسم العقيدة والفلسفة جامعة الأزهر، إن هذه الآونة يكثر الجدل بسبب انتشار الفتاوى بين ما تحرم تهنئة المسيحيين فى أعيادهم من عدمه، مؤكدة أن فريقا كبيرا من العلماء أباحوا تهنئة المسيحيين المسالمين لنا بعيدهم، خاصة أن الأوضاع العالمية قد تغيرت وأن الإسلام أمرنا ببرهم فى أكثر من موضع قرآنى، لافتة إلى أن الحجج التى تنادى بتحريم التهنئة، تستند إلى بعض الفتاوى المعتمدة على أدلة وحجج أغلبها فيه نظر نوضحها فيما يلى، أن حديث «من تشبه بقوم فهو منهم» قال كثير من علماء الحديث إن فى إسناده ضعفا ومن هؤلاء الهيثمى والزركشى والسخاوى والصنعانى والعجلونى وحسان عبدالمنان وشعيب الأرناؤوط وممن صححه أو حسنه أبوداود وابن حبان والألبانى الذى قال رجاله ثقات إلا ابن ثوبان ففيه خلاف.

وتابعت: الإسلام أباح زواج المسلم من أهل الكتاب بإذن أهلها وأباح له أن يقبلها كما هى فلا يكرهها على تغيير دينها بل أمره أن يحترم مشاعرها ولا يؤذيها فى عقيدتها الدينية بل وعدم التضييق عليها فى ممارسة شعائر دينها فى بيته الذى هو بيتها ومن ذلك اباحة الاحتفال بأعيادها ومناسباتها الدينية داخل بيتها بمشاركة زوجها وأبنائه، مضيفة أن الإسلام أمر الزوج بالتعامل مع زوجته بالمودة والرحمة والعدل بين الزوجات ومن المودة والرحمة أن يأتى عيد زوجته المسيحية فيشاركها فيه ومن العدل بين الزوجات أن يتزاور مع أهل زوجته المسيحية فى عيدهم كما يحتفل مع زوجته المسلمة وأهلها فى عيدهم ولا يمنع أبناءه منها من زيارة أخوالهم وخالاتهم وجدهم وجدتهم وسائر أهلهم لأمهم وبرهم ومشاركتهم فى أعيادهم.

وأضافت أن أى إنسان إذا دخل إلى الإسلام فهو مأمور بالبر بوالديه والإحسان إليهما ولو كانا على غير دينه لقوله تعالى: «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوَالِدَيْكَ إِلَى الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَى ثُمَّ إِلَى مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» وقوله: وَصاحِبْهُما فِى الدُّنْيا مَعْرُوفاً، أَى بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الْبِرُّ وَالصِّلَةُ وَالْعِشْرَةُ الْجَمِيلَةُ كما ورد فى كتب التفسير فإذا كان يوم عيدهما فلا يجافيهما بل يهنئهما ويتواصل معهما فى العيد أما عدم التهنئة توهم بأن الإسلام قد جعله جافا غليظ القلب معهما فيمتنع هو ويمنع زوجته وأبناءه أى أحفادهما من مشاركتهما فى الأعياد وكيف يوفق شخص فى مثل هذه الظروف -وهم فى الغرب كثير- بين أمر الله بالبر بهما الوارد فى عدة مواضع فى القرآن الكريم وبين الفتوى المعتمدة على حديث فى إسناده ضعف وهو ليس نصا صريحا فى تحريم التهنئة.

وأشارت إلى أن من معانى البر، إيصال الخير إلى الغير مع قطع النظر عن محبتك له أو كراهيتك إياه، وهو الذى قال رسولنا فى معناه: «البر حسن الخلق» وهو المقصود فى التعامل مع أهل الكتاب من أعمال الجوارح وهو القول والفعل وهو المقصود فى قوله تعالى «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»، موضحة أن الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم أمرا بالإحسان إلى الأهل والجيران المسيحى والمسلم وغيرهم فى القرآن والسنة.

وأكدت أن من أبواب الخيرات والإحسان التهنئة فى الأعياد والمشاركة فى الأفراح والأحزان، مضيفة أن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما ذهب إلى المدينة وجد اليهود يصومون فسألهم عن سبب صومهم فى العاشر من المحرم فقالوا: ذلك يوم نجى الله فيه موسى، فشاركهم صيامه ولم ينه عن الاحتفال بذلك اليوم وصامه وأمر المسلمين بصيامه وقال: «نحن أولى بموسى منكم».

أحمد نبيوة

طباعة
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2022 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg