| 19 مايو 2022 م

أراء و أفكار

الدكتور سعيد عامر.. يكتب: كيف انتصر الإسلام لتعاليم المسيح؟

  • | الخميس, 28 ديسمبر, 2017
الدكتور سعيد عامر.. يكتب: كيف انتصر الإسلام لتعاليم المسيح؟
د. سعيد عامر .. الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية

لقد عُرف الإسلام بسماحته وعدله ورحمته، وهذا واضح حتى مع غير المسلمين، وقد حث الإسلام على مفاهيم كثيرة حسنة فى التعامل مع غير المسلمين، من هذه المفاهيم: اعتقاد المسلم بكرامة الإنسان أياً كان دينه أو جنسه أو لونه، واعتقاد المسلم أن اختلاف الناس فى الدين واقع بمشيئة الله تعالى الذى منح هذا النوع من خلقه الحرية والاختيار فيما يفعل ويدع «وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» «هود118/119»، وهو أكبر عون لحرية الإنسانية وحضارتها، فالإسلام علم الإنسان عظمة الحب والإخاء والتسامح، وهو الذى طلب من المسلمين ألا يسفهوا عبادات غير المسلمين، وأن يحترموا مشاعر الآخرين، وعلمهم المثُل الحقيقية للتسامح.

فالوسطية هى إحدى حقائق الإسلام، ورسالة، سبقها بناء متكامل، فتعاليم السيد المسيح عليه السلام، وفى طليعتها السلام والرحمة.... ، لم تجد كالإسلام نصيرا لها ولا مدافعاً عنها، وسوى الإسلام بين أهل الكتاب فى بلاد الإسلام وبين المسلمين فى الحقوق والواجبات «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» ليعيش الناس آمنين على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، حيث وضع دستور العلاقة بين المسلمين وغيرهم قال تعالى» لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» «الممتحنة/8»، وقد أمر الإسلام ببر المسالمين والإقساط إليهم، والبر: يعنى الإحسان والفضل، وهو فوق العدل، والقسط يعنى: العدل، أو أن تعطى الشخص حقه لا تنقص منه، والبر: أن تزيده عن حقه فضلا وإحساناً.

وقد اختار الله تعالى للتعامل مع غير المسلمين كلمة «البر» وهى الكلمة المستخدمة فى أعظم حق على الإنسان بعد حق الله تعالى وهو «بر الوالدين»، كما أجاز الإسلام مؤاكلتهم ومصاهرتهم «وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ» «المائدة/5»، ومن لوازم هذا الزواج: وجود المودة بين الزوجين، وكيف لا يود الرجل زوجته وربة بيته وشريكة عمره، وأم أولاده، كما أن من لوازم هذا الزواج المصاهرة بين الأسرتين، وهى إحدى الرابطتين الطبيعيتين الأساسيتين بين البشر «وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً» «الفرقان/54».

وجعل الإسلام القول الحسن ضمن الفضائل التى يجب أن يتحلى بها المؤمن «وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ» «البقرة/83»، والقول الحسن ليس للمسلمين فقط، بل لكل الناس مسلمين و غير مسلمين بمناسبة أو غير مناسبة، والقول الحسن هنا واجب إسلامى، والميلاد له فى الإسلام قيمة كبيرة «إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ» «آل عمران/45»، كما أمر الإسلام المسلمين بأن يدفعوا السيئة بالقول الحسن، وربط هذا القول بالدعوة إلى الله والعمل الصالح».. وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» «فصلت/34». وقال صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» رواه أحمد والترمذى، كما أن الإسلام يأمر بالعدل، ويحب القسط، ويدعو إلى مكارم الأخلاق مع جميع الناس.

ومما سبق تتأكد مشروعية تهنئة الأخوة المسيحيين بهذه المناسبة، وهم يبادرون بتهنئة المسلم بأعياده الإسلامية، وقد أمرنا أن نُجازى الحسنة بالحسنة، وأن نرد التحية بأحسن منها، أو بمثلها على الأقل، كما قال تعالى «وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا» «النساء/86»، والمسلم مأمور بحسن الخلق «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً»، «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم حسن الطباع، كريم الخلق، مع كل الناس.

والكلمات المعتادة للتهنئة فى مثل هذه المناسبات من كريم الأخلاق وصلة القرابة، والجوار والزمالة وغير ذلك من العلاقات الاجتماعية التى تقتضى المودة وحسن الصلة، التى رغب الإسلام فيها فأقرها العرف السليم، ولا يخفى أن كلام ابن تيمية رحمه الله فى كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم» قد أفتاه فى ضوء أحوال زمانه، ولو عاش رضى الله عنه فى زمننا ورأى تشابك العلاقات بين الناس بعضهم وبعض، وتقارب العالم حتى غدا كأنه حجرة صغيرة، ورأى حاجة المسلمين إلى التعامل مع غير المسلمين، ورأى حاجة المجتمع إلى الاقتراب والتسامح والمحبة، وإظهار المسلم بصورة الرفق لا العنف والتبشير لا التنفير، ورأى أن تهنئة المسلم جاره أو زميله، وأستاذه... إلخ فى هذه المناسبة تحمل معانى جميلة، لو رأى هذا وغيره لغيَّر رأيه، لأنه يراعى الزمان والمكان والحال فى الفتوى.

وعليه لا يجوز أن تُحمل تصرفات قليل من المسلمين.ممن ضاق أفقهم أو ساء فهمهم. فمن المقطوع به أن الإسلام حجة على المسلمين، وليس المسلمون حجة على الإسلام، وكم ابتلى الإسلام بأناس ينسبون إليه، ويحسبون عليه، ولكنهم يؤذونه بسلوكهم وأقوالهم أكثر مما يؤذيه أعداؤه الذين يكيدون له أو يقاتلونه، وقديماً قالوا: «عدو عاقل خير من صديق أحمق»، وقال الشاعر: لكل داء دواء يستطب به .. إلا الحماقة أعيت من يداويها.

إن هؤلاء الجهال ممن يتعصبون ضد مخالفيهم ويسيئون معهم بلا مبرر، وربما ينتهى ببعضهم الغلو إلى استباحة أموالهم ودمائهم، هؤلاء لم يسلم من أذاهم أيضاً إخوانهم فى الدين من المسلمين، بل هم يبدأون بالتطاول عليهم والاتهام لهم فى إيمانهم وتدينهم إلى حد قد ينتهى بتكفيرهم وإخراجهم من الملة والتقرب إلى الله باستباحة حرماتهم، وهذا ما يفعله الجهل والغلو والتنطع بأهله، وهذا ما لمسناه فى الخوارج قديماً ولمسناه فى خلفائهم حديثاً.

ودعا الإسلام الحنيف إلى إعلاء روح التسامح مع غير المسلمين والتى يجب أن تبدو فى حسن المعاشرة ولطف المعاملة، ورعاية الجوار، وسعة المشاعر الإنسانية من البر والرحمة والإحسان، وهى الأمور التى تحتاج إليها الحياة اليومية، تتجلى هذه السماحة فى مثل قول الله تعالى فى شأن الوالدين المشركين: «وَصَاحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفاً» «لقمان/15»، وقبل النبى صلى الله عليه وسلم الهدايا من غير المسلمين، واستعان فى سلمه وحربه بغير المسلمين حيث ضمن ولاءهم له، ولم يخش منهم شرا ولا كيدا. وقد أوصى الصحابة رضى الله عنهم بحسن المعاملة والتسامح مع غير المسلمين. وكان عبدالله بن عمرو رضى الله عنهما يوصى غلامه أن يعطى جاره اليهودى من الأضحية، ويكرر الوصية مرة بعد مرة حتى دهش الغلام.

إن سماحة الإسلام مع غير المسلمين سماحة لم يعرف التاريخ لها مثيلا، خصوصا إذا كانوا أهل كتاب، وبالأخص إذا كانوا مواطنين فى مجتمع واحد، وأما أقباط مصر فلهم شأن خاص ومنزلة مميزة فقد أوصى بهم رسول الله صلى الله عليهم وسلم وصية خاصة، يعيها عقل كل مسلم، ويضعها فى السويداء من قلبه، فقد روى الهيثمى فى مجمع الزوائد والطبرانى ورجاله رجال الصحيح «الله الله فى قبط مصر، فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدة وأعوانا فى سبيل الله»، وفى رواية عن ابن حبان فى صحيحه «...فاستوصوا بهم خيرا، فإنهم قوة لكم، وبلاغ إلى عدوكم بإذن الله»، وقد صدق الواقع التاريخى ما نبأ به الرسول صلى الله عليه وسلم.

طباعة
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2022 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg