| 23 يناير 2022 م

أراء و أفكار

رجائي عطية.. يكتب: الخطاب الديني ودوحة المساواة في الإسلام "1- 2"

  • | الخميس, 28 ديسمبر, 2017
رجائي عطية.. يكتب: الخطاب الديني ودوحة المساواة في الإسلام "1- 2"
رجائي عطية

تنتمى حقوق الإنسان فى الإسلام وفى مقدمتها مبدأ «المساواة» إلى شجرة باسقة، فى دوحة ظليلة.. تمثل ركناً ركيناً من أركان هذه الدعوة العالمية التى أراد لها الله ألاّ تكون محدودة بحدود مكان، أو مقصورة على أقوام، أو مطوية فى زمن واحد من الأزمان.. عالمية الإسلام تعنى أنه دين العالمين من يوم نزلت الرسالة وإلى يوم الدين.. لا تحده أرض، ولا ينقضى بزمن، ولا يستأثر أو يختص به قوم دون أقوام، ولا جيل دون أجيال. هذا الاتساع الكونى للدعوة، جعلها تطوى فى حناياها كل الرسالات، وأوجب أن تتسع لكل الناس.. هذه الدعوة يتجــه خطابها إلى الناس كافة.. أمس، واليوم، وغداً.. على اختلاف أجناسهم وأعراقهم وظروفهم وأحوالهم!!.

وتنوع الخلق لا حدود له، وتفاوتهم من ثم تفاوت واقع حادث لا حد لأشكاله ولا موقف لسننه.. خطاب الدعوة العالمية يتجه إلى معمورات وحضارات، وإلى فيافى وصحارى وقفار.. إلى بقاع باردة، وأخرى حارة.. إلى أراض غنية، وأخرى بلقع.. يتجه إلى الذكور، وإلى الإناث.. إلى الشيوخ والكهول، وإلى الشباب والأطفال.. إلى المرضى، وإلى الأصحاء.. إلى الفقراء، وإلى الأغنياء.. إلى الضعفاء وإلى الأقوياء، وتفاوت هؤلاء وأولاء حقيقة كونية، فكيف تكون بينهم «مساواة «، وكيف يلتئم هؤلاء جميعاً رغم هذه الاختلافات الهائلة والتفاوت الحتمى: الخلقى، والمكتسب.. كيف يلتئمون جميعاً فى شجرة واحدة عمودها «المساواة «؟!

عبقرية الإسلام، هذه الدعوة العالمية، أن تحل هذه المعضلة، فتتعامل مع واقع الاختلاف والتفاوت، ولا تنزع عن الآدمى فى الوقت نفسه إحساسه بالانتماء، وعلى قدم المساواة، إلى هذه الشجرة الإنسانية التى عمادها الإخاء والحرية والمساواة!

الآدمى أى آدمى ليس نسخة مكررة من باقى الآدميين، إنما يختلف بالضرورة عنهم ويختلفون عنه، يتفاوت وإياهم، ويتفاوتون وإياه على قدر حظ كل فرد من «المواهب» الخِلقيّة (بكسر الخاء) أو من المزايا المكتسبة بالتعلم والدراسة والخبرة والاجتهاد، من المحال أن يكون الآدميون جميعاً نسخاً كربونية متماثلة، فالتنوع حتمى فضلاً عن أنه ضرورى لتدافع الحياة وتقاسم الأدوار فيها.. فكيف يمكن أن تتحقق المساواة بين غير المتساوين؟!

وكيف يمكن أن تجرى سنن الأحياء، وتستقيم حوافز الناس ودوافعهم وبواعثهم إذا تساوى الـعالم والجاهل، والنشط والقاعد، العامل والكسلان، المجاهد والمتخاذل، الجاد والهازل، الساعى والخامل؟!!

ثم كيف تكون «المساواة» الشجرة الباسقة التى أرادها الإسلام بعالمية دعوته، لهؤلاء الناس جميعا على اختلافاتهم التى لا تبديل لسننها!!

إنكار الواقع غفلة غبية من المحال أن تقع فيها الدعوة الإلهية العالمية، ثم إن هذا الإنكار للواقع لن يقود إلى شىء، ويحمل فى ذاته معاول هدمه.. الناس متفاوتون ولا بد أن يتفاوتوا بالعلم والفضيلة، فلم ينكر القرآن ذلك، وقال «هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (الزمر /9) «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ» (المجادلة/11).. والناس متفاوتون ولا بد أن يتفاوتوا فى العمل والبذل والعطاء والكد، فلم يشح القرآن المجيد عن ذلك، وقال: «أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِـمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ». (الأنفال 4).. «ولكل درجات مما عملـوا» (الأحقاف/19، (الأنعام /132).. والناس متفاوتون ولابد أن يتفاوتوا فى الجهاد، فلم يتجاهل القرآن الكريم ذلك وقال: «لاَّ يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً». (النساء95).. والناس متفاوتون ولا بد أن يتفاوتوا فى أنصبتهم من الرزق وأسباب المعيشة.. وفى القرآن الحكيم: «نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ» (الزخرف 32)..

بيد أن هذا التفاوت الذى يشير إليه القرآن، لا يحظى من القرآن بصك أو موافقة أو دعم أو تأييد تقوم به العلاقات أو تجرى التمييزات بين الناس، أو يصنفون به إلى «طبقات»!.. فأنت تلحظ أن القرآن المجيد لم يستخدم بتاتا لفظ «طبقة» أو «طبقات» وإنما حرص على أن يحدد العبارة فى لفظ «درجة» أو «درجات».. فلا طبقات فى الإسلام، ولا تمايز فى الإسلام بين طبقة وأخرى، أو بين عرق وأعراق أو بين جنس وأجناس، أو بين عصبيات، أو بين أغنيـــاء وفقراء، أو بين أقوياء وضعفاء.. وإنما هى شجرة واحدة، لأسرة واحدة، يجمعها رباط واحـد، لا فرق فيه بين إنسان وإنسان، و«إنما المؤمنون إخوة».

وليس أجزى للإنسان، حيث كان، من دين يطوى الناس فى أسرة إنسانية واحدة لا تفاضل بين أفرادها إلاّ «بالعمل»، لا بالحسب ولا بالنسب ولا بالأعراق ولا بالأموال.. الإسلام أقر بوجود التنوع والاختلاف والتفاوت، وأعطى فى الوقت نفسه للمساواة حقها.. فى القرآن الحكيم فى خطـاب موجه إلى الناس كافة، لا إلى المسلمين خاصة، يقول الحق سبحانه وتعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (الحجرات/13)..

هذه الآية الجامعة، تلفت الأنظار إلى أصل الإنسانية الواحد، والخطاب فى هذا متكـرر فى القرآن المجيد، وهو لفت الإنسان إلى حجر الزاوية الأول فى مبدأ المساواة بيـن النـاس، وهو أن الناس جميعاً ينتمون إلى أصل واحد.. «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا» (النساء /1).. «وهـو الـذى أنشأكـم مـن نفس واحدة» (الأنعام 89).. «هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا» (الأعراف 189).. هذا التنبيه القرآنى المتكرر إلى أصل الإنسانية الواحد، تنهدم به دعاوى العنصرية والعصبيات، وينفسح الطريق ممهداً واسعاً على مصراعيه للأخوّة التى لفت القرآن الأنظار إليها بين الناس جميعاً.. هذه الأخوّة، عماد المساواة، تسلس إلى الركاز الثانى فى مبدأ المساواة.. هذا الركاز ينصب فى مناط المفاضلة التى لا تكون إلاّ «بالعمل» لا بالأعراق والأحساب والأنساب (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) حين ترتد المفاضلة إلى هذا الميزان فإنها تجمع بين العدل وبين الحكمة جميعاً، فلا تخذل النشط العالم الساعى المجاهد التقىّ الورع، ولا تغلق فى الوقت نفسه أبواب الرجاء أمام غيره وإنما تبقــى الباب مفتوحاً وفى إطار الأخوّة التى تحدث عنها القرآن لارتياد سبل التنافس والتبارى على نول المكانة التى معيارها الوحيد «التقوى والعمل الصالح».. «وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتنَافِسُونَ» (المطففين 26)..

عظمة وحكمة «المساواة» فى الإسلام أنها لا تبطل سنن الحياة، ولا تبطل سباق الأحياء فى صوالح الأعمال.. فلن ينقطع سباق الحياة بين الناس، مثلما لم ولن ينقطع التفـاوت بينهم.. ولا معنى للتفاوت ولا للمساواة إذا تساوى القادر والعاجز، وتساوى العامل والخامل، وتساوى النشط والكسلان وأصبح الكسلان يكسل ويقعد ولا يخاف على وجوده، والعامل يعمل ويكد ويتعب ولا يأمل أو يطمح فى أفضلية أو رجحان.. لذلك فإن المتابع للفلسفة القرآنية يرى أن تقرير«الأخوة» و«المساواة» الإنسانية لم يمنع من التفاضل بين الناس، بيد أن هذا التفاضل لا يرتد إلى منصب أو جاه أو سلطان أو عصبية أو أعراق أو قوة أو بطش أو جبروت، وإنما مناطه الوحيد هو «العمل الصالح».

أدلة معيار المفاضلة، وانحصارها فى «العمل» لا فى العرق أو النسب أو الجاه أو السلطان، أدلة متعددة أيضاً فى السنة المحمدية.. معيار المفاضلة بين الناس إنما هو فى أعمالهم لا فى «أنسابهم».. وفى الحديث: «ليس لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل إلاّ بالتقوى» ـ.. يتحدث النبى عليه السلام إلى قومـه بنى هاشم فيقول لهم: «يا بنى هاشم لا يجيئنى الناس بالأعمال وتجيئونى بالأنساب. إن أكرمكم عند الله أتقاكم».

هذا المعيار معيار «العمل» لا الحسب ولا العرق ولا النسب ولا الجاه الذى إليه مناط المفاضلة، يفسر ما يظن البعض أنه ينطوى على «شبهة عدم مساواة» فى الإسلام.. فهذه المفاضلة المردودة إلى «العمل»، هى جوهر «المساواة»، فالمساواة بين غير المتساويين ظلم، وإبطال فى الوقت نفسه لسنن الحياة وتدافع الناس لترتقى بهم وبأعمالهم الحياة.. فحكمة التفاوت ظاهرة فى تكامل الحياة فى الكون، كما أن آفة التماثل أو التطابق بين الناس أظهر، لأن الحياة ستظل أبدا تحتاج وتفتقر إلى «المزايا» إذا قصرت حركتها فيما يقول العقاد على تكرير صورة واحدة ونسخة واحدة تتطابق فى جميع الأفراد!

معيار «العمل» كمناط للمفاضلة، وبث حوافز الحياة، ودفع حركتها يتماس معه أيضاً ما يكون مرده إلى اختلاف الأحوال أو الظروف فيحسبه البعض دالاً على عدم مساواة فى الإسلام، بينما هو لب وجوهر «المساواة» التى يتوجب عليها أن تدخل فى موازينها هذه الفروق الناجمة عن اختلاف الظروف والأحوال لترد الجميع إلى «المساواة» التى منبعها «الأخوّة» الإنسانية وتساند وتكافل الناس. إن الفاهم المدرك لقضية المساواة، سوف يدرك أن الإسلام قفز بالبشرية كلها إلى الأمام إعلاءً لهذا المبدأ، وسوف يفهم أنه سبق الشرائع جميعاً فى تقرير المساواة بين المرأة والرجل، وسيفهم أن «قوامة» الرجل المقررة فى القرآن ليس مردها إلى تفرقة وتمييز، وإنما إلى تقسيم واجبات وأعباء، وتقنين لما تستقيم به أحوال وشئون الأسرة.. من يتأمل معنى وغاية الحديث النبوى: «الضعيف أمير الركب» سوف يدرك أنه ليس تمييزاً لضعيف وإنما هو تقرير لواجب الأصحاء أو الأقوياء فى رعاية الضعفاء.. فليس يستوى الضعيف والقوى فى الركب، القوى قادر بينما الضعيف لا يقدر، لذلك كانت «المساواة» تعنى لـدى الإسـلام فى معناها السامق أن يكون الضعيف هو أمير الركب، ليجبر الصحيح القوى ضعف المريض أو الضعيف، ولتكون «المساواة» المقصودة المرعية هى التى ترد الناس إلى «الأخوّة الإنسانية» فى صورتها الرفيعة السامقة!

«القدرة» فى شرعة الإسلام، تكاليفها ثقيلة، وأعباؤها جسيمة، لذلك فإن الإسلام حين يفرض واجبات أو قوامة أو أعباء أو مهام على القادر، إنما يفرضها رعايةً لمبدأ المساواة وتحقيقاً له فى صورته السامية لإعادة السواء بروح الأخوة الإنسانية لما ينبغى أن يكون بين الناس، وهذا المَعْلم الإسلامى، هو من أهم خصائص عالميته التى يفهم منها الناس جميعاً على اختلاف خلقهم ومواهبهم وحظوظهم وملكاتهم وقدراتهم وعلمهم وفهمهم وطاقتهم أنهم سواء فى واحة الإسلام، لا فرق بين غنى ولا فقير، ولا قوى ولا ضعيف، ولا تفاضل بالأعراق، ولا بالأحساب والأنساب ومنازل الآباء، وإنما كل بقدر عمله وبذله، فإن قعد به عجز، أو مرض، أو ضعـف، أو غير ذلك، تداركته المساواة الإسلامية بروح الأخوة الإنسانية التى تبذل له ما يعينه على مرضه أو ضعفه أو عجزه أو غير ذلك من العوارض!

من اللافت، الجدير بالاستشهاد، أن هذه المعانـى السامقـة العميقـة لـم تغب عــن بعض الدارسين للإسلام من غير المسلمين.. فى مؤلف للبروفيسور روشبروك وليامز (ٌRUSHPROOK WILLIAMS) عن دولة باكستان، يقول عن تقاليد الإسلام: «إن هذه التقاليد تشمل مبادئ المساواة بين الأرواح الإنسانية أمام الله وتقرير أواصر الأخوة العالمية بغير نظر إلى العنصر أو اللون، كما تقرر فريضة الدفاع عن الضعيف وحمايته ممن يجورون عليه، وإغاثة المعوزين والمحرومين وبذل الحياة نفسها فى سبيل الصراط المستقيم»..

أما الكاتب الشهير هـ. ج. ويلز WEILLSـ فيقول فى كتابه الشهير «موجز تاريخ العالم» (Short History of the world) (ما نص ترجمته عن الإنجليزية): «وثمة عنصر ثالث للقوة يكمن فى إصرار المسلمين على أن المؤمنين جميعا أخوة متساوون تماما أمام الله مهما اختلفت ألوانهم وأصولهم أو مراكزهم».

هذه «المساواة» التى رفعها الإسلام، كانت أول ما شق على الأرستقراطية القرشية والعصبية الجاهلية المخلوطة بالثراء والمكانة.. كان أعظم ما استهولته قريش وكبارها، أن يجمع النبى عليه السلام فى مجلس واحد بينهم على ثرائهم وشرف أنسابهم وكريم محتدهم، وبين العبيد والفقراء والمستضعفين، فيتقدم رءوس القرشيين إلى النبى عليه السلام معارضين طامعين فى حل.. كيف يجلس إليه، ويريدهم معهم، أمثال بلال الحبشى، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان، والعبيد وعامة الناس.. يريدون منه أن يطردهم وينحيهم عنه، أو يخصص لهم يوما وللقرشيين آخر رعاية لحسبهم ومنزلتهم وأعراقهم وجاههم.. فيأبى عليهم النبى ما يريدون، ويتنزل فى ذلك من الذكر الحكيم ما يقول للنبى تأكيدا لما قاله لهم: «وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ». (الأنعام 52).

هذه المساواة الإسلامية، فى شجرتها الباسقة، لم تقف فقط عند المعانى والمقاصد التى تتوقف عندها دساتير اليوم، وإنما جاوزتها إلى ما يلحق بها كـل مسانــدة أو عون أو جبر أو كفكفة عن مريض أو ضعيف أو عاجز، ولتلحق الجميع بالمجتمع الإسلامى فى دوحة يتساند الكل فى ظلها بأخوّة وتكافل ومساواة وتحاب وسلام.. هذه الأخوّة الإنسانية التى عبر عنها نبى القرآن بقوله: «من آذى ذمّيا فأنا خصمه يوم القيامة».. هذه الأخوّة التى تنتمى إليها المساواة التى لا مفاضلة فى رحابها إلاّ بالتقوى وصالحات الأعمال.. الكل أمام القانون وأمام القضاء سواء، والكل فى الأعبـاء العامة وفى الضرائب سواء، والكل فى تولى الوظائف العامة وفى العطاء سواء، والكل فى الخدمة العسكرية سواء!

إن شجرة حقوق الإنسان فى الإسلام، تقوم على جناحين. الأول: مبدأ المساواة، والثانى: وحدة الأصل البشرى.. لم يعبر كتاب من كتب الأديان عن وحدة الأصل مدخل المساواة كما عبر عنه القرآن المجيد، ولا اعتبر الناس إخوة فى أسرة إنسانية كبيرة كما اعتبرهم القرآن الحكيم. لذلك لم تمس الاختلافات بين البشر، وهذه سنة كونية، ما بينهم من أخوة وانتماء إنسانى تذوب فى أخوته الإنسانية الشاملة كل فوارق.. الإنسان الفرد، أمام الإسلام، قيمة فى ذاته لا ينتهكها استعلاء ولا تجبر ولا مال ولا هيلمان.. الكل سواء أمام الله، والكل سواء أمام القانون.. من حرص الإسلام على هذه المساواة، ورفضه الطبقية بشتى صورها وأشكالها، أنه لم يجعل للدين أو رجاله طبقة، ولم يقبل أن يكون لهم طبقة.. فلا كهانة فى الإسلام، ولا واسطة بين العبد وربه.. باب السماء مفتوح لكل إنسان بلا كاهن ولا حبر إلاّ اتجاهه إلى الله تعالى بإخلاص وقلب منيب.. إن أعياه التعرف على شىء، فأمامه أهل الذكر والعلم، يلجأ إليهم بلا كهانة ويتلمس لديهم ما قصر عنه علمه أو فهمه.. فالقرآن المجيد يقول: «فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ».(النحل 43).. فلا مصادرة على المؤمن فى النظر والتأمل والتفكر، ولا سلطان عليه غير سلطان العقل والنظر الصحيح والموعظة الحسنة.. فضيلة أهل العلم ليست فضيلة طبقة ولا سلطة، وإنما فضيلة اتساع علم وقدرة على البيان والتوضيح والإرشاد والموعظة الحسنة..

لا فرق بين المسلمين فى أداء الفرائض والعبادات والنوافل.. يحجون بإزار بسيط واحد، ويؤدون صلاة واحدة على نسق واحد وصفوف واحدة.. يتجاور فيها الفقير والغنى، والضعيف والقوى، والمحكوم والحاكم، يكبرون جميعاً ويركعون ويسجدون على نسق واحد وقلب واحد..

المساواة أمام القانون، فرع على هذه الشجرة الوارفة التى يتساوى فيها أفراد الأسرة الإنسانية، يعبر عنها نبى القرآن عليه السلام فى حديث بالغ الدلالة، محدد العبارة، قاطع الحكم، يمتد بصريح عبارته إلى الناس كافة لا إلى المسلمين خاصة.. يقول عليه الصلاة والسلام: «الناس متساوون كأسنان المشط».. فى دوحة القرآن لا تحل الكلمات محل الأعمال، فلا قيمة لكلام مزخرف لا يقابله واقع حاصل مطبق.. فى القرآن الحكيم: «كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ». (الصف 3).. من يراجع السيرة المحمدية، وسيرة الراشدين، يرى صورة مثلى لمصادقة الأفعال والأعمال للأقوال.. فى مرضه الأخير، خرج النبى صلى الله عليه وسلم متحاملاً على نفسه إلى المسجد ليقـول للنـاس: «يا أيها الناس من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهرى فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضى فليستقد منه، ومن أخذت له مالاً فهذا مالى فيأخذ منه. ولا يخشى الشحناء من قبلى فإنها ليست من شأنى، ألا إن أحبكم إلىّ من أخذ منى حقاً إن كان له أو حللنى فلقيت ربى وأنا طيب النفـس»... وهو هو عليه السلام الذى رفض غاضباً وساطة حبه أسامة بن زيد لإعفاء فاطمة المخزومية القرشية من حد السرقة، وقـال للنـاس: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد».!!.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2022 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg