| 30 يونيو 2022 م

أراء و أفكار

شيخ الأزهر: القدس عاصمة فلسطين ولن تكون غير ذلك.. وعروبتها قضيتنا الأولى التى لن تموت أبدًا

  • | الخميس, 18 يناير, 2018
شيخ الأزهر: القدس عاصمة فلسطين ولن تكون غير ذلك.. وعروبتها قضيتنا الأولى التى لن تموت أبدًا

دفاع عن حق عربى «إسلامي - مسيحى» أصيل، ومحاولات حثيثة لإيقاظ الضمير العالمى من غفوته، وجهود مضنية لحث أحرار وشرفاء العالم على الوقوف بكل حزم ضد الهيمنة «الصهيوأمريكية»، ورفض كل المحاولات الرامية إلى تزييف الحقائق والقبول بأن تصبح «القدس العربية» عاصمة للكيان الصهيونى المحتل للأراضى الفلسطينية، وغيرها من المواقف التاريخية الثابتة التى يتبناها الأزهر الشريف بقيادة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين، تجاه القضية الفلسطينية.

فمنذ تعنت الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وإصداره قراراً باطلاً بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة للكيان الصهيونى المحتل، انتفض الأزهر الشريف بقيادة شيخه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، ليقود منذ السادس من ديسمبر 2017 - تاريخ إصدار الرئيس الأمريكى قراره المشئوم - جهوداً دولية لإجبار الإدارة الأمريكية على التراجع عن هذا القرار، وتوحيد جهود الدول العربية والإسلامية لتمكين الفلسطينيين من حقهم المشروع فى إقامة دولتهم على كامل الأراضى المحتلة، وفى التقرير التالى نستعرض أهم المواقف التى تبناها الأزهر الشريف فى هذا الصدد.

هوية القدس

فى السادس من ديسمبر 2017 م، وحيال إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، نيته نقل سفارة بلاده إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة للكيان الصهيونى المحتل، حذر فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، من التداعيات الخطيرة لإقدام الولايات المتحدة على قرار الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيونى ونقل سفارتها إليها، لما يشكله ذلك من إجحاف وتنكر للحق الفلسطينى والعربى الثابت فى مدينتهم المقدسة، أولى القبلتين وثالث الحرمين، وتجاهل لمشاعر أكثر من مليار ونصف المليار مسلم، تهفو قلوبهم إلى مسرى النبى الأكرم، وملايين المسيحيين العرب، الذين تتعلق أفئدتهم بكنائس القدس وأديرتها.

وشدد فضيلة الإمام الأكبر، آنئذٍ على أن القدس المحتلة، وهويتها الفلسطينية والعربية، يجب أن تكون قضية كل المنصفين والعقلاء فى العالم، حتى لا يفقد الفلسطينيون، ومعهم ملايين العرب والمسلمين، ما تبقى لديهم من ثقة فى فعالية المجتمع الدولى ومؤسساته، وحتى لا تجد الجماعات المتطرفة وقودا جديدا يغذى حروب الكراهية والعنف التى تريد إشعالها فى شرق العالم وغربه.

وأكد فضيلته على أن ما يعانيه عالمنا العربى والإسلامى من مشكلات وحروب، يجب ألا يكون ذريعة أو عذرا للقعود عن التحرك الفاعل لمنع تنفيذ هذا القرار المجحف وغير المقبول، كما يجب على المجتمع الدولى ومؤسساته، الأخذ بزمام الأمور، وابطال أى شرعية لهذا القرار، ليؤكد حق الشعب الفلسطينى فى أرضه المحتلة، وعاصمتها القدس الشريف.

الإمام وأهالى القدس

وعقب إقدام الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، على إصدار قراره الباطل بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة؛ تابع الأزهر الشريف بغضب ورفض واستنكار ما أقدمت عليه الإدارة الأمريكية من إعلان مدينة القدس الشريف عاصمة لكيان الاحتلال الصهيونى الغاصب فى خطوة غير مسبوقة وتحدٍ خطير للمواثيق الدولية ولمشاعر أكثر من مليار ونصف المليار مسلم حول العالم، ولمشاعر ملايين المسيحيين العرب الذين جمعتهم على مر التاريخ مساجد وكنائس القدس العتيقة مع أشقائهم من المسلمين.

وأمام تحدى الإدارة الأمريكية لمشاعر مليار ونصف المليار مسلم أكد فضيلة الإمام الأكبر، رفضه القاطع لهذا القرار المجحف؛ قائلاً: «إننا فى الأزهر الشريف، وباسم العالم الإسلامى كله نؤكد رفضنا القاطع لهذه الخطوة المتهورة الباطلة شرعاً وقانوناً، كما نؤكد أن الإقدام عليها يمثل تزييفاً واضحاً غير مقبول للتاريخ، وعبثاً بمستقبل الشعوب، لا يمكن الصمت عنه أبداً ما بقى فى المسلمين قلب ينبض».

وأضاف فضيلة الإمام الأكبر: «وليعلم الجميع أن القدس هى عاصمة الدولة الفلسطينية المحتلة من قبل كيان الاحتلال الصهيونى الغاصب، ولن تكون غير ذلك، وأى تحرك يناقض ذلك مرفوض وستكون له عواقبه الوخيمة؛ إننا نحذر بكل قوة من خطورة الإصرار على التمسك بهذا القرار الباطل الذى يشعل نار الكراهية فى قلوب كل المسلمين وقلوب كل محبى السلام فى العالم ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وتابع فضيلة الإمام الطيب: «وليعلم صانعو القرار الأمريكى أن سياسة الكيل بمكيالين ودعم قوى الاحتلال الصهيونى الغاشم وسلب حقوق الشعوب وتراث الأمم وحضارتها هى سياسات غير حضارية ولن يكتب لها البقاء عاجلا أو آجلا، وستبقى قضية عروبة القدس هى قضية العرب والمسلمين الأولى التى لن تموت أبداً؛ إننا من هنا من مصر الأزهر مصر العروبة والإسلام.. ندعو قادة وحكومات دول العالم الإسلامى وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامى والأمم المتحدة إلى التحرك السريع والجاد لوقف تنفيذ هذا القرار ووأده فى مهده؛ كما ندعو جميع القوى والمنظمات الدولية المحبة للسلام والمناهضة لسياسات الاستعمار المقيت أن تتحرك جميعاً لوقف هذه الكارثة الدولية والإنسانية التى تحل بعالمنا».

وحث فضيلة الإمام الأكبر، شعوب العالم العربى والإسلامى على رفض المخططات الصهيوأمريكية؛ قائلاً: «كما ننادى شعوب العالم العربى والإسلامى إلى رفض هذه المخططات الصهيوأمريكية الخبيثة، واستعادة الوعى العربى والإسلامى بقضية الأقصى الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى خاتم الأنبياء والمرسلين، وختاماً نقول لأهلنا فى القدس المحتلة: نحيى صمودكم الباسل، ونشد على أيديكم، ولتكن انتفاضتكم الثالثة بقدر إيمانكم بقضيتكم ومحبتكم لوطنكم ونحن معكم ولن نخذلكم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون «فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً».

موقف تاريخى

وفى إطار موقفه الثابت تجاه قرار الإدارة الأمريكية الباطل بإعلان القدس عاصمة لكيان الاحتلال الصهيونى ونقل السفارة الأمريكية للقدس فى تحدٍ مستفز لمشاعر المسلمين حول العالم، أعلن فضيلة الإمام الأكبر فى الجمعة الثامن من ديسمبر 2017 م، رفضه القاطع طلباً رسمياً من نائب الرئيس الأمريكى مايك بينس، للقاء فضيلته يوم 20 ديسمبر الحالى.

وكانت السفارة الأمريكية بالقاهرة قد تقدمت بطلب رسمى قبل أسبوع من التاريخ المُشار إليه، لترتيب لقاء لنائب الرئيس الأمريكى مع فضيلة الإمام الأكبر بمشيخة الأزهر الشريف، خلال زيارته للمنطقة، ووافق فضيلة الإمام الأكبر فى حينها على ذلك، إلا أنه بعد القرار الأمريكى المجحف والظالم بشأن مدينة القدس، أعلن فضيلة الإمام الأكبر رفضه الشديد والحاسم لهذا اللقاء، مؤكدا أن الأزهر لا يمكن أن يجلس مع من يزيفون التاريخ ويسلبون حقوق الشعوب ويعتدون على مقدساتهم.

وأضاف شيخ الأزهر: «كيف لى أن أجلس مع من منحوا ما لا يملكون لمن لا يستحقون، ويجب على الرئيس الأمريكى التراجع فوراً عن هذا القرار الباطل شرعاً وقانوناً»، وحمل فضيلته الرئيس الأمريكى وإدارته المسئولية الكاملة عن إشعال الكراهية فى قلوب المسلمين وكل محبى السلام فى العالم وإهدار كل القيم والمبادئ الديمقراطية ومبادئ العدل والسلام التى يحرص عليها الشعب الأمريكى وكل الشعوب المحبة للسلام وتحميل الرئيس الأمريكى تبعات نشر الكراهية التى يعمل الأزهر الشريف ليل نهار على محاربتها ويسعى لنشر التسامح والمحبة بين كل الناس خاصة تجاه الشعب الأمريكى.

الأسرى الفلسطينيون

ومواصلة لمتابعته الدقيقة للقضية الفلسطينية؛ استنكر فضيلة الإمام الأكبر، إقدام قوات الاحتلال الصهيونى على اعتقال الفتاة الفلسطينية «عهد التميمى»، مشددا على أن شجاعة «عهد» ونضال أسرتها يشكلان دليلا جديدا على أن بطش الاحتلال وقمعه لن ينجح فى إخماد روح النضال والمقاومة فى نفوس أبناء الشعب الفلسطينى الحر.

وأوضح الإمام الأكبر أن شجاعة «عهد التميمى» ليست بمستغربة على نساء فلسطين، فما من امرأة فلسطينية إلا وهى أم شهيد أو زوجة شهيد أو ابنة شهيد أو أخت شهيد، كما أن لنساء فلسطين دورا مشهودا فى «الرباط» بالمسجد الأقصى لحمايته من اقتحامات الاحتلال الصهيونى وتدنيس المستوطنين، ولا يمكن للأزهر أن ينسى الأسيرات الفلسطينيات فى سجون الاحتلال، حيث يشكلن عنوان النضال الفلسطينى.

ودعا الإمام الأكبر المنظمات الحقوقية والإنسانية إلى القيام بواجبها فى الدفاع عن «عهد التميمى» وغيرها من الأسرى الفلسطينيين فى سجون الاحتلال، الذين يكفل لهم القانون الدولى وكل الشرائع الدينية والإنسانية حق مقاومة الاحتلال من أجل تحرير أرضهم وإقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

دعاوى صهيونية باطلة

وفى إطار توضيحه للحقائق التاريخية المؤكدة لعروبة القدس، أكد فضيلة الإمام الأكبر أن القدس مدينة مقدسة حيث اجتمعت فيها العديد من العوامل التى بوأتها مكانة عالية فى قلب كل مسلم، فهى المدينة التى خصها الله تعالى بجعل مسجدها الأقصى مسرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال الله تعالى: «سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ»، ومنها بدأ العروج إلى السماء، ومسجدها الأقصى هو أولى القبلتين اللتين صلى إليهما المسلمون 16 أو 17 شهراً، حتى نزل التوجيه الإلهى بالتوجه نحو البيت الحرام بمكة فى قوله تعالى: «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»، وهو أحد ثلاثة مساجد لا تشد الرحال للصلاة إلا إليها؛ ففى حديث أبى هريرة رضى الله عنه: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالمسْجِدِ الأَقْصَى».

وأضاف فضيلته، أن القدس والمسجد الأقصى على نفس قدر قدسية وتعظيم المسجد الحرام والمسجد النبوى، وكما يجوز للمسلم أن يرحل إلى مكة للصلاة بالمسجد الحرام، وإلى المدينة للصلاة بالمسجد النبوى، يجوز له أن يرحل للصلاة بالمسجد الأقصى، ولا يفهم من ذلك -كما يفهم النصيون والحرفيون- أنه لا تشد الرحال لزيارة قبور الصالحين، فشد الرحال للصلاة والعبادة شىء وشد الرحال للزيارة والاعتبار شىء آخر، فالحديث لا يؤخذ منه تحريم شد الرحال للزيارة، وإلا كان يمنع من شد الرحال مطلقاً.

وأوضح فضيلة الإمام الأكبر، أن التاريخ يكذب هذه المزاعم التى يذيعها اليهود فى إعلامهم وأدبياتهم؛ فقد ثبت تاريخيا أن العرب اليبوسيين هم أول من استوطن هذه المدينة، وسميت باسمهم «يبوس» وهم من بطون العرب الأوائل، الذين نشأوا فى صميم الجزيرة العربية ثم انتقلوا إلى مدينة القدس، كما سميت بأرض كنعان، والكنعانيون عرب كذلك، وكان ذلك قبل سنة 3000 من الميلاد، ثم دخلت فى حكم بنى إسرائيل على يد داود عليه السلام عندما غزا هذه المدينة فى القرن العاشر قبل الميلاد، فعمر عروبة مدينة يزيد الآن على ستة آلاف عام، وظل الوجود العربى متصلا عبر هذا التاريخ، بينما الوجود اليهودى فى عهدى داود وسليمان لم يتعد 415 سنة.

وهذه المدة بالنسبة لـ6000 سنة قبل الميلاد حتى الآن لا تساوى شيئا بما يعنى أن ادعاء اليهود بأحقيتهم فى القدس ادعاء باطل، وهم يعلمون هذا الكلام، ومن أجل ذلك هم يزيفون الحقائق والتاريخ حيث لا مستند لهم إلا التزييف، والتزييف دعمته سياسات عالمية أخيراً لأجل المصالح.

التعريف بقضية القدس

وأكد فضيلته، أن اليهود يتناسون أنهم منذ احتلالهم للقدس سنة 1967م قد قلبوا باطن الأرض بالحفريات والأنفاق تحت الحرم القدسى وحوله؛ فلم يجدوا حجراً واحداً يثبت أنه قد كان فى هذا المكان معبد يهودى فى يوم من الأيام، مشيراً إلى أنه على فرض أنهم كان لهم معبد فى القدس فى غابر الأزمان يزعمون أن سليمان بناه للرب فى القرن العاشر قبل الميلاد؛ فهل يمكن أن يعاد رسم خرائط الدول وحدود الأوطان وملكيات الشعوب والجماعات البشرية، بناء على أن أجدادها القدماء كان لها معابد فى بعض الأماكن والبقاع؟!

وشدد فضيلة الإمام الأكبر، على ضرورة تعريف أبنائنا فى مراحل التعليم الابتدائى والإعدادى والثانوى والجامعى بقضايا القدس أو قضايا فلسطين لأن هذه القضايا بالنسبة لهم قضايا مجهولة وتاريخها مجهول حيث لا يوجد مقرر واحد يركز على هذا المكان المقدس الذى أهمل تماماً.

وبين فضيلته، أن استناد اليهود إلى نصوص من أسفار التوراة لإثبات أحقِّيَّتهم فى الأرض الفلسطينية، يبطله أننا إذا نظرنا إلى الأدلة التى يستندون إليها فى التأسيس لما يسمونه «وعد الله» هذا الوعد الإلهى بزعمهم لإبراهيم عليه السلام ونسله بامتلاك الأرض المقدسة، ينسبونه إلى نصوص وردت فى «سفر التكوين» ومنها: قول الرب لأبرام بعد اعتزال لوط له: «ارفع عينيك وانظر من الموضع الذى أنت فيه شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً؛ لأن جميع الأرض التى أنت ترى أُعطيها لك ولنسلك إلى الأبد» (سفر التكوين 13: 14، 15)، وبعيداً عن قضية صحة المصدر الذى ورد فيه هذا النص من عدمه؛ فإن سفر التكوين الذى جاء فيه هذا الوعد! كُتِب بعد سبعة قرون من عصر موسى عليه السلام، كما جاء فى «تاريخ نقد العهد القديم من أقدم العصور حتى العصر الحديث» لزالمان شازار، كما اشتمل على تناقضات تزيد افتقاره إلى المصداقية؛ فقد جاء فيه أن الإنسان آخر المخلوقات (سفر التكوين 1: 27) ثم جاء فيه أنه أولها (سفر التكوين 2: 25) وجاء فيه أن الطوفان دام أربعين يوماً (سفر التكوين 7: 12) ثم جاء فيه أنه دام مائة وخمسين يوماً(سفر التكوين 7: 24)! حتى هذا النص الذى يعتبرونه وعداً إلهياً يحمل فى طيَّاته تناقضاً واضحاً؛ فما هى حدود نظر إبراهيم حتى تُحدَّد مساحة الأرض الموعودة له ولنسله من بعده إلى الأبد؟! إننا أمام وعدٍ بشىءٍ مجهولٍ، ليس عليه ولا على مساحته دليل، فما أشبهه بوعد بلفور وغيره من الوعود الباطلة.

خرافات صهيونية

وأكد فضيلة الإمام الأكبر، أن اليهود عندما دخلوا إلى أرض الكنعانيين كانوا يتلون ويتبنون نصوصاً تبرر لهم إبادة الفلسطينيين، وهذه النصوص قديماً وحديثاً سببت مشاكل، إما بسبب قراءاتها الخاطئة، أو باستغلالها بعد تحريفها وتزييفها لكسب النفوذ والقوة والتسلط على مقدرات الشعوب وأوطانها، فمثلاً مشروع إسرائيل، هذا مشروع سياسى، لا علاقة له بالدين الصحيح، وإنما هى الأوهام والتزييف للأديان والتاريخ.

وأضاف فضيلته، أن مقصود الغرب فى نظرى من إعطاء فلسطين لليهود هو تجميعهم فى مكان وطردهم من أوروبا، وكذلك ليُكَفِّر البعض عن المحارق التى ارتكبها بحق اليهود، ولأن عداء تقاليد المسيحية لليهودية تقليدى ومتوارث فى دماء كثير من المسيحيين الغربيين، سواء كانوا حكاماً أو محكومين، ومن هنا نشأت قضية فلسطين، وحتى تبرر بريطانيا هذا الوضع المحرج، عملت على تشجيع الباحثين على الاستدلال لليهود بالنصوص الدينية، لاستعمار شعب والقفز على أرضه، ويستحيل أن يبيح القرآن أو التوراة أو الإنجيل هذه الأفعال، لأنها ظلم، والأديان إنما نزلت لتطبيق العدل، والله هو العدل، ولا يمكن لمن اسمه العدل أن يقول: يا بنى إسرائيل أنتم خاصتى واذبحوا الباقين.

وبين فضيلة الإمام الأكبر أن الدول الغربية ساندت اليهود؛ لأنهم اعتبروا أن هذا الكيان هو الذى سيساعدهم على أن يظل المسلمون فى حالة فوضى وضعف، فلو تمعنت فى تفسير القرار الأمريكى الأخير بإعلان القدس عاصمة للكيان الصهيونى، لوجدت أنهم يريدون لهذا الكيان الغريب أن يظهر بأنه الكيان الذى حول الفقر إلى غنى والتراب إلى ذهب، بينما الدول المحيطة بها فشلت فى التنمية ولا تستحق المساندة، مشيراً إلى أن العرب والمسلمين لم يفشلوا، وإن كانت لديهم عيوب وأمراض، تتمثل فى الفرقة والتنازع، فالذى حدث لنا ليس بسبب قوة الآخرين، ولكن بسبب ضعفنا وتمزقنا، مع أننا نملك كل أساليب القوة، مؤكداً أن الغرب يستغل النصوص الدينية لتحقيق مصالحه، والمصلحة الأولى للغرب أن يبقى الشرق ضعيفاً وممزقاً.

أبواق الصهيونية

وردَّ فضيلته على ادعاء بعضهم أن المسجد الأقصى المذكور فى القرآن ليس هو المسجد الأقصى ليس هو الذى نعرفه بفلسطين، وإنما هو مسجد على طريق الطائف قائلاً: من يدعى ذلك فهو بوق من أبواق الصهاينة فى الشرق، وهو كلام لا يستند إلى دليل ولا إلى شبهة دليل؛ فقد نسب هذا القائل الكلام إلى الواقدى، وبالرجوع إلى مؤلفات هذا العالم نجد أنه حرَّف كلام الواقدي؛ حيث يقول الواقدى فى «المغازى» (3/958-959): «انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذى القعدة، فأقام بالجعرانة ثلاث عشرة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج من الجعرانة ليلة الأربعاء لا ثنتى عشرة بقيت من ذى القعدة ليلا، فأحرم من المسجد الأقصى الذى تحت الوادى بالعدوة القصوى، وكان مُصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان بالجعرانة.

فأما هذا المسجد الأدنى فبناه رجل من قريش، واتخذ ذلك الحائط (البستان) عنده، ولم يجز رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادى إلا محرماً، فلم يزل يلبى حتى تسلم الركن»، فما علاقة هذا الكلام بالمسجد الأقصى الذى قال الله فيه: «المسجد الأقصى الذى باركنا حوله» فالواقدى يتحدث عن مسجدين أحدهما قريب والآخر بعده، فوصفهما بالأقصى والأدنى على ما هو مستعمل عند العلماء، ولم يقصد أن هذا المسجد اسمه الأقصى والآخر اسمه الأدنى، ولا يخفى هذا إلا على من لا يفرق بين الاسم والوصف.

ولفت فضيلته إلى أن الأزهر منذ 1919 ثم 1929 و1936 و1967، يواكب القضية الفلسطينية، بمؤتمراته وعلمائه، ومؤلفاته، ولدينا مؤلفات الدنيا عن القدس منها ما هو مطبوع ومنها ما هو مخطوط، وبهذه المناسبة أؤكد أهمية وجود مقرر عن القدس فى المرحلة الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، ويكون فى الجامعة تاريخ المساجد الثلاثة، تاريخ الحرم المكى (الكعبة)، وتاريخ المسجد المدنى وتطوراته، وأيضاً تاريخ المسجد الأقصى، لأن الذهن العربى خال من ثقافة بيت المقدس أو ثقافة فلسطين بشكل عام، ولا يمكن أن نتصدى أو نواجه بجيل لا يعرف شيئاً، ولا نستطيع أن نواجه إسرائيل المتحدة القوية التى لها كلمة واحدة ولها إطار واحد بشعب منقسم على نفسه.

ووجه فضيلة الإمام الأكبر، تحية إلى شباب فلسطين المدافعين عن المسجد الأقصى؛ قائلاً: «أحيى شباب فلسطين الذين يدافعون عن الأقصى بصدورهم، فهم الأمل بعد الله أن يظلوا صامدين إلى أن تُحل هذه المشكلة ويطبق السلام العادل فى هذه المنطقة، وأدعو كل الشباب المسلم والشباب المسيحى أيضاً أن يجدد قراءاته فى هذه القضية وأن يقف درعاً معنوياً وأدبياً وتاريخياً معاصراً وراء شباب فلسطين».

نصوص التوراة

وأوضح فضيلة الإمام الأكبر؛ أن ادعاء اليهود بأن المسلمين ليس لهم حق فى القدس وأنها لم تذكر فى القرآن الكريم هو من قبيل الترَّهات التى تخلو من أى مضمون علمى أو تاريخى، والمشكلة فى أننا كعرب ومسلمين غير مهيئين للتعامل مع القضية بالجدية الواجبة، وسبب ذلك الأمية الثقافية التى وقع فيها شباب العرب والمسلمين فى مقابل شباب صهيونى لديه الحظ الوافر من المعلومات بغض النظر عن كونها صحيحة أو مضللة أو مغلوطة، ولكنها كونت لديه رؤية وصورة ذهنية على أسس تاريخية، جعلت عنده استعداد للدفاع والتضحية من أجل قضيته، بينما شبابنا لا يعرف شيئاً عن هذه القضية، ولذلك ذكرنا فى حلقة سابقة أنه لا بد من التركيز على مشكلة القدس فى المراحل التعليمية المختلفة، بحيث يستنير الطالب العربى مسلماً كان أو مسيحياً بمعلومات يستطيع من خلالها أن يكتشف زيف الصهيونية وادعاءاتها فى عدم أحقية المسلمين والمسيحيين فى مدينة القدس، والكتب فى هذا الشأن كثيرة جداً، ولكنها لا تصل للقاعدة العريضة من الشعب القارئ.

وأضاف فضيلته، أن الكيان الصهيونى زُرع كخنجر فى خاصرة العالم العربى للقضاء عليه، ولكى تبقى لهذا الكيان الغاصب الكلمة الأخيرة فى المنطقة، وهنا نذكر كيف أن كلينتون استيقظ واطمأن أن الحل الجديد للدولتين لا يصطدم مع السفر اليوشعى، كما أشرنا إلى كتاب اسمه «الكتاب المقدس والاستعمار» ألفه القس مايكل برير الذى عاش فى فلسطين، وهذا العنوان ذو دلالات عميقة، وهو ليس من تأليف العرب والمسلمين، وإنما هو عنوان المؤلف، وهو يوضح أن التوراة كانت وراء الاستعمار، ومن يقرأ فهرسه بسرعة نرى كيف تحدث عن الأرض وقيمتها فى التوراة فى سفر يوشع وأسفار أخرى.

وبين فضيلة الإمام الأكبر، أن هذه النصوص هى وراء هذا الاستعمار، فالتفسير المغلوط لنصوص معينة من التوراة هى التى أذاقت العالم الويلات، وهى التى بررت استعمار الغير، وأخيراً استعمار فلسطين، وهناك كتاب آخر لمحمد جلال إدريس، قدم فيه القدس أو أورشليم ليس من وجهة نظر المسلمين أو المسيحيين ولكن من وجهة نظر الفكر الدينى الإسرائيلى سواء من خلال التوراة أو شروحها، واعتمد فى إثبات أن القدس عربية وليست إسرائيلية وأن إسرائيل ليس له أى حق بها، على الكتب الدينية اليهودية، ونحن بحاجة لترويج مثل هذه الأفكار.

وأكد فضيلة الإمام الأكبر، أن من يقول بأن القدس لم تذكر باسمها فى القرآن ويستدل بذلك على عدم أحقية المسلمين بالقدس، فإن كلامه يشبه كلام هذيان محقق، فالقدس فعلاً لم تذكر باسمها وهو من علامات إعجاز القرآن الكريم، ولكنها ذكرت فى القرآن بالوصف: «سبحان الذى أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله» أى أنها بلدة مباركة، فالقرآن لم يذكرها باسمها لسبب بسيط جداً وهو أنه لو استعرضنا أسماء القدس على مدار التاريخ من أول اليبوسيين ذكرت بعدة أسماء وكان الاسم يتغير حسب الاستعمار، فقد استعمرت من الفرس والبابليين والرومان حتى العهد الإسلامى، فذكرت مرة باسم إيلياء وباسم يبوس وباسم مدينة داود.

وأوضح فضيلته أن مدراش اليهود ينص على أن مدينة القدس لها سبعون اسماً فى المدراش، ولذلك لم يذكرها القرآن باسم أو اثنين من السبعين وإنما ذكرها بوصفها المستمر الذى لا يتغير، أما مكة مثلاً ذكرت باسم بكة ومكة، ولم يتغير اسمها حتى الآن، فذكرها باسمها لأنه لما ذكرها به عرف الناس هذا المكان، لكن لو اختار أى اسم من السبعين، التى يذكرها اليهود وليس المسلمين أو العرب، ألم يكن ذلك يقدم حجة لليهود على أن يستمسكوا بأكاذيبهم، وأن القدس ليس فيها للمسلمين موطئ قدم، فذكرها بوصفها لأن الوصف ثابت، أما الأسماء تتغير من جيل إلى جيل ومن استعمار إلى استعمار.

سفسطة ضد التاريخ

واستكمل فضيلة الإمام الأكبر أن الادعاء بأن سيدنا عمر بن الخطاب لم يصل فى الأقصى، سفسطة ضد التاريخ وضد الواقع وضد المصادر التاريخية المعتمدة، فقد صلى سيدنا عمر بن الخطاب فى المسجد الأقصى، وذكر ابن كثير ذلك فى كتاب البداية والنهاية فى الجزء التاسع صفحة 655، تحت عنوان كبير «فتح بيت المقدس على يدى عمر بن الخطاب» يقول فيه: «وسار بالجيوش نحوهم، واستخلف على المدينة على بن أبى طالب، وسار العباس بن عبدالمطلب على مقدمته، فلما وصل إلى الشام تلقاه أبوعبيدة ورؤوس الأمراء كخالد بن الوليد، ويزيد بن أبى سفيان، فترجل أبوعبيدة وترجل عمر، فأشار أبوعبيدة ليقبل يد عمر، فهم عمر بتقبيل رجل أبى عبيدة، فكف أبوعبيدة، فكف عمر. ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس، واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث، ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذى دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء. ويقال: إنه لبى حين دخل بيت المقدس، فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود، وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد، فقرأ فى الأولى بسورة «ص» وسجد فيها والمسلمون معه، وفى الثانية بسورة «بنى إسرائيل «ثم جاء إلى الصخرة فاستدل على مكانها... ثم نقل التراب عن الصخرة فى طرف ردائه وقبائه» لأن الرومان كانوا يرمون عليه المزابل، وسيدنا عمر هو من نظف ذلك بنفسه ووضعه فى ردائه، وطهر هذا المكان، وسنرى فى العهدة العمرية أنه أتاحها للمسيحيين وللمسلمين.

وكشف فضيلته، أن المسجد كان قائماً ولكن الشبهة فى أن مسجد قبة الصخرة بناه فعلا الوليد بن عبدالملك، ولكن هناك فارق كبير بين مسجد قبة الصخرة وبين المسجد الأقصى، فالمسجد الأقصى فى ذلك الوقت لم يكن عليه بناء، وهذا مثل الكعبة، فالكعبة لم يبنها سيدنا إبراهيم وإنما أعاد بناءها «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل» فالقواعد كانت موجودة، وكل ما فعله سيدنا إبراهيم أنه رفعها، وهكذا كان المسجد الأقصى ثم بنى بعد ذلك على قواعده، أى حدث له ما حدث للكعبة أو للبيوت المقدسة من زلازل وأمطار واعتداءات، فتهدم ثم تقام، وحينما صلى سيدنا عمر فى هذا المسجد لم يكن عليه بناء، لكنه كان محدداً ومعروفاً، فهناك المكان الذى دخل منه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والصخرة التى ركب عليها وركب البراق، وكل هذا مسجل فى تاريخ المسلمين، فعندما يأتى شخص مسلم أو غير مسلم ويقول: إن سيدنا عمر لم يصل فى بيت المقدس فهو إما جاهل بالتاريخ أو لا يفهم دلالات النصوص ولا يتذوق سياقاتها.

وبين الإمام الأكبر أن الذى يشجع هؤلاء على الظهور ونشر الأكاذيب هو ضحالة ثقافة الناس فى مثل هذه المسائل، أما الأجيال السابقة فكانت أحسن حالا، متسائلاً عن سبب اهتمام الإعلام المصرى بمثل هؤلاء وإفساح المجال لهم ليكذبوا على الناس فى قضايا هى فى منتهى الخطورة، داعياً أن يكون هناك إعلام مقابل، يوضح الحقائق فى مثل هذا الزيف الذى يقدم للناس ويزيف عقولهم بشكل يومى.

مخطط صهيونى ماكر

ومواصلة لتوضيحه الحقائق، وكشفه المزاعم الصهيونية الواهية؛ أكد فضيلة الإمام الأكبر، أن المزاعم الصهيونية فى المسجد الأقصى لا تنتهى، ومن ضمن هذه المزاعم أن هذا المسجد هو هيكلهم الذى بناه نبى الله داود عليه السلام، وهذا الزعم انتشر من بداية القرن الماضى بعد وعد بلفور، والرد على هذا الزعم سهل ميسور، وهو أن بيت القدس - والذى ذكره القرآن الكريم - ليس بناء، وإنما هو أرض محددة خصصت منذ قديم الزمان للعبادة والصلاة والسجود، والمسجد فى لغة العرب هو المكان المخصص للسجود فيه، وليس البناء، والدليل على ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم فى أثناء الفتوحات الإسلامية كان يتخذ أماكن ويحددها ليقوم بالصلاة فيها مع الصحابة الكرام فتُسمى هذه مساجد، وليس بالضرورة تشييد الحوائط والأسقف ليكتمل وصف الأرض بالمسجد، ولكن بتحديد هذه الأرض للصلاة فيها تصبح مسجدا.

وأشار فضيلة الإمام الأكبر، إلى أن المقصود بالمسجد الأقصى المذكور فى القرآن الكريم فى قوله «سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا»؛ فهو المكان المقدس، وهذه البقعة الموجودة هى المسجد سواء بُنى عليها أم لم يبن؛ لأن المبانى تتغير بمرور الزمن وتتعرض لعوامل التعرية والهدم والسيول، فهى معرضة لأن تهدم وتقام مكانها مبان غيرها، فعن الكعبة المشرفة يقول الله تبارك وتعالى: «وَإِذْ يَرْفَع إبْرَاهِيم الْقَوَاعِد مِنْ الْبَيْت وَإِسْمَاعِيل» فالقرآن لم يقل: وإذ يبنى إبراهيم البيت أو ينشئ مثلا، وإنما قال: يرفع، وهو دليل على أن هناك قواعد كانت موجودة فى الأصل، وهذا هو المكان المقدس، ثم جاء سيدنا إبراهيم ومعه سيدنا إسماعيل -عليهما السلام- فرفعا هذه القواعد وأظهرا هذا البيت المقدس.

وأضاف فضيلته، أن القداسة ليست فى البناء وإنما القداسة فى البقعة بكاملها والمخصصة للصلاة، فنحن حين نتحدث عن المسجد الأقصى الذى هو القبلة الأولى، نقصد هذه المساحة أما المبانى فقد بنيت أكثر من مرة وتعرضت هذه المبانى إلى تغيير وتعديل أكثر من مرة، أما مزاعم اليهود المتصهينين أن أول من بنى هذا المسجد هو داود وأكمله سيدنا سليمان عليهما السلام، فزعم غير صحيح، والصحيح هو أن سيدنا داود وسيدنا سليمان قاما برفع وإظهار ما كان موجودا وتعرض لعوامل التعرية، فالنبى محمد -صلى الله عليه وسلم- عندما أمَّ الأنبياء والمرسلين فى رحلة الإسراء لم يكن هناك بناء، وإنما أمَّهم فى هذه الأرض وهى أرض الأنبياء التى صلوا فيها من قبل، وبالتالى لم يكن هناك بناء بالكلية.

وأوضح فضيلة الإمام الأكبر، أن المعركة مع اليهود المتصهينين أنهم يريدون أن يستولوا على المسجد الأقصى، والمسجد الأقصى ليس بقعة صغيرة، ولذلك هم يسمونه بالحرم المقدسى لأن فيه المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة وفيه آبار وأروقة وكل هذه المنطقة البالغ مساحتها تقريبا 144 ألف متر هى التى تسمى بالمسجد الأقصى وليس فقط المسجد، بل كل هذه المساحة المسور عليها هى المسجد الأقصى، وهو مقدس ومبارك من قبل أن يرفعه سيدنا داود ثم سيدنا سليمان، وقبل أن يلجأ إليه إبراهيم ومعه لوط -عليهم السلام.. قال تعالى: «وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ» وهناك نصوص فى التوراة تؤكد ذلك ففى سفر التكوين فى الإصحاح الرابع عشر أنه تلقى البركة من ملكى صادق.. وكان كاهنا لله العالى، وباركه وقال: مبارك إبرام من الله العلى مالك السماوات والأرض، ومبارك الله العلى الذى أسلم أعداءك فى يدك، فهناك اتفاق كامل فى القرآن والتوراة على أن هذه الأرض مباركة، وليست مباركة لأن أحد الأنبياء زارها أو بنى عليها، وبالتالى قول اليهود إنهم أصحاب الحق فى المسجد الأقصى لأن سيدنا داود هو الذى بدأ بناءه ثم أكمله سليمان، زعمٌ خاطئ تماماً، والصحيح أن داود وسليمان -عليهما السلام- جددا بناء هذا المسجد، وهناك فرق بين من جدد وبين من بنى المسجد.

وأكد فضيلته، أن هناك من يروج لدى العامة أن المسجد الأقصى بناه عبدالملك بن مروان، وهذه فرية ساعد على ترويجها الجهل بقضية القدس وسطحية معلومات شبابنا عنها، وتقصيرٌ من دور التعليم التى لم تُعن بتضمين هذه القضية فى المقررات الدراسية، مشيراً إلى أن عبدالملك بن مروان هو من جملة من جددوا البناء، وهذه من المعلومات بالضرورة لدى الناشئة فى القرى ممن يحفظون القرآن الكريم، لأن القرآن جاء فيه ذكر المسجد الأقصى قبل مجىء عبدالملك بن مروان، لافتا إلى أن المسجد الأقصى هو المقدس، والمقدس أرضه التى صلى عليها الأنبياء وصلى عليها رسول الله إماما بالأنبياء فى ليلة الإسراء والمعراج، أما إظهار مسجد قبة الصخرة دائما على أنه هو المسجد الأقصى؛ فهذا مخطط متفق عليه من الصهاينة والمتصهينين لتزييف التاريخ وصرف الناس عن بقعة المسجد الأقصى الحقيقية..

وذكر فضيلة الإمام الأكبر أن المسلمين عندهم من النصوص التى تربط المسجد الأقصى بالمسجد الحرام ما يجعلهم فى علاقة روحية دائمة بهذه الأماكن المقدسة، ففى الحديث الصحيح، عَنْ أَبِى ذَرٍّ رضى الله عنه قَالَ: قُلْت: يا رسول الله، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِى الْأَرْضِ أَوَّل؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟َ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ، فَصَلِّ، فَهُوَ مَسْجِدٌ»، فالحقيقة هى أن أول مسجد وضع فى الأرض هو المسجد الحرام ثم بعد ذلك بأربعين عاما بنى المسجد الأقصى، وهذه الحقيقة يؤكدها قوله تعالى: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ» فالقرآن يقول أول بيت وضعه الله لعبادته وتوحيده فى مكة هو البيت الحرام الذى بناه آدم عليه السلام، وسيدنا إبراهيم جاء بعد آدم بفترة لا يستطيع العلم الحديث أن يحددها الآن، ولذلك لا بد من الاعتماد على الوحى، فالقرآن يقول: «إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين» ثم النبى صلى الله عليه وسلم يقول: إن المسجد الأقصى بنى بعد هذا البيت بأربعين عاما.

محمد أبو العيون

طباعة
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2022 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg