| 19 مايو 2022 م

أراء و أفكار

محمد محمود فكري .. يكتب: نظرة في كلمة الإمام في الاحتفال بليلة القدر .. الإمام الطيب والتجديد العملي للخطاب الدعوي

  • | الأربعاء, 13 يونيو, 2018
محمد محمود فكري .. يكتب: نظرة في كلمة الإمام في الاحتفال بليلة القدر .. الإمام الطيب والتجديد العملي للخطاب الدعوي

عديدة هى الأصول والثوابت التى انطلق منها الإمام فى كلمته أمام الحفل الذى أقيم بقاعة  مؤتمرات الأزهر بمدينة نصر للاحتفال بليلة القدر، وهى كلمة تسطر فى تاريخ الكلمات بماء الذهب لأسباب عدة، منها أنها كلمة تأتى فى ثوب جديد قشيب، لم تأت عليه عوامل الزمن، ولا حوادث الدهر، ذلك الثوب هو ثوب «تجديد الخطاب الدعوى تجديداً عملياً» فقد كثرت الخطابات النظرية التى تكررت فيها الأقوال، ولم تختلف لأجلها النتائج والآثار.

وكما ذكرت آنفاً فإن الإمام انطلق فى هذا الخطاب من عدة جهات، وأول انطلاقاته كانت من ترسيخ مبدأ ما يتفق عليه وما يختلف فيه، أو بمعنى أوضح ما قرره الأصوليون بقولهم: «لا ينكر المتفق عليه»، موضحاً أن الاختلاف لا يكون إلا فيما تحتمله ظواهر النصوص لأنه يتسع له الفهم والتأويل، ومؤكداً على أنه ما لا مجال للعقل فيه من مسائل فإنه لا يعلم حقيقة مكنوناته إلا الله، وتلك أرضية مهمة جداً على المدَّعين للتجديد أن يرعوها حق رعايتها لأن الاتفاق يؤدى إلى الوفاق الذى يثمر نجاحاً وفلاحاً.

وانطلاقاً من ذلك أكد فضيلته على أن منطق القرآن وفلسفة الإسلام يتفقان ولا يختلفان، وإنهما ليهتمان بدقيق الأمور وجليلها بما لا يدع مجالاً للشَّكِّ فى وحدة مصدر القرآن الكريم، هذه المصدرية التى أهدت للبشرية تعاليم بها من القيم والمبادئ ما لا يناقض عقلاً ولا يصادمه، لذا نجد الإسلام قد غشى أكبر الممالك فى ديارها، واستولى على سلطانها وتربع على عرشها فى وقت ليس بالطويل، وهو أحد أهم الأسباب التى هددت كسروية فارس، وقيصرة الروم.

إن الإمام -طيب الله عمره- أخذ ينادى عقلاء العالم بالعدل والمساواة، مستفيداً من واقعة بيان «المسيرة البيضاء» فكما أنه لم يتم حذف أو تجميد أى من نصوص الكتاب المقدس جراء تلك الانتهاكات التى تبنتها الكنيسة الكاثوليكية تجاه السامية بغرض عدم التعرض لقدسية النص المقدس فكذلك ينبغى أن لا يعتدى على القدسية القرآنية.

ثم وقف الإمام موقفاً حاسماً أخذ يدلل فيه على موقف القرآن الكريم من بنى الإنسانية، أبيضهم وأسودهم، برهم وفاجرهم، المسلم منهم وغير المسلم، بل إنه فرق بين مؤمنى أهل الكتاب وكافرهم إمعانا فى الانصاف، وإنعاماً به.

إننا فى فكرنا نجد العوام يفهمون جيداً أن مشكلة المتغطرسين من الذين يرمون القرآن بغير بينة تكمن فى عدم فهمهم لدقيق ألفاظ القرآن، ومطلقاته ومقيداته، ومجملاته ومبيناته، كما قال الإمام القرافى: «من لم يكن له معرفة بدلالة الألفاظ، ومواقع المخاطبات سوى بين المختلفات، وفرق بين المؤتلفات».

لكن الإمام سريعاً ما ألمح وأشار إلى أن هذه المشكلة فى فهم النص القرآنى ليس المحور الجوهرى ورائها هو عدم فهم اللغة العربية، ودلالات ألفاظها ومصطلحاتها، وإنما المشكلة تكمن فى كونهم يعتمدون فكرة «الحداثة» و«الأنسنة» لتحويل المقدس إلى لا مقدس فى نفوس مقدِّسيه عن طريق اختراع مسلَّمات لم يسلِّم بها إلا من آمن بها كفكرة، فهى لم تقم بعد دليل، وإنما استندوا إليها لأنها تؤدى إلى تحقيق غاية وغرض، وكأنها تنفيذ للقاعدة اللا أخلاقية التى تنادى: بـ«أن الغاية تبرر الوسيلة».

من ثم يرى فضيلة الإمام أن أساليب الحداثة، ورعونة مدَّعى الأنسنة إنما يهدف بها أصحابها إلى إقصاء القرآن الكريم من ساحة الاختلاف البشرى معتمدين فى ذلك على فكرة اللامقدس، التى تعنى انتزاع قداسة المقدسات الدينية من نفوس أصحابها، وما ذلك إلا تأجيج لنار العداوة فى نفوس أصحاب المقدسات على وجه العموم، وأهل القرآن على وجه الخصوص؛ بل إنه أحد أهم أسباب انتشار الإرهاب فى العالم بأسره.

لذا لا نعجب حين نجد الإمام قد استفاض فى بيان بعض المواضع القرآنية التى يسىء بعضهم فهمها عمداً أو عن غير عمد، وأخذ على عاتقه بيانها، وإبرازها، فجاء هذا التوضيح بمثابة مرافعة عن القرآن ومدافعة، تجلى الحقائق، وتبرز الكوامن.

وفى ختام مرافعته عن القرآن الكريم بيَّن أن الشجاعة الأدبية، والبراعة الفنية لو أخذتا مكانهما الطبيعى لما أساء هؤلاء الذى أصدروا بيان: «المسيرة البيضاء» إلى أنفسهم وإلى إخوانهم من بنى الإنسانية الذين يخالفونهم فى الاعتقاد؛ فلو كان ذلك كذلك لما صهروا لجميع فى بوتقة واحدة، فأنصفوا إخوانهم اليهود من الصهاينة، وبينوا للبشرية أن اليهود شىء، والصهاينة آخر، وأضيف أن الإسلام شىء، والإرهاب آخر، وأنهما لا يجتمعان حتى يلج الجمل فى سم الخياط.

أيها القارئ الكريم:

ستلمس من كلمة فضيلة الإمام تنفيذاً عملياً لتجديد الخطاب الدعوى، وأهم مظاهر هذا التجديد أنه اعتمد فيه على ثوابت تجمع ولا تفرق، وتوضح ولا تُشكِل، ينظر إلى الدين على أنه حق مكفول للجميع، عماده على أن «لا إكراه فى الدين» فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

كما أنه ينبغى على الدعاة أن يهتموا بالأمور العظام، ويتغاضوا عن حقيرها، وعليهم أن يربطوا بين المعاصرة مع الحفاظ على الأصالة التراثية، وليكن اعتمادهم فى تقرير الحقائق قائما على خطاب العقل المكفول بالشرع حتى يؤتى الخطاب ثماره المرجوة، ولعله فى تلك الكلمة كذا قد كان.

الباحث بمكتب إحياء التراث بمشيخة الأزهر

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2022 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg