| 19 مايو 2022 م

أراء و أفكار

رجائى عطية.. يكتب: الإسلام والعلم والحضارة  "27"

  • | السبت, 10 نوفمبر, 2018
رجائى عطية.. يكتب: الإسلام والعلم والحضارة  "27"
رجائي عطية

‏فى علم الاجتماع .. وفلسفة التاريخ .. للحضارة الإسلامية أيادٍ سابقة وسابغة، فى تأسيس علم الاجتماع، وفى فلسفة التاريخ، وحين يُذكر هذا أو ذاك، يطل العلامة العبقرى الفذ عبدالرحمن بن خلدون.

لا أحد يمارى فى أن الاجتماع إسلامى النشأة، أسسه ابن خلدون، ولا فى سبقه أيضاً إلى فلسفة التاريخ.

عن هذا العبقرى الفذ، وأثره فى النهضة الأوروبية، أورد المؤرخ الكبير أرنولد توينبى فى مطوله «موسوعة دراسة التاريخ»، أنه من العباقرة، وأن فى «مقدمته» : دلائل ساطعة على سعة النظر وعمق البحث وقوة التفكير، وأنه فى هذه المقدمة التى كتبها لتاريخه العام قد أدرك وتصور وأنشأ «فلسفة التاريخ»، وهى بلا شك أعظم عمل من نوعه خلفه أى عقل فى أى زمان ومكان».

يشير توينبى بذلك إلى المقدمة الشهيرة لتاريخ ابن خلدون المسمى: «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، فى أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر».

وفى هذه المقدمة أنشأ ابن خلدون المولود بتونس عام 733 هـ/ 1332م، والمتوفى بمصر سنة 808 هـ / 1406 م، بعد أن قضى فيها ثلاثة وعشرين عاماً أنشأ علماً جديداً صرنا نسميه «علم الاجتماع» أو«السوسيولوجيا»، فضلاً عن فلسفة التاريخ، وبلغت ريادته شأناً صار محلاً لتقدير وإعجاب الشرق والغرب، وأقروا له مثل توينبى بأنه مؤسس «علم الاجتماع»، وأول من تناول فلسفة التاريخ.

مؤلفات عن ابن خلدون

واستحق ابن خلدون بعبقريته وسبقه وريادته، أن تفرد له المؤلفات التى تتناول سيرته وعبقريته وأعماله. منها ما كتبه المؤرخ الكبير الأستاذ محمد عبدالله عنان، المعنى بالتاريخ الأندلسى والشمال الأفريقى: «ابن خلدون حياته وتراثه الفكرى» وطبع فى القاهرة أكثر من مرة، وأستاذ التاريخ المعروف الدكتور على عبدالواحد وافى، ونشر كتابه «عبدالرحمن بن خلدون» بالعدد الرابع من سلسلة أعلام العرب التى قدمت إلينا درراً بسعر زهيد (خمسة قروش).. هذا إلى الدراسة القيمة التى كتبها الدكتور جمال الدين الشيال عن التاريخ وأثره عموماً فى النهضة الأوروبية ضمن الكتاب الموسوعى «أثر العرب والإسلام فى النهضة الأوروبية»، إلى كتاب قدرى حافظ طوقان: «العلوم عند العرب» المنشور ضمن سلسلة الألف كتاب التى كانت تصدرها إدارة الثقافة العامة بوزارة التربية والتعليم فى مصر. وفيه أفرد مبحثاً عن ابن خلدون ضمن المقدمين فى العلوم من علماء العرب.

مقدمة ابن خلدون

ومن المتفق عليه أن مقدمة «ابن خلدون» معتبرة أساس التاريخ وحجر الزاوية فيه كما قال «ماكدونالد». وهى مقدمة تاريخية فلسفية لم ينسج أحد على منوالها قبلها، حتى علماء اليونان والرومان وغيرهم، وهناك من علماء الافرنج من خرج بتصريح خطير بعد دراسة المقدمة، فاعترف بأثر هذه المقدمة فى التاريخ وفلسفته، قال روبرت فلنت: «... من وجهة علم التاريخ وفلسفته يتحلى الأدب العربى باسم من ألمع الأسماء، فلا العالم الكلاسيكى فى القرون القديمة ولا العالم المسيحى فى القرون الوسطى يستطيعان أن يقدما اسماً يضاهى فى لمعانه ابن خلدون...». ويتابع كلامه هذا فيقول: «... إن من يقرأ المقدمة بإخلاص ونزاهة لا يستطيع إلا أن يعترف بأن «ابن خلدون» يستحق لقب مؤسس علم التاريخ وفلسفته...». وفى هذه المقدمة يتجلى اتساع أفق تفكير «ابن خلدون» وغزارة علمه، فقد اتخذ من المجتمع كله وما يعرض فيه من الظواهر مادة لدرسه، وحاول أن يفهم هذه الظواهر وأن يعللها على ضوء التاريخ، وأن يرتب من سيرها وتفاعلها قوانين اجتماعية عامة. وهذا ما جعل الباحثين يقولون بتفوق «ابن خلدون» على «مكيافللى» تفوقاً عظيماً فى التفكير ونوع الإنتاج، وفى نظريات العصبية وأعمار الدول وخواصها ومعالجتها من النواحى الاجتماعية، مما حدا بالعالم الاجتماعى «جمبلوفتش» أن يصرح بأن فضل السبق يرجع إلى العلامة الاجتماعى العربى «ابن خلدون» فيما يتعلق بكثير من النظريات والآراء التى وردت فى كتاب (الأمير) لمكيافللى.

بين ابن خلدون ومكيافللى

وقد قارن «كلوزيو» فيما يقول حافظ طوقان قارن بين «ابن خلدون» ومكيافللى فقال فى هذا الصدد: «.. إذا كان مكيافللى يعلمنا وسائل حكم الناس فإنه يفعل ذلك كسياسى بعيد النظر. ولكن العلامة ابن خلدون استطاع أن ينفذ إلى الظواهر الاجتماعية كاقتصادى وفيلسوف راسخ، مما يحملنا بحق على أن نرى فى أثره من سمو النظر والنزعة النقدية ما لم يعرفه عصره...».

الأستاذ ساطع الحصرى

ومن المعروف أن الأستاذ «ساطع الحصرى» قد درس مقدمة ابن خلدون دراسة وافية، وعقد فيها مقارنات بمؤلفات العالم «فيكو» والفيلسوف الفرنسى المعروف «منتسكيو» صاحب نظرية الفصل بين السلطات وروح القوانين وبعد أن بين أوجه القصـور فيما كتبـه «فيكو» الذى مزج فكرة الدين بأبحاثه مزجاً لا يستقيم مع البحث العلمى فى أحيان كثيرة، فإن ابن خلدون استقل فى بحثه سيراً مستقلاً عن الدين، وينوه الأستاذ الحصرى إلى أن ابن خلدون لم يرم فى بحوثه إلى غاية دينية، بل اتجه إلى التعرف على الحقيقة لذاتها، وفى ذلك يقول: «... ولا نرانا فى حاجة إلى البيان أن خطة ابن خلدون فى هذا المضمار أقرب من خطة فيكو إلى الروح العلمية وإلى مسالك التفكير الحديث...» واعترف بهذا دى بور فقال: «... ولكن الدين لا يؤثر فى آراء ابن خلدون العلمية...».

كما تعرض أبوخلدون ساطع الحصرى داعية القومية العربية ومنظرها الكبير تعرض إلى سعة نظر ابن خلدون وشمول بحثه وعمق تفكيره، فضلاً عن مقارنته طريقة البحث والاستقراء فى كل من المقدمة وكتاب «العالم الجديد» لفيكو، وأثبت كيف أن «المقدمة» ترجح كفة «العالم الجديد» رجحاناً كبيراً جداً، ومن ثم فهى الأقرب إلى أسس علم التاريخ وفلسفته وعلم الاجتماع وفلسفته، والأقرب من ثم إلى طرق البحث العلمية الحديثة.

أما «مونتسكيو» الفيلسوف الفرنسى الكبير، صاحب مبدأ الفصل بين السلطات، وموسوعة روح القوانين، ومن أشهر نوابغ الفكر والقلم فى فرنسا فى القرن الثامن عشر الميلادى، ويشغل مكاناً رفيعاً فى تاريخ فلسفة التاريخ وعلم التاريخ، حتى رأى البعض أنه أول من ربط علم الاقتصاد بعلم التاريخ وسير تكوين طبائع الأمم وتسيير وقائع التاريخ. إلاَّ أن أبا خلدون: الأستاذ ساطع الحصرى، خلص من واقع دراسته إلى أن «ابن خلدون» قد سبق «مونتسكيو»، وأن ما جاء فى «المقدمة» يشير إلى العلاقات المتينة التى تربط الأحوال الاجتماعية بالظروف الاقتصادية، والى أهمية العوامل الاقتصادية فى تطور الدول وبناء الحضارة.

يقول أبوخلدون ساطع الحصرى، فيما نقله عنه الأستاذ قدرى طوقان، إن آراء ابن خلدون جاءت فى المقدمة بعبارات صريحة واضحة، وعلى هذا فإن القول «... بأن شرف إدخال عنصر الاقتصاد فى علم التاريخ يعود إلى مونتسكيو ما هو إلا افتئات على الواقع والحقيقة، وأن هذا الشرف هو فى حقيقة الأمر يعود إلى ابن خلدون الذى سبق مونتسكيو فى هذا الشأن بمدة تزيد على مائتين وخمسين سنة..» وفوق ذلك فقد امتاز «ابن خلدون» على مونتسكيو بعمق التفكير ودقة النظر التى أظهرها فى دراسة علاقة التاريخ بالاقتصاد، وهو يدرك التطورات والتقلبات التى تصيب المجتمع، وأن أهم عامل فى هذه التطورات والتقلبات هو الاقتصاد. وقال إن الفقر هو الذى يؤدى بالناس إلى النهب والحرب. بل إن الآراء التى يبديها المفكر العربى فى هذا الصدد تقربه كثيراً من مبادئ المذهب الاقتصادى الاجتماعى الذى عرف فيما بعد باسم «المادية التاريخية» منذ عهد كارل ماركس فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر للميلاد.

خلفية ابن خلدون وأقيسته

ومن يطالع سيرة ابن خلدون يجد أنه خاض غمار السياسة وتعرض لمحنها وتقلباتها، وأنه اعتكف ورغب عن الناس إلى العلم والدرس فى أواخر حياته. ويرى كثيرون أن هذه الحالة التى تنشأ عليها قد أكسبته خبرة، وبصرته بتجارب الحياة الخاصة والعامة.

كان «ابن خلدون» يرى أن الأقيسة المنطقية لا تتفق مع طبيعة الأشياء المحسوسة، ذلك لأن معرفة هذه لا تتسنى إلاَّ بالمشاهدة، وهو يدعو العالم أن يتفكر فيما تؤدى إليه التجربة الحسية، وأن لا يكتفى يتجاربه الفردية، بل عليه أن يأخذ مجموع التجارب التى انتهت إليها الإنسانية. و«ابن خلدون» مفكر متزن التفكير، فقد حارب الكيمياء وصناعة النجوم بالأدلة العقلية وعقد لكل منهما فصلاً فى إبطاله وعدم الأخذ به.

لقد وضع قواعد الطريقة التاريخية التاريخية (Historical Method)، ويرى أن الأغلاط التى وقع فيها الذين سبقوه ترجع إلى أسباب أهمها، تشبع المؤلفين وتصديقهم لكل ما يرى دون الفحص، وجهلهم بطبائع العمران وأحوال الناس. وهو لا يقف عند هذا بل نراه يضع القوانين لدراسة التاريخ كربط الحوادث بعضها ببعض ارتباط العلة بالمعلول، وقياس الماضى بمقياس الحاضر، ثم مراعاة البيئة واختلاف تأثيرها باختلاف الأقاليم، والحالة الاقتصادية والوراثية وما شاكل ذلك.

وينقل الأستاذ قدرى طوفان عن «دى بور» أن مقدمة ابن خلدون طويت على ملاحظات نفسية وسياسية دقيقة، وأنها فى جملتها عمل عظيم مبتكر. وأن ابن خلدون كان أول من ربط بين تطور الاجتماع الإنسانى من جهة، وبين علله مع حسن الإدراك لمسائل البحث وتقريرها مؤيدة بالأدلة المقنعة.

هذا وإذا كان من علماء الغرب من تشيع «لأوجست كونت» ورآه مؤسساً لعلم الاجتماع لأنه أول من نظر إلى المجتمع ككل، واتخذه موضوعاً لعلمٍ مستقل، فإن الأستاذ ساطع الحصرى أبان أن دور ابن خلدون وحجته أقوى، لأنه الذى وطأ لهذا كله، وسبق «كونت «بحقبة طويلة تزيد على أربعمائة وستين سنة.

يقول الأستاذ ساطع الحصرى، فيما نقله عنه الأستاذ قدرى طوقان:

«لم تكن مقدمة ابن خلدون تلمساً بسيطاً لعلم الاجتماع، بل كانت محاولة ناجحة لاستحداث علم الاجتماع، إذ استجمعت جميع الشروط التى تخول صاحبها لقب مؤسس هذا العلم. لقد قال ابن خلدون بوجوب اتخاذ «الاجتماع الإنسانى «موضوعا لعلم مستقل. واعتقد تماماً بأن الأحوال الاجتماعية تتأتى من علل وأسباب. وقد أدرك أن هذه العلل والأسباب تعود فى الدرجة الأولى إلى طبيعة العمران، أو طبيعة الاجتماع. وقد درسها دراسة مستفيضة وخرج منها بكشف بعض القوانين المتعلقة بها مما ينم عن تفكير عبقرى يستحق كل تقدير واعجاب».

ومن حق ابن خلدون أيضاً، بياناً لمنهجه العلمى، أنه مع قوة إيمانه بالله وبالإسلام، إلاَّ أنه لم يذهب ما ذهب إليه غيره من إقحام الشريعة على العلم، وأن الأمور الخارجية عنها يجب أن تترك للفكر والعقل وحكمته.

فهو يرى أن العقل من نعم الله، ميّز به الإنسان على كافة المخلوقات، وأن الإنسان يستطيع أن يستنبط بعقله سنة الله فى الكون وفى خلقه، ويستطيع أن يستفيد من تلك السنن الثابتة فى «جلب المنافع ودفع المضار».

كتاب الأستاذ محمد عبدالله عنان عن ابن خلدون

وفى مؤلف الأستاذ محمد عبدالله عنان «ابن خلدون حياته وتراثه الفكر» تعرضه الأستاذ عنان لتراث ابن خلدون الفكرى والاجتماعى، فتناول علم العمران البشرى أو علم الاجتماع البشرى عنده، وكيف اعتبره أساساً لفهم التاريخ وتحليله لظواهر المجتمع، وإن أَخَذَ عليه تحامله على العرب وأسباب ذلك، وأوضح أنه امتاز عن جمهرة المؤرخين المسلمين بل وجميع المؤرخين قبله، بأنه نظر إلى التاريخ كعلم يستحق الدرس لا مجرد رواية تدون فقط، ووصف منهجه بأنه علم مستقل ذو موضوع خاص وهو «العمران البشرى والاجتماع الإنسانى».

وامتاز كتاب الأستاذ عنان بأنه استعرض سيرة ابن خلدون، وعلم السياسة والملك قبله، لدى ابن قتيبة والفارابى وإخوان الصفا والماوردى والطرطوشى، ثم ما تضمنه كتاب العبر أو ما يسمى تاريخ ابن خلدون، ولباب التعريف به، ثم تناول ابن خلدون: فيلسوف التاريخ، وفيسلوف الاجتماع، وابن خلدون الاقتصادى، والفيلسوف الجامع، وقارن بين تراثه وبين تراث مكياڤيللى فى كتاب «الأمير» ثم ضمن مؤلفه تراجم ابن خلدون بأقلام معاصريه كابن حجر العسقلانى والمقريزى وابن تغرى بردى والسخاوى وابن الخطيب وغيرهم، ثم الرسائل الغربية التى كتبت عنه، أحدها للعلامة المؤرخ الإسبانى «رافائيل ألتاميرا» عن نظرية ابن خلدون التاريخية، مترجمة عن الإسبانية، ونظرية ابن خلدون فى المسائل الأفريقية للفيلسوف الإسبانى «خوسيه أورتيجا»، وابن خلدون مؤرخ الحضارة العربى فى القرن الرابع عشر الميلادى للأستاذ «فون فيسندتك» مترجمة عن الألمانية، وأخيراً رأى المؤرخ الكبير «أرنولد توينبى» فى مطوله «موسوعة دراسة التاريخ» ومما قال فيه: «وآخر عضو فى نجومنا المؤرخين، هو عبدالرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمى المولود بتونس (1332- 1406م) وهو عبقرية عربية استطاعت أن تحقق فى فترة هدوء، استمرت أقل من أربعة أعوام، من أربعة وخمسين عاماً من حياة ناضجة عاملة «عمل الحياة» فى صورة قطعة من الأدب، يمكن أن تقارن بعمل ثيوديد (توكوتيدوس) أو عمل مكيافللى، وذلك من حيث عمق الأفق واتساعه، ومن حيث القوة العقلية المحضة، وإن نجم ابن خلدون ليبدو أكثر تألقاً إزاء كثافة الظلام التى خيمت أمامه. ذلك أنه بينما نجد ثيوديد ومكيافللى، وكلارندون، كلهم نماذج ساطعة لأوقات ساطعة، إذا بابن خلدون يبدو وحده نقطة الضوء الوحيدة فى ذلك الأفق، وأنه بلا ريب هو الشخصية البارزة فى تاريخ الحضارة».

عود على بدء

هذه الكتابات الغربية، لأقطاب مؤرخى الغرب، تشهد بالتأثير الضخم الذى كان لابن خلدون وتراثه، على النهضة الأوروبية الحديثة، فى علم الاجتماع والعمران البشرى، وفى فلسفة التاريخ.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2022 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg