| 28 فبراير 2024 م

أراء و أفكار

رجائي عطية.. يكتب: الإسلام والعلم والحضارة "29"

  • | السبت, 1 ديسمبر, 2018
رجائي عطية.. يكتب: الإسلام والعلم والحضارة "29"
رجائي عطية

التاريخ والتأريخ والمؤرخون

التاريخ والأدب

غنى عن البيان أن للتاريخ علاقة كبرى بالأدب من نواحٍ متعددة. ذلك أن التاريخ مادة لا بد منها لثقافة الأديب، يستمد منها ما يكتب، ويستعين بها فيما يفكر، وقد يصوغ مادته التاريخية صياغة أدبية.

والواقع أن التاريخ هو أول فن من فنون النثر المكتوب عرفه العرب، ولم يكونوا يعرفون قبله نثراً إلاَّ الخُطب، ثم نشأت بعد ذلك الفنـون الكتابيـة الأخـرى، فالتاريخ مادة لا غناء عنها لثقافة وعمل الأدب، واللغة لا غناء عنها فى تحصيل وفرز وغربلة مصادر التاريخ ورواياته، والأديب لا غناء عنه لصياغة التاريخ، بل وكثيراً ما تكون الأحداث التاريخية موضوعاً للقصص والروايات التاريخية، كما نرى بعض الكتابات التاريخية نفسها قطعاً أدبية توافر له حسن الصياغة وجمال العبارة وقوة العاطفة.

ولنعرف أثر التاريخ فى صناعة الحضارة الإسلامية، ثم الحضارة العامة، يجب أن نلاحظ أنه قبل الإسلام كان الحجازيون والمصريون عموماً أشدّ بداوة وأكثر أميّة، حتى نجد البلاذرى يروى فى كتابه «فتوح البلدان «أنه حين ظهر الإسلام، لم يكن أحدٌ من قريش يقرأ سوى سبعة عشر رجلاً: عمر بن الخطاب، وعلىّ بن أبى طالب، وعثمان بن عفان، وأبوعبيدة بن الجراح، وطلحة بن عبيد الله، ويزيد بن أبى سفيان، وأبوحذيفة بن عتبة بن ربيعة، وحاطب بن عمرو، وأبوسلمة بن عبدالأسد المخزومى، وأبان بن سعيد بن العاص بن أميّة، وخالد بن سعيد أخوه، وعبدالله بن سعيد بن سرح العامرى، وحويطب بن عبدالعزى العامرى، وأبوسفيان بن حرب، ومعاوية بن أبى سفيان، وجُهيم بن الصَّلت. فلما جاء الإسلام استكتب الرسول عليه السلام بعض هؤلاء الذين يعرفون الكتابة فى تدوين ما يتنزل عليه من القرآن، واستكتبهم وآخرين منهم فى كتابة الرسائل إلى الملوك والأكأسرة وشيوخ القبائل، وفى كتابة العهود والمواثيق.

وتعرف كيف أثمر هذا فى عناية نبوية فى تعليم الأمة القراءة والكتابة، فكان عليه الصلاة والسلام يقبل فداءً للأسير فى بدر، أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة.

 تدوين السنة

هذا وإذا كان النبى عليه الصلاة والسلام قد نهى عن كتابة السنة فى حياته، مخافة أن تختلط بالقرآن، وقال قولته الشهيرة: «لا تكتبوا عنى غير القرآن، وحدثوا عنى ولا حرج (أى شفاهة)، ومن كذب علىّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».

ولكننا نعلم أولاً أن الكتبة هم الذين حفظوا القرآن الكريم على الجلود والأحجار والرقع وما شابه، حتى جُمع جمعاً دقيقاً لا تضاهيه أعمال أرفع اللجان الحديثة، ثم بُدئ من أوائل القرن الثانى الهجرى كتابة السنة النبوية مخافة ضياعها بمضى السنين، سيما وقد جمع القرآن وزالت الخشية من اختلاط السنة بالقرآن.

وقد أورد المرحوم الأستاذ الجليل أحمد أمين، بحثاً مستفيضاً عن التاريخ والمؤرخين فى الفصل السابع من الجزء الثانى من كتابه ضحى الإسلام، ضمن المجموعة الرائعة التى شملت «فجر الإسلام»، و«ضحى الإسلام» بأجزائه الثلاثة، و«ظهر الإسلام» بأجزائه الأربعة، وكان له الفضل فيما نوه به الدكتور طه حسين فى تقديمه لهذه المجموعة الفريدة، فى وصل حركة التاريخ، فى تتابع ودقة وشمول، وفى إحصاء عميق صدر فيه عن علم واسع، وَيَسَّرَ السبيل لكل باحث وقارئ من بعده للإلمام بمعالم الحضارة الإسلامية وتطوراتها عبر الزمن.

وليس يفوت أن هذه وتلك كانتا نقلةً، وفتحتا السبيل كما أسلفنا لنمو الكتابة، وشمولها لكل أغراض الفقه والعلوم، وتهيئتها للحضارة الإسلامية التى ظلت أوروبا تنهل منها وتأخذ عنها لنحو ثلاثة قرون.

أبعاد الحركة التاريخية

هذا ولم تكن الحركة التاريخية قاصرة على تأليف الكتب التاريخية، وإنما انتشرت فى الأقطار الإسلامية انتشاراً لتقصى أخبار الأمم الماضية والأجيال الغابرة، ودونت الأحداث التى جرت فى عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ثم عهد الراشدين ثم التابعين وتابعيهم، فكانت حركة واسعة أفرزت ما ألمحنا إلى بعضه من مدونات تاريخية ظلت تتنامى من وقت ظهور الإسلام حتى اليوم.

ومن بعدهم فإن الملاحظ أن ما روى فى السيرة من أحداث جرت قبل الإسلام كانت بالنمط الذى تروى به أيام العرب فى الجاهلية، وتأثرت فى أحداث الإسلام بنمط الحديث، وانتشرت كتب السيرة والتراجم والمغازى والبعوث، وظهر المؤرخون تباعاً. ولكن علم التاريخ طفق ينمو ويتأهل ويزداد اتساعاً وعمقاً، وقد تمثلتا فيما تقدم بالعبقرى الفذ ابن خلدون الذى شهد له ثقات العلماء بأنه أول من وضع فلسفة التاريخ وأصول علم الاجتماع الإنسانى.

لقد تحدث الأستاذ أحمد أمين، وتحدث غيره، عن سيرة هؤلاء المؤرخين وعلماء التاريخ العظام، بيد أن بسط هذه السير يخرج عن أغراض هذه السطور، التى تهتم فى المقام الأول بأثر العرب والإسلام فى النهضة الأوروبية، بل والعالمية.

أثر التاريخ والتأريخ

فى النهضة الأوروبية

وفى الحضارة الإنسانية

التاريخ فرع من العلوم التى اشتد عودها بظهور الإسلام، وامتاز بخاصية دفعته أكثر إلى الاتساع والترقى، تمثل ذلك أول ما تمثل فى كتابة القرآن الكريم ثم أسباب ومناسبات تنزيله، وما عساه لازم ذلك من أحداث، ثم فى كتابة السنة النبوية التى يبين مما تقدم أنها كانت غايةً للعلماء، حتى تفرعت كتب السيرة وتنوعت، ووازاها العناية بجمع الحديث النبوى ودراسة إسناده للتثبت من صحته وصدوره فعلاً عن النبى عليه الصلاة والسلام، وتوالت من بعد كما أسلفنا فروع وأشكال التاريخ وكتابة المؤلفات التاريخية، ومن ثم كان لهذه الخاصية التى امتاز بها التاريخ والتأريخ، أثر واضح فى النهضة الأوروبية بخاصة، وفى الحضارة الإنسانية بعامة.

معابر انتقال الثقافة العربية

 الإسلامية إلى أوروبا

للأستاذ الدكتور جمال الدين الشيال، دراسة وافية جاءت ضمن موسوعة: «أثر العرب والإسلام فى النهضة الأوروبية»، خصصها للتاريخ، والبحث عن منافذ تأثيره، استعرض معابر انتقال الثقافة الإسلامية إلى أوروبا، وقد ألممنا سلفاً ببعضها، ويبسطها الدكتور الشيال بأنه بظهور الإسلام فى القرن السادس الميلادى، خرج العرب من صحرائهم يحملون رسالة الدين الجديد، ويطرقون أبواب الإمبراطوريتين المتاخمتين: الفارسية شرقاً، والبيزنطية غرباً، وصارت فارس جزءاً من الدولة الإسلامية الجديدة، ودخلت أجزاء الإمبراطورية البيزنطية المطلّة على البحر الأبيض المتوسط، وهى الشام ومصر وشمال أفريقيا دخلت هى الأخرى فى الدولة الإسلامية الناهضة، ومن شمال أفريقيا عبر المسلمون المضيق الذى تَسمى من بعد بمضيق جبل طارق عبروه إلى أوروبا حيث أقاموا الدولة الأندلسية فى إسبانيا.

ومع هذا الانفتاح، وانتشار الإسلام، طفقت الدولة الإسلامية تأخذ أبعاداً كبيرة خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة، رسخت أقدامها، وامتد نفوذها إلى البحر الأبيض وشواطئه، حيث أنشأوا الأساطيل والسفن، وكانت جسرهم إلى الجزر المتناثرة فى البحر الأبيض، وانضمت إليها جزيرتا صقلية وكريت، وصارت على مشارف سواحل إيطاليا بعد الأندلس، وعلى جزيرتى سردينيا وقبرص، كما امتدت فى ذات الحقبة شرقاً إلى حدود الصين.

وما يعنينا هنا هو معابر انتقال الحضارة الإسلامية إلى أوروبا وما تلاها.

كانت الدولة الإسلامية قد بلغت أقصى اتساعها شرقاً وغرباً فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى)، وصنعت لنفسها رغم الانقسامات السياسية هنا وهناك حضارة إسلامية واحدة.

أما معابر الثقافة الإسلامية، فقد أتيحت لها منافذ عديدة، فى الشرق إلى فارس وما تلاها، ومن الشام إلى تخوم الدولة الرومانية، وعبر كريت وصقلية إلى إيطاليا والأندلس، ومن الأندلس إلى الشمال فى أوروبا، بادئة بفرنسا والبرتغال على تخوم الحدود الإسبانية، ومنها شمالاً إلى البلدان الأوروبية.

ولم تكن هذه المعابر فترة المد هى وحدها معابر الثقافة الإسلامية، وإنما توفرت المعابر أيضاً فى فترات الجذر أو الانحسار، فاستيلاء النورمان على جزيرة صقلية من سنة 1060 م / 452 هـ إلى 1090 م /483 هـ، واحتلال البيزنطيين جزيرة سردينيا، هيأ معبرين للثقافة الإسلامية إلى أوروبا، وكان المعبر أوسع وأشمل فى الحروب الصليبية التى شُنت على الأراضى الإسلامية والأراضى المقدسة، فقد حمل هؤلاء إلى بلادهم حصاد ما رأوه وعاينوه ولمسوه من الحضارة الإسلامية إلى بلدانهم فى أوروبا، ويؤكد ذلك أن معرفة الأوروبيين بتاريخ الإسلام والمسلمين كانت محدودة فى كميتها مشوهة فى كيفها حتى بدء الحملة الصليبية الأولى.

أضف إلى ذلك، الحجاج الذين طفقوا يحجون من أنحاء أوروبا إلى البلدان العربية لزيارة بيت المقدس وكنيسة القيامة بها.

ومن هذا كله يتضح صدق ما استخلصه الدكتور الشيال، من أن الفكر العربى الإسلامى، والتاريخ، قد اتخذوا طريقهم إلى الغرب المسيحى والعقل الأوروبى عبر هذه المعابر: الأندلس، وجزيرتا كريت وصقلية، وجنوب إيطاليا، والشرق الأدنى إبان الحروب الصليبية.

الأندلس الإسلامية

فى إسبانيا

ليست غايتنا هنا دراسة الفتح العربى للأندلس وانتشار الإسلام فى الجزيرة الأيبيرية، فذلك معروف ومتاح، وإنما هدفنا يتمخض فى استقصاء النهضة العلمية التى أقام المسلمون عمدها فى الأندلس منذ فتحها، وبقيت كثيرٌ من آثارها بعد إجلائهم عنها.

وأول ما يجب الالتفات إليه فيما يشير الدكتور الشيال هو عملية الخلط التى تمت بين العنصرين العربى والإسبانى فى الأندلس، وأثرها فى النواحى الثقافية بوجه عام، وفى الدراسات التاريخية بوجه خاص.

من المعروف أنه بعد أن استقرت أحوال المسلمين فى الأندلس، أقبلوا على الزواج من الإسبانيات، وأول من أقبل على ذلك «عبدالعزيز بن موسى بن نصير»، وأسلمت زوجته وتكنّت بأم عاصم، واعتنق عدد من الإسبان الدين الإسلامى وعُرِفوا بالمسالمة، ونبت جيل من أولاد المسلمين من هذه الزيجات، وعُرِفوا بالمولدين، وكانوا الكثرة الغالبة فى عهد بنى أمية، وصارت الدماء الإسبانية تجرى فى عروق بعض الخلفاء الأمويين بالأندلس، مثل الخليفة الكبير «عبدالرحمن الناصر» الذى حكم الأندلس أكثر من أربعة وثلاثين عاماً.

وكان المولدون يستعملون إلى جانب اللغة العربية اللغة اللاتينية الحديثة، وكان من الطبيعى فيما يقول الدكتور الشيال أن تتداخل اللغتان وتؤثر كل منهما فى الأخرى.

هذا وقد بقى آخرون من الإسبان على دينهم ولم يسلموا، ولكنهم عاشروا المسلمين واختلطوا وتأثروا بهم فى سلوكهم وعاداتهم وملابسهم ونواحى حياتهم المختلفة، فى الوقت الذى كفل لهم المسلمون حريتهم الدينية، وأبقوا على كنائسهم وأديرتهم، وأتيح لهم أن يمارسوا شعائر وطقوس دينهم فى حرية تامة.

وأسفرت هذه الحرية والمعاملة الطيبة، عن اختلاط هؤلاء بالمسلمين اختلاطاً كاملاً، ومعرفتهم وتأثرهم باللغة العربية والثقافة العربية تأثراً قوياً واضحاً؛ حتى أتى وقت أهملوا فيه اللغة اللاتينية وشغفوا حباً باللغة العربية ومهروا فيها، بل ونظموا فيها الشعر والأدب فيما يورد الدكتور جمال الدين الشيال فى دراسته الضافية، واستعان بعض ملوك الشمال لتحقيق نهضتهم بعدد كبير من علماء المسلمين والمستعربين.

وبهذا الأسلوب صبت هذه المدرسة كل هذه الأصول العربية واللاتينية فى «قشتالة»، وأخرجت إنتاجاً تاريخياً وأدبياً خالداً.

وهناك شواهد كثيرة فيما يورد الدكتور الشيال تشير إلى تأثّر الدراسات التاريخية الإسبانية بمثيلتها العربية قبل إنشاء مدرسة الترجمة فى طُليطلة.

هذا ورغم انحسار المسلمين عن الأندلس، وقيام مدرسة تسعى للتخلص من العرب ومن العربية لغةً وفكراً وأساساً، إلاَّ أن المؤثرات العربية الإسلامية لم تنقطع، وحديثنا حول ذلك موصول

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg