| 25 مايو 2024 م

أراء و أفكار

نهلة متولي .. تكتب: حب الوطن من الدين

  • | الأحد, 7 يوليه, 2019
نهلة متولي .. تكتب: حب الوطن من الدين
نهلة متولي.. عميد كلية الدراسات الإنسانية بنات تفهنا الأشراف 

بلغ حب الوطن فى قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه وقت خروجه من مكة نظر إليها ودموعه تسبق كلماته قائلاً: «ما أطيَبُكِ مِن بلدٍ، وما أحبُّكِ إلَيَّ، ولولا أن قومَكِ أخرَجُونِى مِنكِ ما سكَنتُ غيرَكِ» (رواه الترمذى).

     وثبت فى الصحيحين عندما دخل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان يدعو بهذا الدعاء (اللهم حبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبِّنا مكةَ أو أشدَّ).

    إن نعمة الوطن نعمة لا تقدر بمال، بل من كان آمناً فى وطنه فكأنه أصبح أو أمسى مالكاً لها، ففى الحديث النبوى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «مَن أصبَحَ مِنكم آمِناً فى سِربِه، مُعافًى فى جسَدِه، عنده قُوتُ يَومِه فكأنَّما حِيزَت له الدنيا«(رواه الإمام الترمذى، وسنَدُه حسنٌ).

    وحب الوطن كان عند العرب قديماً حباً لا يعادله أى حب، فكانوا يحملون تراب وطنهم فى أسفارهم كما نقل الجاحظ فقال: «كانت العرب إذا غزَتْ، أو سافرتْ، حملتْ معها من تربة بلدها رملاً وعفراً تستنشقه»

وأيضاً قال العلامة الغزالى: «والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفراً مستوحَشاً، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة فى النفوس، تجعل الإنسانَ يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص».

وكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر حرك ناقته لتسرع حتى يدخل المدينة، أخرج الإمام البخارى فى صحيحه عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله إذا قدم من سفرٍ، فأبصر درجات المدينة، أوضع ناقتَه - أى: أسرع بها - وإن كانت دابة حرَّكَها»، قال أبوعبدالله: زاد الحارث بن عمير عن حميد: «حركها من حبِّها».

ولله در من قال:  

«إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحننه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه». 

 لكن لماذا يحن الناس لأوطانهم؟!.

 سؤال أجاب عنه الحصرى فى كتابه زهر الآداب وثمر الألباب، فقال: «وكان الناسُ يتشوّقون إلى أوطانِهم، ولا يفهمون العلِّةَ فى ذلك، حتى أوضحها على بن العباس الرّومى فى قصيدةٍ لسليمان بن عبدالله بن طاهر يستَعدِيه على رجل من التجَار، يعرف بابن أبى كامل، أجبَره على بَيْع داره واغتصبه بعض جُدرها، بقوله:

ولـــى وطنٌ آليتُ إلا أَبيعهُ.. وألاّ أرى غيرى لهُ الدهر مالِكا

قد ألِفَـته النفـسُ حتى كأنهُ... لها جَسَدٌ إن بانَ غُودِرَ هالـكا». 

ومن أجمل ما قاله أبوتمام 

كمْ منزل فى الأرضِ يألفه الفتى.... وحنينُه أبداً لأولِ منزلِ

وجعل الله تعالى عقاباً أليماً لمن تسول له نفسه أن يُفسِدَ فيه فأمر بتطبيق حد الحرابة عليهم فى الدنيا ردعاً لهم، وتوعدهم فى الآخرة بعذاب عظيم، قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ  ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) سورة المائدة: آية ٣٣.

وتقوى الله ليست كثرة العبادة والصدقة فحسب؛ بل تقوى الله من تمامها حب الوطن والمحافظة عليه، قال العلامة الشيخ محمد شاكر -رحمه الله تعالى-: «إِيَّاكَ أَنْ تَظُنَّ أَنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ الصَّلَاةُ والصِّيَامُ وَنَحْوُهُمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ فَقَطْ، إِنَّ تَقْوَى اللهِ تَدْخُلُ فِى كُلِّ شَيْءٍ، فَاتَّقِ اللهَ فِى عِبَادَةِ مَوْلَاكَ، لَا تُفَرِّطْ فِيهَا، وَاتَّقِ اللهَ فِى إِخْوَانِكَ لَا تُؤْذِ أَحَداً مِنْهُمْ، وَاتَّقِ اللهَ فِى بَلَدِكَ، لَا تَخُنْهُ وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْهِ عَدُواً، وَاتَّقِ اللهَ فِى نَفْسِكَ وَلَا تُهْمِلْ فِى صِحَّتِكَ، وَلَا تَتَخَلَّقْ بِسِوَى الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ».

ولم لا، والله تعالى قد سوى بين قتل النفس وبين الخروج من الديار، فالخروج من الوطن بمثابة قتل للنفس، قال تعالى: «وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ» النساء: 66.

وإن الله تعالى أراد أن يُطمئن نبيه صلى الله عليه وسلم بعد إن أُخرج من مكة واشتد عليه الحزن، فقال الله تعالى له: «إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ» -أى سيردك لمكة مرة أخرى-.

وهذه السيمفونية الرائعة التى نثرها على مسامعنا فضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى -رحمه الله تعالى- عن حب وطننا مصر أبلغ الأثر فى صدق محبة الوطن، حيث قال: «من يقول عن مصر إنها أمة كافرة إذاً فمَن المسلمون؟ مَن المؤمنون؟.. ستظل مصر رغم أنف كل حاقد هنا أو خارج هنا مصر الكنانة.. مصر التى قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: أهلها فى رباط إلى يوم القيامة.. مصر التى صدَّرت علم الإسلام إلى الدنيا كلها، صدَّرته حتى إلى البلد التى نزل فيها الإسلام، هى التى صدَّرت لعلماء الدنيا علم الإسلام، أنقول عنها إنها أمة كافرة؟! ذلك هو تحقيق العلم فى أزهرها الشريف وأما دفاعاً عن الإسلام فانظروا إلى التاريخ: مَن الذى ردّ همجية التتار عنه؟ إنهـا مصــر.. مَن الذى رد هجوم الصليبيين على الإسلام والمسلمين؟ إنهـا مصـر.. وستظل مصر دائماً رغم أنف كل حاقد أو حاسد، أو مستغِل أو مستغَل مدفوع من خصوم الإسلام هنا أو خارج هنا، إنها مصر ستظل دائماً».

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
3.0

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg